صاحبي ج2 اماني السيد

سكتت، وصوت نَفَسها السريع كان هو الصوت الوحيد اللي بيشق صمت الشقة القاتل. حاولت أقف، ركبي كانت بتخبط في بعضها زي العيل الصغير، مديت إيدي عشان ألمس طرف عبايتها، أترجاها، بس رجعت خطوتين لورا بقرف كأنها شافت حشرة سامة.
“اسمعيني بس يا أم العيال.. وحياة عيالنا اسمعيني، أنا استاهل الحرق، استاهل كل كلمة قولتيها، بس متخربيش البيت.. العيال ذنبهم إيه؟ أنا غلطت وروحي كانت في إيدي الليلة، دبريني!”
ضحكت.. ضحكة مكتومة، طالعة من قاع قلب محروق، وهزت راسها بأسى:
“العيال؟! دلوقتي افتكرت العيال؟! وإنت رايح تدفع شقاهم شبكة للعروسة الجديدة كنت فاكرهم؟ وإنت بتكدب عليا وتقولي مصلحة شغل، مكنتش خايف عليهم؟ البيت ده اتخرب بالدقيقة اللي حطيت فيها إيدك في إيد أبوها، مش دلوقتي لما الحبل التف حوالين رقبتك!”
شاورت بإيدها على باب الشقة، إيدها مكنتش بتترعش، كانت ثابتة بقوة عمري ما شفتها فيها طول سنين جوازنا:
“الباب اللي دخلت منه ده، تخرج منه حالاً. مش هتبات هنا دقيقة واحدة، ولا هتدخل على ولادي وإنت شايل ريحة الخيانة وخراب البيوت وراك. المحامي بتاعي هيتواصل معاك، والقرش اللي كان رايح للحقن المستوردة، هتدفعه غصب عنك نفقة ومصاريف للعيال اللي افتكرتهم على باب المصحة!”
لفت ضهرها ومشيت ناحية أوضة الولاد، قبل ما تفتح الباب التفتت وبصتلي نظرة أخيرة، نظرة مفيهاش حتى غضب.. كان فيها فراغ موحش، فراغ بيقول إن الراجل اللي كان مالي عينها مات ومبقاش له أثر. دخلت وقفلت الباب وراها بهدوء تام، حتى مسمعتش صوت طقّة الترباس، كانت قفلة قاطعة، قفلة نهاية.
فضلت واقف لوحدي في الصالة، الهوا بارد، ريحة البيت اللي كان أماني بتخنقني، والموبايل في جيبي رن فجأة.. طلعته بإيد مرتعشة، لقيت رقم المستشفى بينور الشاشة، والممرض أو الدكتور هناك مستني يعرف: هيتصرفوا إزاي في الكارثة اللي متسجلة باسمي؟
رجعت لورا خطوة، سحبت أكرّة الباب وخرجت للسلم وأنا حاسس إني عريان، خسرت كل حاجة في ليلة واحدة؛ مراتي، بيتي، احترامي لنفسي.. وبقيت خارج للشارع أواجه جحيم أنا اللي بنيته طوبة طوبة بطمعي وسذاجتي.
قفلت الباب ونزلت السلالم وأنا مش شايف قدامي، الدم كان بيغلي في عروقي لدرجة الودان اللي بتصفر. الخزي اللي حسيت بيه قدام مراتي اتحول في ثانية لنار غضب عامية، نار مش هتبرد غير لما أطربقها على دماغ النصابين اللي دمروا حياتي. ركبت عربيتي وسوقت زي المجنون على الطريق الزراعي، دايس بنزين على آخره، وعيني مش شايفة غير وش أبوها وهو بيتمسكن في كتب الكتاب، وصاحبي اللي رماني في المحرقة دي عشان يخلّص نسايبه من بلوتهم.
وصلت بلدهم مع أذان الفجر، البلد كانت لسه نايمة في سكون يغيظ، وأنا نازل من العربية أرزع الباب ورايا. مشيت بخطوات واسعة لحد ما وقفت قدام بيتهم، وبدل ما أخبط بالراحة، فضلت أضرب بإيديا ورجليا على الباب الخشب ضربات كانت كفيلة تكسره في ثواني، وصوتي طالع يعلّي على أذان الفجر في الحارة:
“افتح يا حاج صالح! افتح يا غشاش يا نصاب.. افتح بدل ما أهد البيت ده على نفوخك ونفوخ عيلتك!”
الكلاب بدأت تهوهو في الحارة، وشبابيك البيوت اللي جمبهم اتفتحت، وجيرانهم بدأوا يطلوا بروسهم مستغربين الدوشة. شوية وصوت تكات الترباس اتسمعت، والباب اتفتح وطلع منه أبوها، لابس جلابيته وبيفرك في عينه، ووراه صاحبي اللي طلع بايت عندهم!
أول ما شفت وش صاحبي، الشياطين كلها نطت في وشي، هجمت عليه زي الطور الهايج وجبته من تلابيب جلابيته لزقته في الحيطة:
“بقى إنت يا واطي؟! إنت يا ابن الحرام تلبسني في قنبلة موقوتة عشان تخلص قرايبك؟! مريضة شيزوفرينيا ومحجوزة في مستشفى مجانين وعايزة تقتلني تلبسوهالي وتقولولي فلقة قمر وستر وغطا؟!”
صاحبي اتفاجئ وحاول يفك إيدي بصعوبة وهو وشه محتقن، أما أبوها فبدل ما ينكسف أو يخاف من الفضيحة وسط الجيران اللي بدأوا يتجمعوا، لقيته بيرجع خطوة لورا ووشه بيتقلب لبرود وتبجح يقهر:
“نزل إيدك يا بني أدم إنت.. إنت فاكر نفسك داخل على ناس ملهاش ضهر ولا إيه؟ بنتي مفيهاش حاجة، بنتي سليمة وزي الفل، والكل عارف إنها بتجيلها خنقة وعصبية شوية من الحسد، ودكتور المستشفى اللي إنت مروحها له ده بيكبر الحكاية عشان يقلّب في فلوس!”
“فلوس وخنقة؟!” زعقت فيها لدرجة إن صوتي اتشرخ وأنا بطلع تقرير المستشفى من جيبي وبرميه في وشه وسط الناس:
“بنتك شيزوفرينيا رسمي ومسجلة في المصحة بقالها شهور ومقطوع علاجها يا نصابين! كانت هتدبحني الليلة دي في الشقة، والبوليس والاسعاف اللي لحقوني منها! أنتوا بعتوهالي غش وتدليس عشان تشيلوني مصاريفها وتخلصوا من عارها!”
أبوها داس على الورقة بجزمته، ورفع صباعه في وشي بنبرة كلها تهديد ومكر:
“صوتك ده ميعلاش هنا في بلدنا، والورقة دي تبلها وتشرب ميتها.. إنت دخلت برجلك وطلبت القرب، وكتبت الكتاب برضاك ودخلت بيها، يعني بنتي في عصمتك وشايلها لحم ودم وقانون.. وكلمة زيادة في حقها ولا محاولة إنك ترميها، قسماً بالله ما هتخرج من المركز ده سليم، وحق بنتي هناخده منك تالت ومتلت بالقانون وعُرف البلد!”
الكلمات نزلت عليا زي جردل مية تلج.. اتلجمت مكاني وأنا شايف التبجح في عين الراجل، وصاحبي اللي نفض هدومه ووقف جمب حماه بيعدل ياقته وعينه مكسورة بس مليانة غدر، الجيران حوالينا اتلموا، عينهم عليا بغضب وعصبية بلديات؛ مش فارق معاهم تقرير مستشفى ولا غش وتدليس، فارق معاهم غريب واقف يزعق ويفضح بنت بلدهم على باب دارها.
“حق إيه اللي تاخده مني؟!” صوتي طلع مبحوح ومخنوق من كتر القهر، “دي سرقة ونصب.. جواز باطل ومبني على غش، هرفع عليكم ق.ضية تدليس وهسجنك إنت وهو، ومش دافع مليم لا في علاج ولا في غيره!”
صاحبي قرب مني نص خطوة، ووطى صوته بفحيح أفعى وهو باصص في الأرض:
“ارقع بالصوت واعمل اللي تعمله يا صاحبي.. الورق في إيدك روح بيه النيابة، بس عما تثبت الغش وتلف في المحاكم سنين، هتكون البنت محبوسة في المستشفى بتهمة محاولة شروع في قتلك وإنت ملزم بنفقتها وعلاجها قانوناً، وأبوها هيطالب بمؤخرها وقايمتها اللي ماضيلهم عليها على بياض، ولا نسيت الوصلات اللي مضيتها يوم كتب الكتاب عشان ترضيهم؟ فوق.. إنت داخل المصيدة برجليك، وعيالك اللي سبتهم في القاهرة أولى بالقرشين اللي هتدور تصرفهم على المحاكم وفضايحك!”
الدم هرب من وشي لما فكرت في وصولات الأمانة اللي كنت ماضي عليها بغبائي وعمايا يوم الفرح، الورق اللي كتبته عشان “أطمن قلب أبوها” زي ما صاحبي قالي وقتها! حسيت بقلبي بيسقط في رجليه، أنا مش بس ضيعت مراتي وبيتي.. أنا سلمت رقبتي لعصابة محترفة، قانونياً أنا الزوج المسؤول، ولو سيبتها في المستشفى ومصرفتش عليها ممكن يلفقوا ليا إهمال أو يطالبوني بمؤخر وقايمة تكسر ضهري وتسجنني.
أبوها شاوره لشباب من عيلته كانوا بدأوا يقربوا، وقال بنبرة قاطعة فيها كل معاني التهديد:
“تركب عربيتك وتغور من هنا، تروح تدبر علاج بنتي وتصرف عليها بالتي هي أحسن.. بنتنا على ذمتك، وأي تقصير منك، قسماً برب العزة ما هيكون ليك مطرح أمان لا في شغلك ولا في بيتك اللي في البندر.. يلا يا رجالة فضوا الليلة!”
رجعت لورا خطوة خطوة، والرجالة حواليا بيحاصروني بعيونهم، كل خطوة كانت بتدوس على كرامتي وتفكرني بإن اللي يبيع بيته وأصله عشان سراب، يستاهل يتداس بالجزم. ركبت العربية وإيدي بترتعش لدرجة إني معرفتش أحط المفتاح في الكونتاكت من أول مرة.. دورت ومشيت، سيبت بلدهم ورايا والشمس بتبدأ تشقشق، بس الدنيا كلها في عيني كانت سواد مالوش آخر.
الطريق راجع للقاهرة كان طويل تليفوني رن تاني، بصيت في الشاشة لقيت رقم المحامي بتاع مراتي.. أم ولادي.. الرنة دي كانت مسمار أخير في نعش حياتي؛ من ورايا بيت بيطالب بحق ولاده وبيتهد، ومن قدامي عصابة رابطة رقبتي بوصلات ومريضة محتاجة ألوفات عشان متقتلش، وأنا في النص.. غرقان في قاع بير ماليش منه مخرج.
ركنت العربية على يمين الطريق الزراعي بعد ما سبت بلدهم بكام كيلو. طفيت الموتور وسندت راسي على الدريكسيون، وصوت تزييق التليفون في التابلوه مش راضي يقف. بصيت لرقم محامي مراتي وهو بينور ويطفي.. الرنة فصلت، وبعد ثواني معدودة جالي إشعار رسالة منه:
“أستاذ فلان، المدام وكلتني رسمياً لرفع دعوى طلاق للضرر وحبس لنفقة الصغار، ومطالب بحقوقها الشرعية بالكامل وقائمة المنقولات.. ياريت نتواصل للحل الودي تجنباً للمحاضر والنيابة.”
الرسالة كانت كفيلة تلجم أي ذرة تفكير باقية في نفوخي. رفعت راسي وبصيت لنفسي في مراية العربية؛ وشي شاحب، عيني مدممة، وذقني نابتة زي المتشردين. في ظرف أربع وعشرين ساعة، اتحولت من زوج مستقر وأب محترم، لواحد هربان من أهل مراته التانية ومهدد بالحبس، ومطرود من بيته ومراته الأولى بتجره في المحاكم.
مسكت التليفون وطلبت رقم صاحبي تاني، يمكن.. يمكن لما نكون لوحدنا من غير حماه يحس بذنب، أو يفتكر عيش وملح سنين. التليفون رن مرتين وبعدين إداني “مشغول”، جربت تاني لقيته قفل الخط وعملي بلوك!
ضحكت بهستيريا وأنا بضرب الدريكسيون بقبضة إيدي لحد ما جلدي اتجرح:
“يا رخيص.. بعتني برخيص يا ابن الإيه!”
فتحت التابلوه وطلعت منه الكارثة التالتة: روشتة المستشفى، المكتوب فيها بخط الإيد اسم الحقن المستوردة. اتصلت على كذا صيدلية كبيرة وأنا سايق راجع القاهرة، الإجابة كانت واحدة في كل مرة زي شريط متسجل:
“مش موجودة يا فندم، الصنف ده ناقص من شهور ومش بينزل غير جدول ومستورد، لو لقيته في السوق السودا الأمبول مش هيقل عن ستة أو سبعة آلاف، ومحتاجة أمبولين في الأسبوع.”
أربعة عشر ألف في الأسبوع؟! يعني أكتر من مرتب شهر كامل عشان أهدي جنون واحدة أهلها نصبوا عليا بيها!
دخلت القاهرة والشوارع كانت زحمة بحركة الناس اللي رايحة شغلها ومدارسها.. كل العربيات اللي جنبي فيها ناس مروحة أو رايحة تاكل لقمة عيشها في سلام، وأنا الوحيد اللي حاسس إن الحبل مشدود حوالين رقبتي على الآخر.
وصلت قدام مستشفى الأمراض النفسية اللي محجوزة فيها، نزلت من العربية ورجلي تقيلة زي الرصاص. كنت محتاج أواجه الدكتور، محتاج أعرف مخرجي القانوني من الورطة دي إيه قبل ما أعلن إفلاسي أو أتسجن.
دخلت الاستقبال، ريحة المعقمات الباردة وصوت البيبان الحديد اللي بتتقفل برهبتها فكروني بحجم المستنقع. سألت عن دكتور النبطشية اللي استلمها الفجر، قالولي إنه في مكتبه.
خبطت ودخلت، رفع عينه من الورق وبصلي من فوق النظارة:
“خير يا أستاذ؟ دبرت علاج المدام ولا جاي تمضي إقرار الحجز على نفقتك الخاصة؟”
قعدت على الكرسي قدامه، ورميت المفاتيح على المكتب بإيد مهدودة:
“يا دكتور.. أنا اتنصب عليا، أنا معرفش البنت دي غير من شهرين، وأهلها غشوني ولبسوني وصولات أمانة، ومقدرش على مصاريف الحقن دي ولا مليم! قولي بصراحة.. قانوناً، إزاي أخرج نفسي من الحكاية دي قبل ما توديني في داهية؟”
الدكتور قلع النظارة وحطها على المكتب بهدوء، بصلي بملامح باردة مفيهاش أي دهشة؛ واضح إنه شاف السيناريو ده مية مرة قبل كده في نفس الأوضة.
“بص يا أستاذ.. المشاعر والشكاوى دي مكانها برة، هنا إحنا بنتعامل بورق وقانون.”
شاور بصباعه على الملف اللي قدامه وكمل:
“أولاً: المريضة حالياً تحت تأثير مهدئات قوية بتكفيها ٢٤ ساعة بس، بعد كدة يا توفر علاجها الخاص، يا تترحل لمصحة حكومية بقرار من النيابة العامة.. ومفيش مصحة حكومية هتقبلها إلا بتقرير طبي شرعي ومسؤولية قانونية من ولي أمرها أو جوزها.”
بلعت ريقي وسألته بلهفة: “طب وأهلها؟ هما اللي سابوها وهربوا، أرميها عليهم!”
“قانوناً، إنت جوزها والمسؤول الأول عنها قدام المستشفى من ساعة ما مضيت على إقرار الدخول الصبح.. لو عايز تخرج من المسؤولية الجنائية دي، قدامك سكة واحدة ملهاش تاني: تطلع فوراً على قسم الشرطة، تفتح محضر إثبات حالة بغش وتدليس في عقد الزواج، وتقدم تقارير حجزها القديمة اللي هنا، وتثبت إنها كانت بتتعالج قبل ما تتجوزك وإن أهلها خفوا عنك مرضها العقلي.”
سكت الدكتور لثانية وبصلي بنظرة ذات مغزى:
“لكن خليك واعي.. الخطوة دي معناها إنك هتعلن الحرب رسمي على أهلها، والمحضر ده هيخلي النيابة تتدخل، ووقتها لو هما معاهم عليك وصولات أمانة زي ما بتقول، هيحركوها في نفس اللحظة وهتبقى ق.ضية قدام ق.ضية.. يعني سباق مين يكسر التاني الأول في المحاكم.”
قمت من على الكرسي وأنا حاسس إن دماغي هتنفجر من الحسبة.. سكة النيابة والمحاضر هتدخلني في نفق مظلم ومصاريف محامين وتهديد بالحبس بسبب الوصلات، وسكة السكوت معناها إني هفضل أنزف فلوس في علاج مش هقدر عليه لبنت ممكن تقتلني في أي لحظة، وفوق ده كله، بيتي الأصلي وأم ولادي على بعد ساعات من إنها ترفع عليا قضايا نفقة وتبهدلني!
خرجت من المستشفى ووقفت في الشارع تحت الشمس الحارقة، بصيت في تليفوني.. لقيت رسايل من البنك بتفكرني بالقسط اللي عليا، ورسالة تانية من محامي مراتي محدد ميعاد لجلسة ودية بكرة الصبح كفرصة أخيرة قبل ما ينزل المحاضر.
عرفت إن مفيش وقت للتردد، وإن اللف والدوران هو اللي وصلني لهنا. مسكت التليفون ورنيت على محامي مراتي.. صوتي كان ناشف ومفيش فيه ذرة من الضعف اللي كان فيا الصبح:
“ألو.. أستاذ حازم؟ أنا موافق على كل طلبات أم العيال.. بس محتاجك تقابلني الليلة دي بالذات، مش عشان نتفاوض في حقوقها، عشان أنا هسلمك ملف الكارثة كله، وإنت اللي هترفعلي ق.ضية الغش والتدليس ضد النصابين دول.. ماليش ضهر قانوني يقف قدام وصولات الأمانة غيرك، ولو أنا اتسجنت، مفيش مليم هيوصل لولادي.”

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *