اربع ساعات بعد الدفن حكايات صافي
سقت لحد المقر الرئيسي لبنك في شارع قصر النيل.
ولما وصلت، طلبت أقابل ماجد الشناوي.
ماجد كان مدير قسم الخدمات المصرفية الخاصة، وكنت أعرفه بحكم شغل سنين.
وعشان معرفتنا القديمة، منتظرتش كتير في الاستقبال.
وبعد دقايق، كنت قاعد قدامه جوه مكتبه.
من غير ما أتكلم كتير، طلعت الدفتر الأزرق القديم من جوه الجاكيت وحطيته على مكتبه.
وقلتله: “لقيت ده وسط حاجات زينب.. محتاجك تقول لي ده إيه.”
ماجد مسكه.
في الأول، حسيت إنه مستغرب.
قلب الغلاف.
وبعدين فتحه.
عينيه نزلت على الصفحات لحد ما وصلت لرقم الحساب.
وفجأة… وقف.
الدم كله هرب من وشه وبقى أصفر زي الورق.
ميلت قدام شوية وقررت أنطق: “ماجد؟”
مردش.
قام من مكانه بسرعة لدرجة إن الكرسي خبط ورا.
راح على باب المكتب.
وقفله بالمفتاح.
وبعدين مشي نزل الستائر.
وبعد ما عمل ده كله، رجع قعد مكانه تاني ببطء.
مسك الدفتر تاني وفضل باصص لرقم الحساب كأنه مش مصدق عينيه وإنه بيقرأ صح.
قال بصوت متردد: “يا فندم…”
صوته كان متغير تماماً عن العادة.
رديت عليه: “في إيه؟”
بص في عيني مباشرة وقال: “جبت الدفتر ده منين؟”
قلتله: “قلت لك، ده كان بتاع زينب، لقيته مخبي جوه علبة خياطة.”
صوابعه ضغطت بقوة على الدفتر.
ولاحظت إن إيديه كانت بتترعش.
سألني بصوت واطي: “فيه حد تاني شافك وأنت بتلاقيه؟”
“بنتي.”
“وعملت إيه؟”
“رمته في الزبالة.”
فضل ماجد باصص لي كذا ثانية من غير ما ينطق.
وبعدين حط الدفتر بحرص شديد على المكتب.
وقال لي بحزم: “أوعى تسيب المكتب ده.”
كشرت وقلت: “يا ماجد، هو في إيه بالضبط؟ فهمني!”
بلع ريقه بصعوبة قبل ما يرد:
“ده مش حساب توفير عادي يا عمي.”
بصيت على الدفتر الصغير المبهت.
كان شكله سخيف ولا يسوى مليم.
سألته: “قصدك إيه؟”
ماجد بص للباب المقفل، وبعدين رجع بص لي.
وقال: “لو النهاردة بجد أول مرة تشوف الدفتر ده، يبقى أحنا في مصيبة كبيرة بجد.”
بطني اتقبضت من الخوف.
سألته: “مصيبة إيه؟”
بدل ما يرد، مد إيده على التليفون اللي على مكتبه.
شفت وهو بيرفع السماعة.
وقبل ما يطلب الرقم، بص لي نظرة حسيت بيها بحاجة عمري ما شفتها في عيونه قبل كده…
خوف. خوف حقيقي.
قال لي: “أنا لازم أبلغ الجهات المختصة فوراً.”
“دلوقتي حالاً.”
بصيت له وأنا مش مصدق وداني.
من كم ساعة بس، كنت فاهم إن أسوأ حاجة ممكن تحصل لي في حياتي حصلت خلاص.