حادثه ج٢ منى السيد
الجزء الثالث
نظرة التهديد اللي وجهها لي كريم من ورا الباب الموارب خلت دموعي تتجمد في عيني. الكدمات اللي كانت مغطية وشه والجروح السطحية اللي خرج بيها من نطته الندلة ما منعتش الشر إنه يفيض من عينيه. كان بيشاورلي على رقبته بتهديد صريح، وكأنه بيعلمني إن الحركة اللي عملتها بالفيديو مش هتمر بسلام. لكن مع كل دقة في قلبي ومع كل وجع في ضلوعي المكسورة، كنت بحس إن الخوف جواه اتغير وبقى حاجة تانية خالص.. بقى رغبة شرسة في إني أقف على رجلي وآخد حقي حتة حتة.
العسكري اللي واقف على الباب زق كريم بعيد، وسمعت صوت زعيق وملاشنة بره في الممر:
— ابعد يا جدع إنت بره! الأوضة دي عليها حراسة وممنوع الدخول!
صوت كريم كان طالع مكتوم ومغلول:
— أوعى إيدك كده يا حظرة العسكري، أنا جاي أطمن على أختي!
— مش أختك، ويا الله اتفضل بره الممر خالص عشان ما أعملكش محضر عدم تعرض وأقبض عليك فورًا!
سمعت خطواتهم وهي بتبتعد، والأوضة رجعت للسكون من تاني. المسكن اللي الدكتور قادهولي بدأ يسري في جسمي، بس التفكير في اللي جاي كان أشد من أي مخدر. الموبايل كان في جيب الظابط، والفيديو بقى حرز رسمي في النيابة. يعني كريم كده كده مطلوب، ومسألة وقت ويتقبض عليه. بس السؤال اللي كان بياكل في عقلي: أمي وعادل هيسكتوا؟ أمي اللي هددتني إن ماليش بيت أرجع له، وعادل اللي ابنه متهدد بالسجن والتخشيبة، هيسلكوا أنهي طريق عشان يخرجوا من المأزق ده؟
مرت الليلة دي زي الكابوس. كل ما أغمض عيني، أفتكر منظر العربية وهي بتلف بينا في المطر، وصوت الحديد وهو بيتفعص، ونظرة أمي وهي بتضغط على كتفي المصاب عشان أغير أقوالي. الصبح طلع، ونور الشمس بدأ يتسلل من شباك العناية المركزة.
الساعة كانت حوالي تسعة الصبح لما الباب اتفتح، ودخل الظابط حازم ومعاه العسكري اللي كان حارس الأوضة. الظابط كان باين عليه إنه مانامش طول الليل، بس عينيه كانت مليانة إصرار.
قرب من السرير وقال بهدوء:
— صباح الخير يا سارة. حاسة بإيه النهاردة؟
بلعت ريقي وقلت بنبرة مبحوحة:
— الحمد لله يا فندم.. الأدوية مهدية الوجع شوية. هو.. هو إيه اللي حصل بره؟ أنا شفت كريم امبارح بالليل!
الظابط حازم هز راسه بضيق وقال:
— أيوة، العسكري بلغني بوجوده وحاول يخترق الحراسة. كريم اتعمل له إذن ضبط وإحضار رسمي من النيابة بناءً على الفيديو ومحضر المعاينة اللي أثبت إن مكان وقوع الحادثة ومواصفات التلفيات متطابقة تمامًا مع التسجيل. النيابة وجهت له تهم قيادة بدون رخصة، وتعريض حياة المواطنين للخطر، والإتلاف العمدي للممتلكات، والهروب من مكان الحادث.
أنا خدت نفس طوييييييل وحسيت بنار في صدري:
— يعني هما اتعرفوا عليه والقبض عليه هيتم؟
الظابط رد بثقة:
— قوة من المباحث راحت البيت عندهم الصبح، بس ما لقوهوش. عادل ووالدتك قالوا إنهم ما يعرفوش مكانه، بس إحنا بنراقب تلفوناتهم، والقبض عليه مسألة ساعات. المهم دلوقتي يا سارة.. إنتِ وضعك القانوني سليم مية بالمية، بس أنا عايزك تخلي بالك، والدتك وعادل مقدمين فيكي بلاغ كاذب في قسم تاني بيدعوا فيه إنك سرقتي مبالغ مالية من البيت قبل الحادثة!
بصيت للظابط بصدمة وفتحت بقي مش مصدقة:
— سرقت؟! سرقت إيه يا فندم؟! ده البيت بيت أبويا، وأنا اللي بصرّف عليهم وعلى مصاريفهم وبدفع أقساط العربية والكهربا والمية من مكتبي وشغلي! هما بيعملوا كده ليه؟!
الظابط حازم حط إيده في جيبه وسند على طقطوقة السرير وقال بنبرة فاهمة:
— دي أساليب ضغط رخيصة يا سارة. هما بيحاولوا يعملوا كارت ضغط عشان تروحي للنيابة وتتنازلي عن المحضر أو تغيري أقوالك وتدعي إن الفيديو ده مفبرك، في مقابل إنهم يتنازلوا عن بلاغ السرقة. بس طبعًا ده كلام فارغ، والنيابة مش هتنطلي عليها الحيل دي لأن بلاغهم جه بعد المحضر بـ 12 ساعة، وواضح إنه كيدي جداً.
الدموع جمّدت في عيني واتحولت لغل. أمي ما اكتفتش بإنها تبيعني عشان كريم، دي كمان بتلفق لي ق\ضية سرقة عشان تذلني وتجبرني أدخل السجن بداله!
في نفس اللحظة، دخل الدكتور المتابع وحصني، وقرر إن حالتي استقرت ونفع أتنقل لغرفة عادية في الدور التاني. النقل كان بمثابة تحول جديد، لأن الغرفة العادية سمحت لي آخد الموبايل الثاني اللي كان في شنطتي مع الحكيمة، الموبايل اللي فيه شريحة شغالة وأرقام أصحابي وشغلي.
أول ما اتنقلت وبقيت لوحدي في الغرفة العادية، والشرطي واقف يحرس الباب بره، مسكت التلفون وفتحت الواتساب والتصتصال. لقيت عشرات الاتصالات والرسايل. أصحابي في الشركة، قرايب أبويا من شبرا اللي أمي كانت مقاطعاهم من سنين، وزميلي “طرق” اللي شغال معايا في شركة الشحن والتفريغ.
اتصلت بطارق فورًا. طارق شاب جدع، شغال معايا في قسم المنسقين وكان عارف كل فوت وفتوتة عن قصة العربية والدودج تشالنجر والأقساط اللي بدفعها.
طارق أول ما رد قال بلهفة وتوتر:
— سارة! إنتِ فين يا بنتي؟! أنا برن عليكي من امبارح وموبايلك كان مقفول! سمعنا إنك عملتي حادثة بالليل على طريق السخنة، إنتِ كويسة؟!
صوتي اتخنق وأنا بحكيله:
— أنا في المستشفى يا طارق.. عندي كسور وارتجاج، والعربية راحت خالص.. اتدمرت.
طارق شهق:
— لا حول ولا قوة إلا بالله! سلامتك يا سارة، ألف سلامة! طب إيه اللي حصل؟ والعربية اتدمرت إزاي؟
حكيت لطارق كل حاجة بالتفصيل.. من أول ما كريم خطف المفتاح، لحد النطة اللي نطها، وموقف أمي البشع، وبلاغ السرقة الكيدي اللي عملوه. طارق كان بيسمع وهو مش مصدق نفسه من الهول.
قال بغضب شديد:
— يا نهار أسود! هما وصلوا للدرجة دي من الخسة؟! إزاي أم تعمل كده في بنتها؟! سارة، اسمحيلي أتدخل.. أعمامك في شبرا يعلموا باللي حصل ده؟
هزيت راسي بالنفي وقلت بصوت مكسور:
— لأ يا طارق.. أمي مقاطعاهم من يوم وفاة أبويا عشان كانت خايفة يقاسموها في البيت أو يتدخلوا في حياتنا، وأنا ما اتكلمتش معاهم من زمان.
طارق رد بقوة وإصرار:
— لأ، أعمامك لازم يعرفوا فورًا! عمك “حسين” له هيبة في شبرا، وهو اللي كان واقف مع أباكي الله يرحمه في الورشة، وعارف إن العربية دي شقاكي وشقى أباكي. أنا هروح له الورشة دلوقتي وهحكيله كل حاجة، وهجيبه ونيجي على المستشفى!
— بلاش يا طارق أعمل مشاكل..
— مشاكل إيه يا سارة! إنتِ محاصرة بين أم بتبيعك وجوز أم عايز يلبسك ق\ضية وسجن، وابن مجرم بيهددك! إنتِ محتاجة ضهر يقف جنبك، وأعمامك هما ضهرك دلوقتي!
قبل ما أرد، طارق قفل السكة وهو مصمم ينفذ كلامه.
قعدت في السرير وأنا جسمي كله بيبكي من الوجع والضغط. الساعة مرت زي الساعات، وتفكيري ما وقفش. فجأة، سمعت حركة وتوشوش بره الأوضة عند العسكري. الباب اتفتح بالراحة، ولقيت واحدة بتدخل بالتدريج وهي بتتلفت حواليها بحذر.
كانت “منى”.. جارتنا في الشقة اللي قدامنا في العمارة، وبنت حلال بتعزني جداً وكانت دايمًا بتشوف البهدلة اللي بشوفها من كريم وعادل.
منى قربت من السرير بلهفة وعينيها مليانة دموع:
— سارة! يا حبيبتي ألف سلامة عليكي! الحمد لله إنك عايشة يا سارة!
مسكت إيدها المرتعشة وقلت بذهول:
— منى؟! إنتِ جيتي إزاي؟ وأمك وعادل فين؟
منى قعدت جنب السرير وولعت في الكلام بصوت واطي ومخطوف:
— سارة.. أنا جيت أقولك كلمتين وأمشي بسرعة قبل ما حد يشوفني. أمك وعادل قلعين برقع الحيا خالص! من امبارح بالليل وهما قاطعين الخلف في الشقة. عادل جاب ناس بلطجية من المنطقة عنده، وقاعدين في صالة شقتكم بيلفوا حشايش وبيخططوا هيعملوا إيه!
قلبي انقبض:
— بيخططوا لإيه يا منى؟!
منى قربت أكتر وهمست في ودني:
— هما ناوين يوصلوا للمستشفى هنا بطريقة أو بتانية، أو يضغطوا على أصحابك في الشغل! كريم استخبى عند واحد صاحبه في عزبة الهجانة، وعادل نزل الصبح راح للشركة اللي إنتِ شغالة فيها عشان يحاول ياخد مفاتيح مكتبك أو يدور على النسخة الثانية من كارت ذاكرة الكاميرا لو كان عندك نسخة! هما فاكرين إن الفيديو له نسخة تانية معاكي في الشغل أو في البيت، وناوين يحرقوا شقتك عشان يمسحوا أي دليل تثبت ملكيتك للعربية أو الفواتير اللي بتدفعيها!
الدم اتجمد في عروقي:
— يحرقوا الشقة؟! شقة أبويا؟!
منى هزت راسها بعنف:
— أيوة يا سارة! عادل قال لأمك بالحرف امبارح بالليل: “لو البنت دي ما تنازلتش عن المحضر وسحبت الفيديو، الشقة دي هتتحرق باللي فيها ونتهم قرايب أبوه إن هما اللي حرقوها عشان نلبسهم ونطير البنت من الق\ضية!”. أمك كانت قاعدة بتعيط وموافقة على كل كلمة بيقولها!
في اللحظة دي، حسيت إن الصدمات مابقتش توجع.. الحس بقى ميت. أمي وافقت إن شقة أبويا، المكان الوحيد اللي فضل لي من ريحته، تتحرق ويتدمر بس عشان كريم المجرم ما يتدخلش السجن!
قلت لمنى بصوت هادي جدًا بس يقطع الحديد:
— هما مش هيعرفوا يعملوا حاجة يا منى.. الشقة فيها خزنة أبويا الصغيرة، وفيها ورق الأقساط ودفاتر الورشة، والكاميرا مالهاش أصول غير على تليفوني والسيرفر.
منى مسكت إيدي وقالت بترجي:
— سارة، إنتِ لازم تتصرفي.. عادل مجرم، والناس اللي جايبهم في الشقة طالعين من السجون، وأمك مش في وعيها، دي ماشية وراه زي العميا!
منى استأذنت وخرجت جري بعد ما اطمنت عليا، وسابتني في حالة من الغليان. بعد نص ساعة بس، سمعت صوات وزعيق جامد جدًا طالع من ممر الدور التاني.
أصوات أقدام ثقيلة بتجري، وصوت رجالي جهوري بيزعق بأعلى صوته:
— فين أوضة سارة محمود؟! أوعى إيدك يا عسكري إنت وهو! أنا عمها حسين ابن سوق الس\لاح وشبرا كلها تعرفني! أوعى كده!
الباب اتفتح بعنف، ودخل عمي “حسين”، راجل في الخمسينات، طول بعرض، بشنب كثيف وملامح حادة تشبه ملامح أبويا الله يرحمه لدرجة خلتني أشهق وأنا بصله. ووراه دخل طارق زميلي، ومعاهم ابن عمي الثاني “أحمد”.
عمي حسين بصلي بالسرير، وعينيه دمعت لما شاف الجبس والرباط اللي على صدري وكتفي. قرب مني بخطوات ثقيلة، وقعد على حرف السرير وأخد إيدي السليمة بين إيديه الكبار الشقيانين:
— سارة.. يا بنتي.. ألف سلامة عليكي يا بنت أخي.. حقك عليا إني سبتك الفترة دي كلها للكلاب دول ياكلوا فيكي!
ما قدرتش أمسك نفسي.. الانهيار اللي كتمته طول الأيام اللي فاتت انفجر مرة واحدة. صرخت ودموعي نزلت زي المطر على إيد عمي:
— يا عمي حسين! أمي باعتني.. أمي كانت عايزاني أدخل السجن بدل ابن جوزها! ودلوقتي هتحرق شقة أبويا وعايزة تدمرني!
عمي حسين وشه اسودّ من الغضب، وعروق رقبته برزت كأنها حبال. خبط إيده على السرير بصلابة هزت الأوضة:
— تحرق شقة محمود؟! وتلبس بنت أخويا ق\ضية سجن؟! والنعمة الشريفة لو السما انطبقت على الأرض ما هسيب فرفور ولا صايع يلمس شعرة منك! محمود أخويا مات وسابلك راجل يدافع عنك، بس إحنا اللي كنا فاكرين إن أمك هتحميكي!
طارق اتكلم بسرعة:
— يا عم حسين، البنت منى جارتهم قالت إن فيه بلطجية قاعدين في شقة سارة دلوقتي مع عادل!
عمي حسين قام وقف وشاور لابنه أحمد وطارق:
— بلطجية في شقة أخويا؟! طب والله لعيد فتح الورشة النهاردة بالدم! أحمد.. اتصل بشرقية وشباب العيلة كلهم في شبرا.. عشر دقايق ونكون قدام العمارة. والشقة دي هتتنضف من الأوساخ دول فوراً!
بصيت لعمي برعب:
— يا عمي بلاش دم ومشاكل! كريم مطلوب من المباحث والظابط حازم شغال في الق\ضية!
عمي حسين بصلي بصرامة وحنية في نفس الوقت:
— القانون ياخد حقه من كريم وفي النيابة يا سارة.. لكن شقة أباكي وكرامتك وحقك، دول شغل رجال شبرا! إنتِ تفضلي هنا وفي حراسة عليكي، وما تخافيش من مخلوق طول ما أنا حي!
خرج عمي حسين ومعاه أحمد وطارق، وتسارع الأحداث بقى زي السيل اللي ما حدش يقدر يوقفه.
مرت ساعتين وأنا قاعدة في الأوضة زي اللي قاعدة على جمر. تلفوني رن، كان الرقم بتاع عمي حسين.
فتحت الخط بلهفة ورعب:
— ألو! عمي حسين؟! إيه اللي حصل؟!
صوت عمي حسين كان طالع فيه نهتة وتعب، بس معاه نبرة انتصار هادرة وصوت دوشة وزعيق ناس في الشارع:
— سارة.. الشقة اتنضفت يا بنت أخي! البلطجية اللي كان جايبهم عادل اترموا زي الكلاب في الشارع، وأنا غيرت كوالين باب الشقة وحطيت اتنين من شباب العيلة يحروسها بالحديد والنار! وعادل يا حبيبتي حظه كان أسود.. كان استخبي في العمارة اللي جنبنا، والشباب مسكوه وتسلم للشرطة مع المحضر الكيدي اللي كان عامله!
خدت نفسي بصعوبة:
— وعادل اتقبض عليه؟!
— أيوة يا سارة.. اتقبض عليه بتهمة البلاغ الكيدي والتستر على متهم هربان، وحاليًا مقبوض عليه في القسم! وأمك.. أمك قاعدة على السلم بتعيط وتصرخ وبتقول إنك دمرتي العيلة!
قلبي وجعني على أمي.. رغم كل اللي عملته، كلمة “أمك قاعدة على السلم بتعيط” نزلت عليا زي حجر ثقيل. بس افتكرت ضغطها على كتفي المكسور وتفريطها في حياتي، فتقسيت قلبي وقلت:
— وأنا ما دمرتش حد يا عمي.. هما اللي دمروا نفسهم.
عمي حسين كمل كلامه بنبرة حادة:
— استني يا سارة.. المفاجأة الأكبر بقى! إحنا وإحنا بنفتش في أوراق عادل اللي كانت في الشقة عشان نطلع البطاقات، لقينا بلاوي سودا!
— بلاوي إيه يا عمي؟
عمي حسين بص بصة حوليه وقال بصوت واطي ومحمل بالمفاجأة:
— عادل مش مجرد راجل نصب على أمك وتجوزها.. عادل عليه أحكام غيابية بالسجن في قضايا نصب وتزوير أوراق ملكية سيارات ومحلات في القليوبية! والراجل ده كان بيخطط يزوير عقد الشقة بتاعتكم باسمه ويبعها بعقد ابتدائى بمساعدة كريم ابن المتهم! الورق المزور لقيناه جوه الشنطة بتاعته في دولاب أمك!
الزهول عقد لساني.. أمي ما كانتش بس بتضحي بيا عشان كريم.. أمي كانت مخدوعة ومغفلة لدرجة إن الراجل اللي اتجوزته كان بيخطط يرميها في الشارع هي وبنتها بعد ما يسرق كل حاجة سابها أبويا!
عمي كمل:
— الظابط حازم جاله خبر للقسم، وحاليًا المباحث نازلة على المخبأ اللي كريم استخبى فيه في عزبة الهجانة بعد ما عادل اعترف على مكانه في التحقيق الأولاني عشان ينفذ بجلده ويقلل العقوبة عن نفسه!
سكت لحظة وأنا مش مستوعبة إن عادل باع ابنه كريم في أول قلمين في التخشيبة، زي ما أمي باعتني بالظبط! عيلة مبنية على الخيانة والغدر، وكل واحد فيها مستعد ينهش التاني عشان ينجو بنفسه!
بعد أقل من ساعة، التلفون رن تاني.. المرة دي كان الظابط حازم بنفسه.
رديت بصوت يرتعش:
— ألو يا حضرة الظابط؟
صوت الظابط حازم كان جاد وقاطع:
— سارة.. أحب أبلغك إن القوة المقبوض عليها نجحت في ضبط المتهم كريم عادل في عزبة الهجانة بعد ما حاول يهرب واستخدم س\لاح أبيض ضد القوة. حالياً هو ووالده عادل في النيابة العامة، والنيابة طلبت تجديد حبسهم 15 يوم على ذمة التحقيقات بتهم متعددة.
أتنفست براحة كبيرة، وحسيت إن جبل كان شال من فوق صدري.
سألته بصوت خافت:
— وأمي يا فندم؟
الظابط حازم سكت ثواني قبل ما يرد:
— والدتك حاليًا في النيابة برضو يا سارة.. النيابة بتوجه لها تهمة التستر والشروع في شهادة زور والاشتراك في بلاغ كيدي، وطلبت استدعائك للشهادة كشاهدة ومجني عليها أول ما حالتك الصحية تسمح بالنقل.
قفلت مع الظابط واستندت براسي على المخدة. الشباك كان مفتوح، ونسيم الهواء كان يدخل يبرد سخونة الأوضة. كريم وعادل بقوا ورا القضبان، والشقة رجعت لحمايتي وحماية أعمامي، والحقيقة ظهرت قدام الكل.
بس المشهد الأخير ما كانش كامل لسه..
بعد يومين، أتحسنت حالتي وقدرت أقعد على كرسي متحرك. عمي حسين وطارق كانوا معايا، وتم نقلي في سيارة إسعاف لمقر النيابة العامة بوسط البلد عشان أسجل أقوالي النهائية قدام وكيل النائب العام.
أول ما دخلت الطرقات المؤدية لمكتب وكيل النيابة، شفت أمي قاعدة على دكة خشب بره.
أمي كانت مبهدلة، وشها أصفر، وتحت عينيها سواد رهيب، وملابسها مجعدة. أول ما شافتني وأنا داخلة بالكرسي المتحرك، قامت وقفت بسرعة، وعينيها مليانة دموع وكسرة ما شفتهاش في حياتي قبل كده.
قربت مني والكلبشات كانت مش باينة بس الحراسة واقفة جنبها، وقالت بصوت مكسور وبكاء مرير:
— سارة.. يا بنتي.. سامحيني يا سارة! أنا كنت عميا! عادل ضحك عليا واستغلني وكان هيسرق الشقة ويرميني! سامحيني يا بنتي وما تشهدش ضدي في النيابة! أنا أمك يا سارة.. مالكيش غيري!
بصيت لأمي نادية.. المرأة اللي كانت بالنسبة لي الأمان، وتحولت في لحظة لأقسى عدو.
الدموع نزلت من عيني هادية، مش دموع ضعف.. دي كانت دموع وداع للماضي كله.
قربت الكرسي منها، وبصيت في عينيها وقبل ما أدخل مكتب وكيل النيابة، قلتلها الكلمة اللي هتحدد مصيرنا إحنا الاتنين:
— إنتِ قلتيلي في المستشفى لو أنا بنتك أضحي عشانك.. بس أنا اكتشفت إن الأم هي اللي بتضحي عشان تحمي بنتها، مش بتبيعها للكلاب.. إنتِ اخترتي طريقك يا أمي، وأنا النهاردة اختارت حقي!
ودخلت مكتب وكيل النيابة وقفلنا الباب، وسيبتها بره تصرخ وتعيط.. بس الحرب دي ما كانتش انتهت عند باب النيابة، لأن الجلسة الحاسمة وقرار وكيل النيابة كان هيغير كل حاجة في حياتنا للابد!
الفصل الأخير
دخلت مكتب وكيل النيابة، وهوا التكييف البارد كان بيخبط في وشي، بس جوه مني كنت بحس بلهب مش بيطفي. وقفت قدامي أوراق الق\ضية، ومحضر التحريات، والفيديو اللي كان الفيصل في كل ده. وكيل النيابة كان راجل وقور، عينيه بتبص لي بهدوء، وكأنه بيقرأ اللي جوايا قبل ما أنطق.
— يا سارة، إنتِ قدامك الفرصة الأخيرة. النهاردة جلسة سماع أقوالك النهائية في الق\ضية اللي مرفوعة على المتهمين كريم عادل وعادل [اسم الأب]، وفي التهم الموجهة لوالدتك نادية. هل عندك أي إضافة أو أي ضغوط اتعرضتيلها؟
بصيت لعمي حسين اللي كان واقف ورايا، إيده الثقيلة بتسند كتفي، وزميلي طارق اللي كان عيونه بتراقبني بتشجيع. خدت نَفَس عميق، وبدأت أحكي.. حكيت الحكاية من أولها، من يوم ما أبويا سلّمني مفتاح الدودج تشالنجر وقال لي “دي أمانة يا سارة”، لحد اللحظة اللي كريم نط فيها من العربية وسابني أواجه الموت لوحدي. ما سبتش تفصيلة، ولا حتى نظرة أمي ليّا في المستشفى وهي بتساومني على حياتي.
خلصت كلامي، والهدوء سيطر على المكتب. وكيل النيابة كتب كلمتين في الملف، وبعدين بص لي بجدية:
— أقوالك متسجلة يا سارة، والفيديو اللي قدمناه هو الحجة اللي ما فيهاش نقاش. الجلسة في المحكمة هتتحدد قريب، ومحامي النيابة هيتولى الق\ضية.
لما خرجت من المكتب، كان قلبي خفيف كأني ريشة، رغم إن الألم في جسمي لسه موجود. لقيت أمي واقفة في الطرقة، والشرطة بتبدأ تاخدها عشان تترحّل لمقر الحجز. لما شافتني، حاولت تقرب، بس الظابط منعها. صرخت بصوت مهزوز:
— سارة! سامحيني يا بنتي! أبوكي الله يرحمه مش هيسامحك لو رميتي أمك في السجن!
وقفت الكرسي المتحرك وبصيت لها، والدموع ما بقتش تنزل، كانت خلاص جفت. قلتلها بصوت مسموع وواثق:
— أبويا لو عايش كان هو أول واحد هيسلمك للشرطة يا أمي.. لأنه كان راجل، والراجل ما يرضاش بالظلم، لا له ولا لغيره. إنتِ اللي اخترتي السكة دي، مش أنا.
سيبتها وخرجت. الحقيقة كانت زي الشمش اللي بتطلع بعد عاصفة سودا، بتمحي أي أثر للضباب.
الأيام اللي بعدها عدت كأنها سنين. عيلة عادل وكريم حاولوا كتير يبعتوا وساطات، وفلوس، ووعود، بس عمي حسين كان سد منيع، وما سابش أي مجال لأي ضغط. المحكمة انعقدت بعد شهرين من الحادثة. كريم كان باين عليه الانكسار لأول مرة، وعادل كان بيحاول يرمي كل التهم عليه، وأمي كانت قاعدة وراهم بتبص للفراغ، كأنها حاسة إن كل حاجة خلصت.
الحكم صدر في جلسة واحدة. كريم أخد 10 سنين سجن بتهمة الشروع في القتل والقيادة المتهورة بدون رخصة، وعادل أخد 7 سنين بتهمة النصب وتزوير الأوراق والتستر على مطلوب، وأمي نادية أخدت سنة مع إيقاف التنفيذ بسبب “تسترها على جري\مة” بعد ما التحقيقات أثبتت إنها كانت تحت تأثير تلاعب عادل.
يوم ما خرجت من قاعة المحكمة، كان الجو ربيع، والشمس دافية. حسيت إن القيد اللي كان مخنوقني طول السنتين اللي فاتوا اتكسر. رجعت شقة أبويا في شبرا، فتحت الباب، وشفت صورته متعلقة في الصالة. قعدت على الكرسي وأنا ببص للصورة، وابتسمت لأول مرة بجد.
سارة محمود، اللي كانت منسقة مبتدئة، بقت سارة تانية خالص. رجعت شغلي، وبدأت أوفّر فلوس عشان أصلح العربية، مش عشان أبيعها، لأ.. عشان أرجعها زي ما أبويا بناها، كأنها روح تانية له عايشة معايا.
عمي حسين كان بيعدي عليا كل يوم، وأحمد وطارق بقوا هما عيلتي الجديدة اللي بجد. أحياناً بحس بوجع في كتفي لما الجو بيبرد، فبفتكر الحادثة، وبفتكر إن فيه دروس في الدنيا تمنها غالي أوي، بس الحقيقة والكرامة أغلى بكتير.
أمي سابت القاهرة وسافرت لبلدها في الأرياف بعد ما الحكم صدر، ومابقتش تتواصل معايا. ساعات ببعتلها فلوس من وقت للتاني، مش عشان أشتري رضاها، بس عشان دي الأمانة اللي أبويا سابها في رقبتي.
وفي يوم من أيام الصيف، وأنا واقفة في الورشة القديمة، مسكت مفتاح العربية اللي كنت محتفظة بيه في سلسلة في رقبتي. العربية كانت شبه خلصت تصليح. لمعتها كانت بترد الشمس، وكأن روح أبويا كانت حاضرة بتطبطب على كتفي.
دخلت العربية، قعدت على الكرسي، وفتحت الكاميرا اللي لسه موجودة، بس المرة دي، سجلت فيديو صغير لنفسي.
— أنا سارة.. والنهاردة، أقدر أقول إني بقيت حرة.
شغلت الموتور، وصوته العالي المكتوم رجع يملأ الورشة من تاني. دُست بنزين بالراحة، وطلعت بيها للشارع. الطريق كان قدامي مفتوح، والشمس كانت مغطية الأفق. ما بقيتش أخاف من المطر، ولا من الطريق الزلق، ولا من حد تاني.
أنا سارة محمود، وبقيت بطلة قصتي اللي كتبت نهايتها بإيدي.. نهايتي ما كانتش سجن ولا هزيمة، نهايتي كانت بداية لحياة جديدة، مليانة قوة، ومليانة أمل في بكرة.
العربية حمرا، قوية، وبتلمع.. والنهارده، أنا اللي سايقة، وأنا اللي بحدد طريقي.. ومحدش، كائن من كان، هيقدر ياخد مني المفتاح تاني.
تمت.