غضب الام وندم الابن انجي الخطيب
وأنا واقفة بطبخ العشا للكل دخلت عليا مرات ابني من ورايا وراحت شخطت فيا وقالتلي مين اللي قالك تطبخي بالشكل ده؟ وابني فضل مبرق للتلفزيون كأن مفيش حاجة بتحصل وبعد دقايق سمعنا صوت رزعة وهبدة في المطبخ رنت في البيت كله ومن اللحظة دي مفيش حاجة في البيت فضلت زي ما هي وقبل عشر دقايق من ده كله كانت الشقة الفخمة اللي على أطراف القاهرة غرقانة في ضوء الشمس وصوت المعلق بتاع ماتش الكورة في الشاشة الكبيرة مغطي على صوت تنهيداتي وأنا واقفة قدام البوتاجاز اللي ناره حامية وبعمل اللي متعودة أعمله طول عمري وهو إني أخدم ناس مش شايفيني أصلا ونيرمين مرات ابني مكنتش محتاجة تعلي صوتها عشان تكسرني هي بس كانت بتمشي جنبي وترمي كلام خفيف زي الريش بس جرحه زي السكينة وكانت بتقول القهوة دي عاملة زي مية الغسيل يا هالة هو إنتي مش عارفة الفرق؟ ولا البيض مجلد تاني يا طنط إحنا هنا في التجمع مش في مطبخك بتاع زمان وكل كلمة منها مكنتش نصيحة دي كانت حكم إعدام ورامي ابني كان قاعد زي التمثال وصوباعه لزق في الريموت وعامل نفسه مش واخد باله إن الست اللي مراته بتهينها هي أمه اللي من لحمه ودمه وأنا دلوقتي عندي واحد وسبعين سنة ومن ست شهور بعت بيتي اللي عشت فيه خمسين سنة مع جوزي حسن الله يرحمه البيت اللي كان فيه كنبة في البلكونة ومطبخ دايما مليان ضحك وعملت كده لأني صدقت رامي لما قالي يا ماما متبقيش لوحدك تعالي عيشي
معانا وكنت فاكرة إني رايحة أعيش في أمان بس الحقيقة إني دخلت جهنم برجليا وبقيت خدامة مقيمة من غير ماهية ولا لقب ولا ذرة احترام وفي الليلة دي وأنا بقلب شوربة الخضار اللي رامي كان بيحبها وهو صغير دخلت نيرمين وهي لابسة الروب الحرير الغالي ووقع جزمتها على الخشب كان زي خبطة شاكوش القاضي وكرمشت مناخيرها وبصت للحلة كأنها زبالة وقالت إيه الريحة اللي تقرف دي؟ هو إنتي عايزة تقلبي فيلتنا اللي بملايين دي لمطبخ تكية؟ وفتحت بوقي عشان أشرحلها بس قبل ما أنطق حرف صوت التلفزيون علي فجأة رامي هو اللي علاه عشان مش عايز يسمع صوت أمه وفي اللحظة دي مش بس كرامتي اللي اتكسرت لا ده في حاجة جوايا هي اللي اتقطعت والخضوع والسكوت والصبر اللي ملوش لازمة كل ده اتحول لبركان غضب وفجأة سمعنا صوت الرزعة وكان صوتها يهز البيت وأنا ملوقعتش الحاجة من إيدي بالغلط أنا اللي سبتها تقع الحلة والأطباق وكل حاجة اتدغدغت على البلاط الأبيض اللي بيبرق ورامي جه وقف على الباب وهسس في وشي وقالي يا ماما إنتي اتجننتي؟ وبصلي كأني واحدة غريبة أو حمل تقيل وعايز يخلص منه وكان خايف على أرضية الشقة أكتر ما هو خايف على إيدي اللي كانت بتترعش والليلة دي كانت النهاية بس كانت كمان البداية وبعد ساعة كنت واقفة في الشارع في البرد ومعايا شنطتين وشوية فكة وفي لوكاندة رخيصة على الطريق وأنا بنبش في الشنطة عشان أطلع لبس نضيف صوابعي لمست ظرف أصفر قديم حسن كان مخبيه في بطانة الشنطة وجوه الظرف مكنش فيه فلوس لا دي كانت ورقة بخط إيده اللي عارفاها ومستند واحد هيخلي رامي ونيرمين يندموا على الليلة دي طول حياتهم
فتحت الظرف وإيديا بتترعش، وطلعت الورقة اللي كانت عبارة عن عقد بيع وشراء وتوكيل عام رسمي. حسن الله يرحمه كان دايما بيخاف عليا من غدر الزمن، وقبل ما يموت بشهر، طلع إن الأرض اللي كانت مقام عليها العمارة اللي فيها شقة رامي في التجمع، كانت ملكية قديمة لجد حسن، وهو قدر يثبتها ويشتري حصة الحاكم في الأرض كلها بما فيها نصيب الأرض اللي اتبنت عليها فيلا رامي المليونية دي.
المستند ده بيقول إن الأرض اللي رامي ونيرمين عايشين عليها وبيدوسوا ب جزمهم فيها، أنا اللي أملك حق الرقبة فيها قانوناً، يعني بكلمة واحدة مني أقدر أرفع قضية وضع يد أو أطالب بحقي في قيمة الأرض اللي تساوي أضعاف تمن الفيلا نفسها، أو حتى أهدم المعبد على اللي فيه.
تاني يوم الصبح، مروحتش لرامي ولا عاتبت نيرمين. رحت لمكتب محامي قديم كان صاحب حسن، وطلبت منه يرفع دعوى طرد واسترداد حق. وبعد أسبوع واحد، رامي كان واقف قدام باب اللوكاندة وشبه منهار وبيقولي يا ماما إزاي تعملي كده؟ المحامي باعتلنا إنذار بإخلاء الأرض أو دفع تعويض خيالي!
بصيت له بكل برود وقلت له أنا مش مامتك يا رامي، أنا الست الغريبة اللي كانت بتطبخ في المطبخ بتاعك.. والست دي دلوقتي قررت تبيع حقها لشركة استثمار، يعني قدامك شهر واحد وتشوف نيرمين وهي بتلم حريرها وتدور على شقة إيجار في أبعد حتة في مصر.
نيرمين كانت واقفة وراه وشها أصفر زي الليمونة، مكنتش قادرة تفتح بوقها ولا تقول مية غسيل ولا بيض مجلد. في اللحظة دي، عرفت إن حق الخمسين سنة تعب وضنا مرجعش بالخناق، رجع بالورقة اللي حسن سابها لي عشان يثبت لي إنه حتى وهو مش موجود، لسه هو الوحيد اللي بيحميني.
رامي حاول يبوس إيدي وهو بيعيط ويقولي يا أمي إحنا مننا لبعض، معقولة عايزة تشرديني أنا ومراتي؟ بس أنا سحبت إيدي بالراحة وبصيت لنيرمين اللي كانت واقفة بعيد بتبص للأرض ومنكسرة تماماً، مكنش فيها لا أثر للروب الحرير ولا للكبرياء اللي كانت بتعاملني بيه.. قلت له إنتوا مش مشردين يا رامي، إنتوا عندكم فلوس وعندكم عفش غالي، روحوا اجروا شقة تليق بيكم، بس البيت ده خلاص مابقاش يلزمكم.. الأرض دي ريحة حسن فيها، وأنا مش هسمح لحد مبيصونش العشرة إنه يدوس عليها تاني.
المحامي كمل إجراءاته، وفعلاً الشركة اللي اشترت نصيبي في الأرض بدأت تضغط، ورامي اضطر يبيع الفيلا ب تراب الفلوس عشان يسدد التعويضات والالتزامات اللي عليه.. وفي ظرف شهر واحد، نيرمين اللي كانت بتعايرني ب مطبخ زمان لقت نفسها في شقة قانون جديد ضيقة في منطقة زحمة، وبتطبخ هي لنفسها بعد ما كانت فاكرة إنها ملكة زمانها.
أما أنا، فخدت الفلوس اللي طلعت لي، ورحت اشتريت بيت صغير في المنصورة، جنب