اختي داليا حكايات بسمه

في الحجرة، ويديه كانت تترعرع. عرف إننا مش نلعب، وإن الورقة اللي في يد داليا ممكن تدمره بالكامل.
وإيش عايزين مني؟ قال أخيراً بصوت ضعيف.

الجزء السادس الحساب
قعدنا معاه وتكلمنا بكل هدوء، والقلب بيحرقنا بس كنا محتاجين نكون أقوى منه. وضعنا له الخيار بوضوح
إما نروح في الطريق القانوني، ونكشف كل حاجة، ونعرض الأوراق على المحكمة والكل يعرف كيف خنت ثقة أبويا. وفي الحالة دي، هو ممكن يخسر الأرض، ويدفع تعويضات، وسمعته تتمزق بين الناس كلها، وربما عقۏبة السچن.
أو يتنازل عن أي دعوى أو حق في البيت، ويسيبنا في حالنا، ونحفظ الأوراق دي عندنا ولا نعرضها لحد أبداً.
الأرض خليها عندك يا سامي، قالت له داليا. بابا قال إن المال يروح ويجي. بس البيت ده لنا، وسمعة أبونا لنا. وإن حاولت تقرب مننا أو تتكلم مع حد في الموضوع، الملف كله هيروح للنيابة في نفس اليوم.
نظر إلينا طويلاً، وكأنه مش مصدق إننا نقدر نكون أقوى منه. كان يتوقع إننا بنبكي ونستجديه، زي ما كان يتوقع أبويا يعمل. لكنه لقى بنات عمه، مش بنات عمّه.
بعد صمت طويل، قال تمام. أنا مش هطالب بالبيت. ولا هكلم حد في الموضوع.
تكتب لنا تعهد بذلك، قلت له. قدام المحامي. والا ما بنصدقك.
في اليوم التالي، ذهبنا للمحامي. كتب تعهد رسمي يتنازل فيه عن أي حق أو دعوى تتعلق بالبيت أو بمال أبويا، ووقع عليه. وخرج من مكتب المحامي وهو منكس الرأس، ما قدرش يرفع عينيه في عينينا. مشى وهو يعرف إنه خسر كل شيء يستاهل أن يبقى معاه احترام الناس، وثقة الأهل، وضمير مرتاح.

الجزء السابع ما بعد الرحيل
مرت الأشهر، وهدأت الأمور. قررت أبيع البيت في شبرا بسعر طيب، وقسمت المال بيني وبين داليا. أول ما قلت لها نصيبك واصل لكِ، بكيت وقالت لي كنتِ محتاجاه أكتر مني، بس أنا أصرت، لأنها تستاهل كل خير، وهي اللي حمتني وحمت اسم أبويا.
ما رجعنا نسمع عن سامي كتير. سمعنا إنه باع الأرض في الساحل بسعر أقل من قيمتها عشان يلبي طلبات الناس اللي كان مديون لهم، وسافر لخارج البلاد، وما رجعش. الناس نسوه بسرعة، لأن اللي بيعتمد على الغدر ما بيدوم طويلاً.
ويوم من الأيام، كنت أنا وداليا قاعدين في الشرفة بيتي الجديد، وشربنا شاي زي ما كنا بنعمل زمان، قالت لي داليا
تعرفي يا نور، أنا كنت خاېفة جداً في الفترة دي كلها. كنت خاېفة أخسرك، أو أخسر نفسي. وبعدين فكرت في كلام بابا المال يروح ويجي، بس الأخوات ما يتعوضوش.
أمسكت إيدها وقلت لها وأنا كنت فاكرة إنك سابتني وحدي، واتضح إنك كنتِ أقرب ليّ من أي حد. السر اللي خبيتيه ما كان يفصل بيننا، كان بيحمينا.
نظرت للسماء، وتذكرت كلام أبويا في رسالته الغدر ما بيعمر. وصدقت. لأن سامي مهما أخذ، ما أخذش الراحة، ولا السکينة، ولا حب الناس. وده أغلى ما يملك الإنسان.
ما بقى بيننا وبين الماضي غير الذكريات. صور أبويا، وضحكاته، ونصائحه. وعرفنا إن اللي بين الأخوات ده أقوى من أي ورقة، وأقوى من أي خداع، وأقوى من الزمن كله.
وفي يوم قررنا نروح نزور قبر أبويا. وقفنا هناك، وقلنا له كل حاجة خلصت. قلت له بابا، الحق رجع لصحابه بطريقتنا الخاصة. ما كسرنا حد، وما سمحنا لحد يكسرنا. وأنا وداليا مع بعض، وما حننفصل أبداً.
نسيم الهواء مرّ علينا، كأنه رد عليه بسلام. وعرفنا إنه مرتاح، لأننا
فهمنا الدرس الأكبر اللي حبّ يعلمنا إياه إن أغلى ما يملكه الإنسان مش أرض ولا بيت ولا فلوس
هو الأمانة، والضمير، والأهل اللي بيقفوا جنب بعض مهما حصل.
والنهاية مش نهاية المال أو الميراث النهاية إننا بقينا مع بعض، وهذا كل ما يهم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *