صاحبي ج2 اماني السيد
الخط سكت من الناحية التانية لثواني، حسيت فيها بنبضات قلبي بتدق في وداني.. وبعدين صوت المحامي طلع، هادي ومحسوب بالمللي:
“هستناك في مكتبي الساعة تمانية بالدقيقة، ومعاك كل ورقة تثبت كلامك؛ الروشتة، أرقام تليفوناتهم، وتاريخ دخولها المستشفى القديم. بس خليك عارف.. أنا وكيل أم ولادك الأول، وكل كلمة هتقولها عندي هتبقى بعلمها وتحت نظرها.”
“موافق.. على كل اللي تقوله موافق.”
قفلت الخط وأنا بتنفس بصعوبة، كأني رميت نفسي من فوق جبل وبستنى أشوف هقع على إيه.
الساعات اللي فضلت لحد ميعاد المكتب كانت أطول ساعات عدت عليا في حياتي؛ قاعد في العربية راكن على جنب في شارع هادي، بشرب سجاير ورا بعض، وبسترجع كل ثانية: اليوم اللي صاحبي قعد فيه ينفخ في وداني ويقولي “الراجل ميعيبوش غير جيبه، عيشلك يومين بدل الروتين اللي إنت فيه”.. ويوم ما دخلت بيتهم وشوفتها قاعدة بتبتسم في خجل مصطنع، وعينيها اللي افتكرتها براءة وطلعت غياب كامل عن الوعي بفضل المهدئات اللي كانوا داحشينها في بطنها عشان تعدي الليلة وتتلزق في رقبتي.
الساعة بقت تمانية إلا خمسة، طلعت عمارة المحامي في الدقي. رجلية كانت متبنجة وأنا طالع على السلم، دخلت المكتب والسكرتيرة دخلتني فوراً.
كان قاعد وراه مكتب خشب كبير، راجل في الخمسينات وشه صارم، ونظارته مدلدلة على طرف مناخيره. شاورلي على الكرسي من غير حتى ما يمد إيده يسلم، وقبل ما أنطق بحرف، الباب الجانبي للمكتب اتفتح.. ودخلت هي!
مراتي.. أم ولادي.
لابسة طرحتها السودا، وشها مهدود وحوالين عينيها هالات سودا باين منها قهر الليل كله، بس واقفتها كانت مصلوبة، مفيهاش ذرة انكسار قدامي. قعدت على الكرسي اللي على يميني، بعيد عني كأني مش موجود في الأوضة أصلاً، عينيها مثبتة على المحامي.
“أستاذة منى فضلت تحضر بنفسها عشان الكلام يبقى على بياض قدام الكل،” المحامي هو اللي اتكلم وهو بيفتح دوسيه فاضي، “هات اللي عندك يا أستاذ.. من طقطق لسلامو عليكم.”
طلعت من جيبي التقرير الطبي، وروشتة الحقن، وورقة صغيرة كنت كاتب فيها كل مليم دفعته من يوم ما شوفت البنت لحد اللحظة دي، وحطيتهم على المكتب بإيد بتترعش. حكيت كل حاجة بالتفصيل.. من أول زن صاحبي، لكتب الكتاب، للوصولات اللي مضيتها على بياض “عشان أطمن قلب أبوها”، لليلة الرعب والس.كينة، ومواجهة الفجر مع أهلها وتهديدهم ليا في وسط بلدهم.
طول ما أنا بتكلم، منى مكنتش بتبصلي، بس كنت سامع صوت صوابعها وهي بتفرك في شنطتها بعصبية مكتومة، وكل ما أذكر تفصيلة فيها هوان وابتزاز، وشها كان بيتشد أكتر.
المحامي سند ضهره لورا بعد ما قلب في الورق، ونفخ بنفاذ صبر:
“وصولات أمانة على بياض؟! إنت سلمت رقبتك لعصابة رسمي يا أستاذ! دي لعبة بيعملوها ناصبي الأرياف لما تكون عندهم بلوة وعايزين يلبسوها لمغفل.. يكتبوه على بياض عشان لو فكر يشتكي أو يطلق، يلووا دراعه بحبس أمانة ويخلوه يصرف عليها وهو مدلدل ودانه!”
حطيت راسي بين كفوفي وعيني دمعت من غير ما أحس:
“أنا عارف إني غلطت.. وراضي بأي عقاب من أم ولادي، بس ينقذوني من الحبس عشان أعرف أشتغل وأصرف على عيالي.. هما هينزلوا الوصلات دي النيابة، وأنا مش حمل سجن!”
الصمت خيم على الأوضة، صمت تقيل يخنق. فجأة، سمعت صوت كرسي منى بيتحرك. رفعت راسي لقيتها بتبصلي لأول مرة من ساعة ما دخلت، نظرة حارقة مليانة وجع وقرف، بس كان فيها حزم غريب.
بصت للمحامي وقالت بصوت قاطع زي السيف:
“أنا مش عايزاه يدخل السجن يا أستاذ حازم.. مش عشانه، عشان ولادي ميعيشوش معيرين بإن أبوهم رد سجون ونصابين حطوا عليه.. إحنا هنكسر عين النصابين دول، وهنخليهم يقطعوا الوصلات دي بإيديهم!”
كلمتها شقت الصمت زي الرصاصة، بصتلها بذهول وأنا مش مصدق إن الست اللي كسرت قلبها الصبح هي اللي واقفة بتفكر تنقذ رقبتي من حبل المشنقة بالليل، مش حب فيا.. لكن حرقة على كرامة عيالها واسمهم.
المحامي عدل نظارته، وبصلها باهتمام وابتسامة مكر بدأت تترسم على وشه:
“ودماغك فيها إيه يا مدام منى؟”
حطت شنطتها على طرف المكتب، وقربت خطوة لقدام، صوتها كان هادي بس مليان غل وذكاء ست مصرية مفروسة:
“العصابة دي دخلت البيت من باب الطمع، وميتكسروش غير بالفضيحة والقرش. هما مفكرين إنهم ماسكين دراعه بالوصلات، ومش عاملين حساب إن عندهم بنت مجنونة في مستشفى حكومي متسجلة باسمهم قبل ما تتسجل باسمه، ومعاهم شريك واطي اللي هو صاحبه.. والصاحب ده هو أول خيط هيتكر منه التوب كله.”
لفت وشها ليا وبصتلي بقرف، كأنها بتديني أوامر عسكرية:
“إنت هتقفل بؤك ده خالص من هنا ورايح، تليفونك ميردش على حد منهم.. أستاذ حازم هيتحرك في سكتين في نفس الدقيقة.”
المحامي هز راسه مكمل كلامها وهو بيخبط بقلمه على الملف:
“بالظبط.. السكة الأولى: بلاغ رسمي للنائب العام بتهمة التدليس والنصب وتكوين تشكيل عصابي لابتزاز المواطنين، ونطلب ضم ملف البنت الطبي من المستشفى القديمة اللي كانت محجوزة فيها، وده هيثبت سوء النية وإخفاء عيب جوهري يفسخ عقد الجواز باطلاً من أوله.. والسكة التانية، والأهم: تحريات المباحث حول واقعة تسليم إيصالات الأمانة.”
بصيت للمحامي وسألته برعب: “بس الوصلات على بياض ومعاهم يا متر! لو ملوا الأرقام ونزلوها النيابة هتسجن على طول!”
رد المحامي ببرود وثقة:
“الطعن بالتزوير والصلب كفيل يوقف أي حكم لحد ما الطب الشرعي يثبت إن التوقيع كان على بياض في تاريخ مختلف عن كتابة صلب الإيصال.. ده غير إننا هنستدعي ‘صاحبك’ كشاهد في واقعة النصب، ونحشره في البلاغ كمتواطئ ومحرض ومستفيد، وساعتها لما يلاقي رجليه هتدخل السجن مع حماه، هو أول واحد هيبصق في وشهم ويضغط عليهم يسلموا الورق عشان ينجد رقبته!”
سكت المحامي لحظة، وبص في ساعته، وبعدين بص لمنى:
“والبنت اللي في المستشفى يا مدام؟ الدكتور مش هيسيبها أكتر من الليلة دي.”
منى رجعت شعرها لورا بنَفَس طويل، وقالت وهي بتبص في الفراغ:
“تتحول للطب الشرعي بمعرفة النيابة.. يتعملها إيداع رسمي في مصحة الأمراض النفسية على نفقة الدولة أو أهلها بقرار قضائي، وتتسحب ولايته عنها تماماً بحكم فسخ الجواز.. تترمي مطرح ما كانت، عشان هو ملوش يد يشيل شيلة غيره، ولا هسمح لقرش من شقى عيالي يروح على مهدئات لواحدة أهلها تاجروا بيها.”
قامت وقفت، ولمت شنطتها واستعدت تمشي. وقفت مكاني مش عارف أقول إيه، لساني كان عاجز عن أي كلمة شكر؛ الشكر هنا كان هيبقى وقاحة وإهانة فوق الإهانة.
قبل ما تخرج من باب المكتب، وقفت وضهرها ليا، وقالت من غير ما تبص وراها بنبرة خلت جسمي كله يقشعر:
“أنا بعمل ده عشان عيالي ميعيرهمش حد إن أبوهم كان مسجون ولا عبيط اتنصب عليه.. لكن أول ما الوصلات دي تتقطع وتخرج من المصيدة دي، ورقة طلاقي هتوصلني تالت ومتلت.. سامع يا أبو العيال؟”
خرجت وقفلت الباب وراها، وسابتني واقف في مكاني مكسور ومذلول، منتظر معركة الصبح اللي هتبدأ مع العصابة، وأنا عارف إني حتى لو كسبت كل القضايا وقطعت الوصلات.. بيتي اللي اتهد عمره ما هيرجع يتبني تاني.
الليلة دي منمتش دقيقة واحدة. فضلت قاعد في العربية تحت بيت أهلي القديم، باصص في الفراغ والسجاير بتاكل في صدري، مستني النهار يشقشق عشان كابوس المحاكم يبدأ. مع أول خيط ضوء، المحامي حازم رن عليا، صوته كان صاحي وفايق كأنه داخل معركة حربية:
“أنا في طريقي للنيابة ومعايا بلاغ التدليس والابتزاز. إنت تطلع فوراً على مستشفى الأمراض النفسية، الدكتور هناك بلّغ إن البنت بدأت تفوق من المهدئ وتدخل في نوبة هياج جديدة، وأنا بعت مندوب من عندي بإخطار رسمي للمستشفى عشان محدش يسلمها لأهلها ولا يخرجها غير بإذن النيابة.”
دورت العربية وطرت على المستشفى، ركبي كانت بتخبط في بعضها من الرعب. أول ما دخلت الطرقة، سمعت الصريخ والعياط.. صوت جاي من الأوضة المعزولة في آخر الممر، صوت تقشعر له الأبدان؛ بتخبط في الباب الحديد وبتشتم بألفاظ غريبة وبتنادي بأسماء ملهاش وجود. الممرضين كانوا واقفين برة ووشوشهم مقلوبة، وأول ما الدكتور شافني جاي، مسكني من دراعي بنرفزة:
“أخيراً شرفت يا أستاذ؟ البنت هتكسر العزل، والمستشفى مش ملزمة تتحمل مسؤولية مريض عنيف مش متوفر له علاجه الخاص! أهلها اتصلوا وقالوا إنهم جايين يستلموها، وإنت جوزها ولازم تمضي إقرار!”
“محدش هيستلم حاجة!”
الصوت ده مكنش صوتي، التفت لقيت مندوب مكتب أستاذ حازم داخل بخطوات واثقة، ورفع في وش الدكتور ورقة مختومة بختم النسر:
“أنا وكيل الزوج، وده إخطار رسمي بفتح تحقيق في نيابة قسم كذا، البنت تحت تصرف النيابة العامة للكشف عليها عن طريق الطب الشرعي لإثبات عيب عقلي سابق على الجواز تم إخفاؤه بالتدليس.. خروجها أو تسليمها لأي طرف تزوير واشتراك في جري.مة.”
الدكتور وشه جاب ألوان، وتراجع خطوتين لورا وهو بيبص للورقة: “تمام.. طالما دخلت نيابة وطب شرعي، إحنا نتحفظ عليها هنا رسمي لحد ما يجينا مندوب التحقيق.”
ملحقتش أتنفس، إلا ولقيت الباب الخارجي للمستشفى بيترزع بقوة.. ودخل أبوها، لابس عبايته السودة وعينه بتطق شرار، ووراه صاحبي اللي وشه كان أصفر زي الميت، ومعاهم اتنين رجالة من قرايبهم.
أبوها أول ما لمحني في الطرقة، هجم عليا وهو رافع عصايته في الهوا:
“يا ناصب يا واطي! حابس بنتي هنا وبتفضحنا في المستشفيات؟! قسماً بالله ما هتخرج من هنا حي، والوصلات اللي في جيبي دي هتبيتك في السجن الليلة!”
كنت لسه هرجع لورا برعب، بس مندوب المحامي وقف في وشه فجأة، وطلع تليفونه وشغّل التسجيل وهو بيتكلم بصوت هادي ومرعب في نفس الوقت:
“ارفع صوتك كمان يا حاج صالح.. ارفع عشان التسجيل طالع صوت وصورة على مكتب النائب العام دلوقتي، ومعاه بلاغ بالنصب والابتزاز وتشكيل عصابي لإكراه مواطن على توقيع إيصالات أمانة!”
أبوها اتلجم في مكانه، والعصاية نزلت في إيده ببطء وهو بيبص للمندوب بعدم فهم: “إكراه مين يا بني أدم إنت؟! ده ماضيها بيده ورضاه!”
المندوب ضحك بسخرية وهو بيشاور على صاحبي اللي كان واقف وراهم بيترعش:
“مش ده الأستاذ اللي توسط في الجوازة؟ أحب أقولك يا كابتن إنك متسجل في البلاغ كمتهم تاني بتهمة التوسط في النصب والتحريض على توقيع إيصالات بيضاء.. والطب الشرعي في السيدة زينب كفيل يثبت إن التوقيع كان على بياض ومن غير تسليم مالي حقيقي، يعني جناية خيانة ائتمان وتزوير هتلبسها إنت وحماك، غير فضيحة السجن ليك ولعيالك في وظيفتك!”
صاحبي الدم هرب من وشه تماماً، وبص لحماه برعب حقيقي وبدأ يزعق بهستيريا:
“أنا قولتلك يا عم صالح بلاش الحوارات دي! قولتلك بلاش الوصلات وخلونا نخلص بالمعروف! أنا مش هضيع مستقبلي وأدخل السجن عشانكم.. البت مريضة وكل البلد عارفة إنها محجوزة من زمان!”
“اخرس يا جبان!” أبوها زعق فيه ومسكه من تلابيبه وهو هيتجنن من الغدر المفاجئ، والطرقة اتقلبت لخناقة شوارع بين أهل البنت وصاحبي اللي رماني في النار ودلوقتي النار بتمسك في هدومه هو!
وقفت أبص للمشهد بذهول.. العصابة اللي كانت لسة من ساعات بتلوِي دراعي وبتهدد بخراب بيتي وسجني، بقت بتاكل في بعضها زي الكلاب المسعورة عشان ينجوا بروسهم!
وسط الدوشة دي كلها، تليفوني رن في جيبي. طلعته وبصيت للشاشة.. لقيت اسم “منى” منورها.
فتحت الخط وإيدي بتترعش، وصوتي طلع مخنوق: “ألو.. يا أم العيال..”
ردت عليا بنبرة جليدية، قاطعة زي حد السيف، معندهاش فضول تسأل ولا حتى مهتمة باللي بيحصل في المستشفى:
“المحامي بلغني إنهم بدأوا يقطعوا في بعض وهيجيبوا الوصلات عشان يفلتوا بجلودهم.. حسابك مع النصابين دول هيخلص النهاردة، بس حسابي أنا معاك هيبدأ بكرة في محكمة الأسرة.. متنساش تجيب بطاقتك وأنت جاي تمضي على مؤخري وحقوق عيالي.”
الخط قطع في وشي، والصمت رجع تاني في وداني رغم الصريخ والبهدلة اللي حواليا في المستشفى. بصيت للسقف وأنا حاسس بمرارة غسلت كل فرحة بنجاتي من السجن.. نجاتي من العصابة كانت رخيصة، بس التمن اللي دفعته من بيتي وعشرتي، هو اللي هيفضل كاسر ضهري لآخر يوم في عمري.
المعركة مع النصابين خلصت أسرع مما كنت أتخيل.. الخوف من السجن والفضيحة خلى صاحبي يضغط على حماه بكل قوته، وجابوا وصولات الأمانة في مكتب المحامي، قطعتها بإيدي وحرقتها قدام عينيهم، والنيابة أثبتت واقعة التدليس والمرض العقلي السابق للجواز، وصدر قرار رسمي بإيداع البنت مصحة حكومية للعلاج وسقطت كل حقوقها من على كتافي بحكم بطلان العقد.
خرجت من الدايرة دي حر طليق من السجن.. لكن روحي كانت لسه مربوطة في ساقية الندم.
منى مانتظرتش يوم واحد، ولا قبلت أي وساطة ولا قعدة عرب. وقفت قدام المأذون رافعة راسها، مفيش في عينيها دمعة واحدة، واخدة كل مليم من مؤخرها وحقوقها بالقرش، وبصتلي النظرة الأخيرة وقالت: “عيالك هتشوفهم بالمعروف وبأمر المحكمة، غير كده متعديش عتبة الباب.” وطلقتها.. والكلمة خرجت من زوري كأنها بتدبحني أنا.
مرت سنة كاملة.. سنة كانت أطول من عمري كله.
اتعلمت فيها يعني إيه الراجل يرجع لبيت فاضي بارد، ياكل لقمة ناشفة مفيهاش ريحة نفس حبيب، ويقعد بالساعات باصص في السقف يفتكر النعمة اللي رفصها برجليه. كنت بشتغل ورديتين وتلاتة، أقبض من هنا وأحط الفلوس في حسابها للولاد بزيادة عن اللي حكمت بيه المحكمة، عشان بس متمدش إيدها لحد ولا تحس بعوزة.
سنة كاملة وأنا وراها زي ضلها..
كنت استناها من بعيد وهي مروحة بطلبات البيت، أسبقها ع السلم وأشيل عنها الشنط وهي تبصلي بقرف ومتردش.
أقف تحت البلكونة بالساعات في عز البرد، بس عشان ألمح خيالها.
أبعتلها مع الولاد هدايا وورق كاتب فيه اعتذارات بدم قلبي، فترجعلي الهدايا مع البواب والورق مقطع ميت حتة.
أوسط أهلها، وأهل الخير، وأمي تروح تبوس راسها، وهي راكبة راسها ورافضة حتى تسمع اسمي: “اللي يبيعني في سوق النخاسة لرخيص، ملوش عندي رجعة.”
لحد ما جه اليوم اللي بنتي الصغيرة تعبت فيه وسخنت بالليل فجأة. لقيتها بترن عليا بنبرة كلها خوف وأمومة تاه منها العند: “البنت بتشنج يا أحمد، الحقنا!”
طرت بالعربية، شيلت البنت وجريت بيها على المستشفى حافي، فضلت سهران جمبها لحد الفجر والكمادات في إيدي، وعيني على منى اللي كانت قاعدة منهارة على كرسي الاستقبال. لما البنت فاقت والدكتور طمنا، منى سندت راسها على الحيطة وغمضت عينيها، التعب هدّها.
قربت منها، وقعدت على ركبي في الأرض قدامها، مسكت طرف عبايتها بضعف راجل مكسور من جواه:
“سنة يا منى.. سنة بدوق فيها المر اللي شربتهولك كاس ورا كاس. قسماً بعزة جلال الله اتعلمت الأدب، وعرفت إن الدنيا كلها بكدبها وزينتها متسواش تراب رجلك ولا حسك في بيتي. أنا اتعاقبت وخدت جزائي وزيادة، ومستعد أفضل تحت طوعك خادم ليكي ولعيالي بقية عمري.. بس افتحيلي باب جنتك تاني وماتحرمينيش منكم.”
بصتلي، ولأول مرة من سنة كاملة شفت الدموع بتلمع في عينيها من غير كبرياء. بصت لإيديا اللي متبهدلة من الكمادات، ولذقني اللي غزاها الشيب، وللهفة اللي مكنش فيها ذرة كدب.. سكتت كتير، وسحبت نَفَس طويل كأنها بتطرد وجع سنة بحالها، وقالت بصوت واطي مهزوز:
“الأدب اللي اتعلمته ده، لو اتنسى في يوم يا أبو العيال.. مش هسيبك تموت في قهرتك سنة، هكون أنا اللي دافناك بإيدي.. قوم غسل وشك، ويلا عشان نروح بيتنا.”
شيلت البنت على دراعي، ومنى ماشية جمبي، خطواتها مكنتش سريعة ولا لهوجة زي زمان، كانت هادية، راسية، خطوة واحدة بتعلم حدود جديدة لكل يوم جاي. نزلنا لسكون الشارع وركبنا العربية، وفي المراية كنت شايف ملامحها الشاردة؛ العفو اللي ادتهولي مكنش معناه إن الجرح اتمسح بجرّة قلم، ده كان تصريح مشروط بإن النجاة دي فرصة وحيدة وأخيرة، ملهاش تكرار.
وصلنا العمارة، السلالم اللي كنت بطلعها السنة اللي فاتت كلها بخوف وذل كأني شحات، طلعتها المرة دي وأنا شايل روحي بين إيديا. فتحتْ باب الشقة بالمفتاح، نفس الريحة اللي كانت وحشاني، ريحة البيت والأمان، دخلت حطيت البنت في سريرها وغطيتها، وخرجت للصالة لقيتها واقفة في نفس المطرح اللي بدأت منه الحكاية، في نص الصالة، عاقدة دراعاتها وبتبصلي بعين مليانة حذر ووعي كامل:
“البيت ده يا أحمد اتفتح من جديد عشان البنتين دول ميلقوش نفسهم في يوم مشتتين، مش عشان أنا نسيت إنك في لحظة غفلة رخصتنا. الباب اللي اتقفل في وشك سنة كاملة، المفتاح بتاعه هيفضل في إيدي أنا.. الأمان اللي كسرته مش هيرجع بالكلام ولا بالنواح، هيرجع بالفعل والستر اللي تصونه حبة حبة.”
نزلت عيني في الأرض، مش مكسور من الضعف، لكن احتراما لست كانت بمية راجل، حمت ضهري وهي موجوعة مني، وعلمتني إن البيوت مبتقفش على نزوة عابرة ولا وش فلقة قمر، البيوت بتقف على الأصالة اللي بتصون وقت المحنة.
قربت منها، بوست راسها وإيديها بهدوء، وقلت وأنا باصص في عينيها من غير كدب ولا مواربة:
“المفتاح في إيدك يا أم العيال، وحياتك عندي ما هيلتفت قلبي ولا عيني لغيرك حتى لو الدنيا اتقفلت في وشي، أنا شفت قاع البير وطلعت منه على إيدك، والراجل اللي ميتعلمش من وجع ضهره يبقى ميستاهلش يكون له أهل ولا دار.”
دخلت أوضتها بهدوء وسابت الباب موارب، وأنا فرشت مطرحي في الصالة زي ما اتفقت مع نفسي، عارف إن الطريق لسه طويل عشان أرجع الراجل اللي كان مالي عينها زمان، بس كفاني إني الليلة دي نايم تحت نفس السقف، صوت نَفَس ولادي حامي دفا البيت، وباب الجحيم اللي فتحته بإيدي اتقفل بالضبة والمفتاح للأبد.