انا اقدر اصلحهولك
أنا أقدر أصلّحهولك ماما هي اللي علمتني.
قالتها بنت صغيرة عندها ست سنين، وهي واقفة قدام عربية مصفحة عطلانة في طريق مقطوع مفيهوش لا بني آدمين ولا حتى شبكة موبايل.
الراجل اللي واقف قدامها كان ياسين الدمنهوري، واحد من أخطر رجال الأعمال في القاهرة، والاسم اللي ناس كتير في عالم الجريمة كانوا بيهمسوا بيه وما يحبوش ينطقوه بصوت عالي.
ياسين بص للمفتاح الإنجليزي اللي في إيد البنت وضحك بسخرية.
لحد ما بعد تلات أيام، عربية SUV سودا ظهرت على نفس الطريق المهجور
وساعتها، كل حاجة اتقلبت.
لأن العربية دي كشفت خيانة من أقرب الناس ليه
وخليته يوصل لعيلة كاملة عمره ما كان يعرف إنها موجودة.
الساعة كانت 418 العصر، يوم الخميس.
مؤشر الحرارة طلع للآخر مرة واحدة.
وبعدها بثواني
الموتور فصل.
ركنت العربية المصفحة على جنب الطريق، ونزلت منها وأنا حاسس بحرارة شهر أغسطس بتخبط في وشي.
بصيت حواليا.
ولا بيت.
ولا محل.
ولا عربية معدية.
ولا حتى شبكة موبايل.
الطريق كان مقطوع تمامًا، وسط أراضي زراعية وأشجار على الناحيتين، كأنه مدفون بعيد عن الدنيا كلها.
بالنسبة لأي حد تاني، العربية لما تعطل في مكان زي ده تبقى مجرد مشكلة رخمة.
لكن بالنسبة لي
الموضوع كان مختلف.
لأن لو حد قدر يحدد مكاني هنا، فمعنى كده إن حد أخيرًا عرف يوصل لي.
اسمي ياسين الدمنهوري.
عندي تمانية وتلاتين سنة، وبملك شركات نقل، ومخازن، ومطاعم، وشركات مقاولات، واستثمارات في أماكن كتير.
لكن ورا البيزنس
ده كله، فيه تاريخ قديم لعيلتنا محدش بيحب يتكلم عنه.
الصحافة أحيانًا كانت بتلمح إني واحد من أكبر رؤوس العالم السفلي في مصر.
وأنا عمري ما أكدت الكلام ده.
وعمري ما نفيته.
في العادة، مكنتش بتحرك خطوة من غير رجالة الحراسة بتوعي.
لكن اليوم ده كان مختلف.
أنا اللي طلبت منهم يبعدوا عني.
كنت محتاج أختفي تلات أيام.
تلات أيام محدش يعرف أنا فين.
لا تليفونات.
لا اجتماعات.
لا حراسة.
ولا حتى حد يسألني أنا رايح فين.
كنت فاكر إني أخيرًا هبقى لوحدي.
طلعت غلطان.
بخار أبيض كان طالع من تحت الكبوت.
فتحت الكبوت وبصيت جوه.
الموضوع كان أوضح من إني أصلحه بإيدي.
قفلت الكبوت بضيق، ومسحت العرق من على جبيني.
وفجأة
سمعت صوت حركة في الزرع.
اتشد جسمي كله.
إيدي راحت تلقائيًا ناحية السلاح اللي تحت الجاكيت.
بصيت ناحية الصوت.
ولقيتها.
بنت صغيرة.
يمكن عندها ست سنين.
شعرها بني مربوط في ديل حصان، هدومها عليها تراب، ولابسة كوتشي قديم.
وفي إيدها
مفتاح إنجليزي أكبر من إيدها تقريبًا.
وقفت قدام العربية وبصت للدخان اللي طالع منها.
وبعدين رفعت عيني وبصتلي.
وقالت بمنتهى الثقة
أنا أقدر أصلّحهالك.
فضلت باصلها ثانيتين.
وبعدين ضحكت.
إيه؟
هزت المفتاح في إيدها وقالت
العربية. أقدر أصلّحها.
ضحكت أكتر.
إنتِ؟
هزت راسها بجدية.
أيوه.
وإنتِ عرفتي تصليحي عربيات منين يا شاطرة؟
ردت بمنتهى البساطة
ماما هي اللي علمتني.
كنت خلاص هضحك عليها وأمشيها.
لكنها فجأة قربت من العربية ومدت إيدها ناحية الكبوت.
قولتلها بسرعة
استني!
وقفت وبصتلي.
إيه؟
سألتها وأنا مركز معاها
مامتك فين؟
رفعت إيدها وأشارت لطريق ترابي صغير بين الشجر.
هناك في البيت.
بصيت للطريق.
كان ضيق، ومستخبي وسط الزرع، ومفيش أي علامة تدل إن فيه بيوت أصلًا.
كل خلية في جسمي كانت بتقول لي
ما تمشيش ورا طفلة غريبة لمكان متعرفوش.
خصوصًا إن شغلي علمني إن أسوأ الأخطاء بتبدأ بجملة بسيطة زي
مفيش حاجة تقلق.
لكن لسبب لحد دلوقتي مش فاهمه
مشيت وراها.
راجل عنده تمانية وتلاتين سنة، وعمره ما كان بيصدق حد بسهولة
مشي ورا بنت عندها ست سنين، وهي ماسكة مفتاح إنجليزي.
وصلنا لبيت صغير مستخبي ورا شوية شجر.
وأول ما قربنا، خرجت ست من جراج البيت.
كانت في أوائل التلاتينات.
شعرها مربوط، لابسة هدوم شغل بسيطة، وفي إيدها فوطة عليها آثار زيت.
أول ما شافتني
وقفت مكانها.
بصتلي.
وبعدين بصت للعربية اللي ورايا.
وبعدين لبنتها.
ملامحها اتغيرت.
لكنها مقلتش حاجة.
أنا كنت لسه هسألها مين هي وإزاي بنتها بتعرف تصلح عربيات
لما فجأة سمعت صوتها
حضرتك مين؟
قبل ما أرد، بنتها جريت عليها وقالت
ماما! العربية بتاعته عطلت وأنا قلتله إني أقدر أصلحهاله.
الست بصتلي تاني.
المرة دي، كان واضح إنها بتحاول تخبي خوفها.
سألتها
إنتِ عارفة العربية دي؟
هزت راسها بسرعة.
لا.
لكن ردها كان أسرع من اللازم.
خدت بالي.
وكنت لسه هضغط عليها
لما فجأة سمعت صوت عربية جاية من بعيد.
صوت موتور تقيل.
قرب أكتر.
وأكتر.
وبعدين
عربية SUV سودا ظهرت من بين الأشجار.
في اللحظة دي، كل إحساسي بالخطر رجع مرة واحدة.
إيدي راحت تحت الجاكيت.
بصيت على العربية.
وعرفتها.
العربية دي مش غريبة عني.
دي واحدة من عربيات المجموعة اللي بملكها.
واحدة من العربيات اللي بتتحرك بأوامر ناس معينين.
والأسوأ من كده؟
محدش في القاهرة كان يعرف أنا موجود هنا.
ولا واحد.
أنا بنفسي مديت تعليمات واضحة إن محدش يعرف مكاني.
بصيت للبنت.
كانت واقفة جنبي.
رفعت وشها وبصتلي وسألت
إنت تعرف الناس دول؟
ما رديتش.
لأن السؤال الحقيقي مكانش
مين دول؟
السؤال كان
مين اللي قالهم أنا فين؟
عربية ال وقفت قدام البيت.
الباب اتفتح.
وفي اللحظة دي، ست البيت اتجمدت مكانها.
وشها شحب.
كأنها شافت شبح.
بصيت عليها باستغراب.
إنتِ تعرفيهم؟
لكنها ماردتش.
نزل واحد من العربية.
وبمجرد ما شافته، رجعت خطوة لورا.
وبصوت واطي جدًا، قالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
معقول حسام الدمنهوري بعتهم؟
حسام الدمنهوري
اسم من الماضي.
اسم محدش بره عيلتي كان المفروض يعرفه.
والراجل ده
كان واحد من أخطر الأسرار اللي دفنتها عيلة الدمنهوري من سنين.
بصيت للست.
وبعدين للبنت.
وبعدين للعربية السودا.
وساعتها بدأت الصورة تتجمع قدامي.
أنا مكنتش اتزنقت في الطريق بالصدفة.
وعربيتي مكنتش عطلت في المكان ده بالصدفة.
وظهور العربية السودا بعد تلات أيام مكنش صدفة برضه.
حد كان عارف أنا رايح فين.
حد كان متابعني.
حد من جوا دايرتي.
لكن اللي خوّفني فعلًا
مش الخيانة.
كان السؤال اللي جه في دماغي
إيه علاقة الست دي بعيلتي؟
وليه بنتها الصغيرة بتعرف تصلح عربية مصفحة بالطريقة دي؟
وليه هي عرفت اسم راجل من ماضي عيلتي محدش يعرف
لمحة نيوز