مراتي سابتني أعمى لوحدي على دكة في سنترال بارك، وقالتلي: «إوعى تكلم حد… الناس بتبص علينا بسببك». ماكنتش أعرف إن بعد دقائق، بنت صغيرة عمرها ما يتعداش سبع سنين هتمسك إيدي وتقوللي بمنتهى الثقة: «أنا أقدر أخليك تشوف تاني.» افتكرت إنها طفلة بتتكلم من غير ما تفهم. لكن لما سمعت صوت كعب جزمة مراتي وهو بيقرب من بعيد، البنت ضغطت على إيدي فجأة وهمست: «ماتقولهاش إني هنا… هي خايفة مني.» وقتها، لأول مرة من ست شهور، حسيت إن العمى مش أكتر حاجة لازم أخاف منها. لأن مراتي، سلمى، كانت واقفة قدامي وبتتنفس بطريقة عمري ما سمعتها بيها قبل كده. كانت مرعوبة. والسؤال اللي مكنتش أعرف إجابته وقتها هو: إيه اللي شافته سلمى في البنت الصغيرة دي… وخلاها تخاف بالشكل ده؟ قبل الحادثة، كان اسمي أدهم الشناوي. كنت شاب عندي كل حاجة ممكن أي حد يحلم بيها؛ فلوس، نفوذ، وشركة تكنولوجية ضخمة خلت اسمي معروف في نيويورك. كنت فاكر إن حياتي هتفضل زي ما هي. لحد الليلة اللي عربية نقل خبطت عربيتي على الطريق السريع بره جرينيتش. الحادثة أخدت مني أغلى حاجة… نظري. ومن ساعتها، بقى العالم بالنسبة لي مجرد أصوات وروائح ولمسات. الدكاترة قالولي: «لازم تتعلم تتأقلم.» بس محدش قاللي إزاي واحد يصحى كل يوم ويعيش في عالم مش قادر يشوفه. بعد ست شهور من الحادثة، أخدتني سلمى لسنترال بارك. قعدتني على دكة خشب، وكنت لابس بدلتي الرمادي، وبحاول أتخيل شكل أوراق الشجر الصفراء اللي كانت أكيد مالية المكان. لكن حتى اللحظة دي كانت بتضايقها. قالتلي بعصبية: «ممكن تبطل تتحرك؟ إنت كده بتوترني.» سألتها: «الدنيا مشمسة النهارده؟» ردت بسرعة: «أنا عندي مكالمة مهمة مع مجلس الإدارة.» وبعدين سكتت لحظة، قبل ما تقول الجملة اللي عمرها ما كانت هتطلع من بالي: «خليك هنا، وماتكلمش أي حد غريب. الناس بتبص علينا، وتصرفاتك بقت محرجة.» وبعدها سمعت صوت كعبها وهو بيبعد. واحدة… اتنين… تلاتة… لحد ما اختفى. فضلت قاعد لوحدي. لكن بعد دقائق قليلة… سمعت خطوات صغيرة بتقف قدامي. وجاتني ريحة غريبة؛ خشب محروق، مخلوطة بريحة حلوة شبه الفانيليا. وبعدين سمعت صوت بنت صغيرة: «إنت عايز تشوف تاني؟» اتجمدت مكاني. لأني في اللحظة دي، ماكنتش أعرف إن السؤال ده… هيغيّر حياتي كلها. قلت وأنا بحاول أتحكم في نبرة صوتي: «مين إنتِ؟» البنت ما ردتش. سمعت صوت حذائها الصغير بيتحرك على الأرض، وبعدها حسيت بإيد صغيرة بتلمس طرف العصاية اللي في إيدي. قلت: «إنتِ لوحدك؟ مامتك فين؟» قالت: «أنا مش لوحدي.» اتوترت. «أمال فين أهلك؟» سكتت. وبعدين قالت بمنتهى الهدوء: «هما مش عارفين إني جيتلك.» اتنهدت وأنا مش فاهم. «طب إنتِ عرفتي منين إني مش بشوف؟» ضحكت ضحكة صغيرة. «عشان إنت بتخبط بالعصاية.» ابتسمت غصب عني. أول مرة من أسابيع حد يكلمني من غير شفقة. قلت: «اسمك إيه؟» ردت: «ليلى.» «ليلى… عندك كام سنة؟» «سبعة.» «سبعة؟» «أيوه.» «وطب إنتِ منين؟» ما ردتش. بدل كده، قربت مني أكتر، لدرجة إني حسيت بأنفاسها عند إيدي. وقالت: «إنت مش أعمى بسبب الحادثة.» اتجمد الدم في عروقي. «إيه؟» قالت تاني: «اللي حصل لعينيك مش زي ما هما قالولك.» صوتي خرج متوتر: «مين هما؟» «الدكاترة.» «إنتِ تعرفي الدكاترة اللي عالجوني؟» «لأ.» «أمال عرفتي منين؟» سكتت ليلى فترة طويلة. وبعدين قالت: «أنا سمعت بابا بيتكلم.» قلبي بدأ يدق أسرع. «باباكي مين؟» قبل ما تجاوب، سمعت صوت خطوات بعيدة. خطوات سريعة. كعب جزمة. عرفتها فورًا. سلمى. لكن الغريب إن ليلى، أول ما سمعت الخطوات، مسكت إيدي بقوة. وهمست: «ماتقولهاش إني هنا.» «ليه؟» «عشان هي هتخليني أمشي.» «ومين هي؟» سكتت. ثم قالت: «مراتك.» سمعت سلمى وهي بتقرب. «أدهم؟» رفعت رأسي ناحيتها. «أيوه.» قالت وهي بتحاول تخفي توترها: «أنا خلصت المكالمة.» لكن صوتها كان غريب. متقطع. نَفَسها سريع. قلت: «سلمى… إنتِ كويسة؟» «آه.» ردت بسرعة زيادة عن اللازم. ثم قالت: «يلا نمشي.» كنت لسه ماسك إيد ليلى. وسلمى ماكنتش عارفة. سألتها: «إنتِ ليه متوترة؟» «أنا؟ متوترة؟» ضحكت ضحكة مصطنعة. «إنت بقيت بتتخيل حاجات يا أدهم.» لكن قبل ما أقوم، ليلى قربت من ودني وهمست: «ماتمشيش معاها دلوقتي.» جسمي كله اتشد. وسألتها بصوت منخفض: «ليه؟» قالت: «عشان هي مش جاية تاخدك البيت.» اتجمدت. في نفس اللحظة، سمعت سلمى تقول: «أدهم، قوم.» قلت: «رايح فين؟» سكتت. ثواني طويلة مرت. وبعدين قالت: «عندي مشوار صغير قبل ما نرجع.» «فين؟» «مش مهم.» «سلمى.» نبرة صوتي اتغيرت. «فين؟» بدأت تتنفس أسرع. ولأول مرة، حسيت إنها بتخبي حاجة. قالت: «هتعرف لما نوصل.» ليلى شدّت على إيدي أكتر. ثم همست: «هو نفس المكان اللي بابا كان بيتكلم عنه.» اتنفست ببطء. «أي مكان؟» لكن قبل ما أسمع الإجابة… سلمى قالت فجأة: «إنت بتكلم مين؟» الصمت نزل علينا مرة واحدة. أنا ما رديتش. وليلى ما اتحركتش. سلمى قربت خطوة. ثم قالت بصوت منخفض جدًا: «أدهم… مين اللي واقف جنبك؟» وقتها فهمت. هي مش بس كانت عارفة بوجود ليلى. هي كانت مستنياها. ولأول مرة من ست شهور، تمنيت إني أقدر أشوف. مش عشان أشوف الدنيا. لكن عشان أشوف… وش مراتي وهي بتبص للبنت الصغيرة. حكايات_ميراا سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ باقي القصة هتنزل هنا 👇♥️«أدهم… مين اللي واقف جنبك؟» صوت سلمى خرج واطي، بس كان فيه حاجة عمري ما سمعتها منها قبل كده. خوف. مش قلق… خوف حقيقي. أنا فضلت ساكت. كنت لسه حاسس بإيد ليلى الصغيرة ماسكة إيدي، وصوابعها بتضغط عليها كأنها بتترجاني ما أسيبهاش. سلمى قربت خطوة. «أدهم… أنا بسألك.» قلت بهدوء متعمد: «ليه؟» سكتت. «ليه بتسأليني مين اللي جنبي، وإنتِ أصلاً مش شايفة حد؟» سمعت نفسها بتبلع ريقها. وبعدين قالت: «أنا… سمعت صوت طفلة.» ابتسمت ابتسامة خفيفة. «وإيه المشكلة؟ سنترال بارك مليان أطفال.» لكن ليلى شدّت على إيدي. وبصوت يكاد ما يتسمعش، قالت: «هي بتكدب.» سألتها وأنا محافظ على هدوئي: «كدب إزاي؟» سلمى ردت بسرعة: «إنت بتكلم مين يا أدهم؟!» المرة دي صوتها كان أعلى. وقلت: «ولا حد.» ردت فورًا: «أمال إنت بترد على مين؟» «يمكن بتكلم نفسي.» ضحكت ضحكة قصيرة متوترة. «بلاش هزار.» وقفت ثواني. وبعدين قالت: «قوم… لازم نمشي.» قلت: «مش هقوم.» سكتت. «إيه؟» «قلت مش هقوم.» «أدهم، أنا مش ناقصة مشاكل.» «وأنا كمان.» اتغير صوتها. «إنت مش فاهم حاجة.» قلت: «صح.» وقربت رأسي ناحية صوتها. «عشان أنا مش شايف.» الصمت اللي حصل بعدها كان تقيل. تقيل لدرجة إني حسيت إن سلمى مش عارفة ترد. لكن ليلى فجأة قالت: «دلوقتي.» همست: «دلوقتي إيه؟» «اسألها عن العربية.» قلبي دق. «أنهي عربية؟» قالت: «العربية السودا اللي واقفة ورا الشجرة.» اتجمدت. أنا ماكنتش شايف. لكن ليلى كانت. قلت: «سلمى…» «نعم؟» «إنتِ جيتي هنا لوحدك؟» «آه.» «بالعربية؟» «طبعًا.» «لونها إيه؟» ما ردتش. ثانية. اتنين. تلاتة. ثم قالت: «إيه الأسئلة الغريبة دي؟» ابتسمت. «بسألك لون عربيتنا إيه.» قالت بسرعة: «سودا.» ليلى ضغطت على إيدي. وبعدين همست: «دي مش عربيتكم.» حسيت بقشعريرة تمشي في ضهري. قلت: «طب فين عربيتنا؟» سلمى سكتت. «سلمى؟» «في الجراج.» «جراج إيه؟» «جراج الفندق.» هنا فهمت إن الموضوع أكبر من مجرد كذبة. إحنا ماكناش رايحين فندق. أنا متأكد. لأني قبل ما ننزل من البيت سمعتها وهي بتقول للسواق: «سنترال بارك.» سألتها: «إحنا كنا رايحين فين قبل ما تيجيني هنا؟» ما ردتش. فقلت: «إنتِ كنتِ ناوية تاخديني فين؟» فجأة سمعت صوت خطوات. مش خطوات سلمى. خطوات رجل. جاية من الناحية التانية. ليلى شهقت. «هو جه.» قلت بسرعة: «مين؟» «بابا.» اتوترت. «باباكي؟» «أيوه.» «فين؟» «ورا الست الكبيرة.» «مين الست الكبيرة؟» لكن ليلى ما ردتش. وسلمى فجأة قالت: «أدهم، لازم نمشي حالًا.» قلت: «مش هتحرك.» سمعت صوت الرجل وهو بيقرب. ثم جاء صوت عميق: «مساء الخير يا أستاذ أدهم.» اتجمدت. الصوت كان مألوفًا. مألوف بشكل مخيف. حاولت أفتكر سمعته فين. ثم فجأة… افتكرت. المستشفى. من ست شهور. كان نفس الصوت اللي سمعته قبل ما يدخل الدكتور ويقول لعيلتي إن العملية فشلت. قلت: «إنت…» الرجل سكت. «إنت مين؟» سلمى قالت بسرعة: «ما تسمعش كلامه.» لفيت ناحية صوتها. «إنتِ تعرفيه؟» «لأ.» ردت بسرعة. لكن الرجل قال: «هي تعرفني كويس.» سلمى صرخت: «اسكت!» الصمت نزل مرة واحدة. أما أنا… فبدأت أفهم. الحادثة. فقدان النظر. الدكاترة. سلمى. وليلى. كل حاجة كانت مرتبطة ببعض. قلت: «عايزين مني إيه؟» الرجل ما ردش. بدل كده، سمعت ليلى وهي بتقرب من ودني. وقالت: «قولهم إنك فاكر.» «فاكر إيه؟» قالت: «الحادثة.» اتنفسّي اتقطع. لأن في اللحظة دي… حاجة غريبة حصلت. لأول مرة من ست شهور، وأنا قاعد في الظلام… شوفت حاجة. مش صورة كاملة. ولا وجه. مجرد ومضة. ضوء أبيض قوي. صوت فرامل. زجاج بيتكسر. وصوت سلمى… بتصرخ: «خليه يموت!» فتحت عيني بكل قوتي. لكن الدنيا فضلت سوداء. صرخت: «سلمى!» ردت بصوت مرتجف: «نعم؟» قلت: «إنتِ كنتِ موجودة يوم الحادثة؟» ما ردتش. وكان صمتها… أوضح من أي إجابة. ليلى مسكت إيدي. وقالت: «أنا قلتلك… إنت مش أعمى بسبب الحادثة.» ثم أضافت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي: «إنت فقدت نظرك… لأن مراتك كانت عايزة تتأكد إنك مش هتشوف اللي حصل.» وفجأة… سمعت صوت سلمى وهي بتجري. لكن المرة دي… أنا ما حاولتش ألحقها. لأني كنت بدأت أفتكر. وأسوأ حاجة افتكرتها… إن العربية اللي خبطتني ليلة الحادثة… ماكانتش شاحنة نقل. كانت عربية سلمى.فضلت واقف مكاني، مش قادر أتحرك. صوت خطوات سلمى كان بيبعد بسرعة، لكن عقلي كان أسرع منها. عربية سلمى. الجملة فضلت بتتكرر جوا دماغي. العربية اللي خبطتني ماكنتش شاحنة نقل… كانت عربيتها. قلت بصوت مرتعش: «ليلى… إنتِ متأكدة؟» ردت: «أنا شفتها.» «شفتي إيه؟» «ليلة الحادثة.» اتنفست ببطء. «إنتِ كنتِ هناك؟» «أيوه.» «إزاي؟» سكتت لحظة. وبعدين قالت: «عشان بابا كان موجود.» رفعت راسي ناحية صوتها. «باباكي؟» «أيوه.» الرجل اللي كان واقف قريب منا اتكلم لأول مرة: «أنا آسف يا أستاذ أدهم.» صوته كان مليان ندم. قلت بعصبية: «آسف على إيه؟!» «على إني ساعدت في اللي حصل.» اتقدمت خطوة ناحيته. «ساعدت مين؟» «مراتك.» ضحكت بسخرية. «سلمى؟» «أيوه.» «هي عملت إيه؟» الرجل سكت. قلت بصوت أعلى: «اتكلم!» فقال: «هي ما كانتش عايزة تق/تلك.» سكت لحظة. ثم أضاف: «كانت عايزة تخليك أعمى.» حسيت إن رجلي ما بقتش شايلاني. مسكت طرف الدكة. «ليه؟» «عشان كنت اكتشفت حاجة.» «إيه الحاجة؟» ما ردش. ليلى قالت: «الفلوس.» الرجل قال بسرعة: «ليلى!» لكنها كملت: «بابا كان فاكر إنك هتسيب الشركة ليها لو فقدت السيطرة عليها.» قلت: «أنا كنت متجوز سلمى من خمس سنين. كانت شريكتي في الشركة.» «مش شريكتك.» قال الرجل. «كانت بتحاول تبقى صاحبة كل حاجة.» حسيت ببرودة في إيدي. فجأة افتكرت تفاصيل كنت دايمًا بعتبرها عادية. توقيع سلمى على أوراق الشركة. إصرارها إني أعمل لها توكيل. أسئلتها الكتير عن حساباتي. وآخر ليلة قبل الحادث… لما قالتلي: «لو حصل لك حاجة، أنا الوحيدة اللي هعرف أتصرف.» وقتها ضحكت. دلوقتي… ما بقتش الجملة مضحكة. قلت: «إنت مين؟» الرجل تنهد. «اسمي حسام.» «وحسام ده كان شغال مع سلمى؟» «كنت السواق بتاعها.» «والليلة دي؟» «أنا اللي كنت سايق العربية.» اتجمدت. «إيه؟» «سلمى كانت قاعدة جنبي.» «يبقى هي كانت معايا في الحادث.» «أيوه.» «وإنت اللي خبطتني؟» صوته اتكسر: «أنا حاولت أوقف العربية.» «حاولت؟!» «بس هي كانت ماسكة الدركسيون.» الصمت رجع تاني. أنا حسيت إني مش قادر أتنفس. «هي اللي كانت سايقة؟» «أيوه.» «وإنت؟» «كنت بحاول أمنعها.» «كداب.» الكلمة خرجت مني من غير تفكير. حسام سكت. قلت: «لو كنت بتحاول تمنعها، ليه ما قلتش الحقيقة من أول يوم؟» قال: «عشان بنتي.» اتشد جسمي. «ليلى؟» «أيوه.» ليلى مسكت إيدي. حسام كمل: «سلمى هددتني إنها هتأذيها لو فتحت بقي.» بصوت مكسور، ليلى قالت: «بس أنا ما خفتش منها.» قلت: «إنتِ عندك سبع سنين… إزاي ما خفتيش؟» ردت: «عشان أنا عارفة إنها مش أقوى مني.» «إزاي؟» سكتت. وبعدين قالت: «عشان أنا عندي الدليل.» قلبي دق بعنف. «دليل على إيه؟» سمعت صوت شنطة صغيرة بتتفتح. ثم قالت: «ده.» حطت حاجة في إيدي. كانت صغيرة. معدنية. تحسستها بأصابعي. «إيه ده؟» «فلاشة.» سألتها: «فيها إيه؟» قالت: «فيديو.» اتنفست ببطء. «فيديو للحادثة؟» «لأ.» سكتت. ثم قالت: «فيديو لسلمى وهي بتتكلم مع الدكتور اللي قال إنك مش هتشوف تاني.» اتجمدت. «إنتِ سمعتيهم؟» «أنا شفتهم.» «فين؟» «في المستشفى.» حسام قال: «ليلى كانت بتستخبى في عربية الإسعاف يومها.» «إنتِ كنتِ في المستشفى؟» «أيوه.» «ليه؟» «عشان كنت بدور على بابا.» صوتها تغير. لأول مرة حسيت إنها مش طفلة بتتكلم. كانت بتتكلم كأنها شايلة سر أكبر من سنها بكتير. قلت: «وأبوكي كان فين؟» ما ردتش. حسام هو اللي قال: «أنا كنت في غرفة العمليات.» «ليه؟» سكت. ثم قال: «لأن سلمى حاولت تخلص مني بعد الحادث.» قلبي توقف لحظة. «إيه؟» «كانت عايزة تمسح كل أثر.» وفجأة… سمعت صوت عربية بتقف قريب منا. ليلى شدت إيدي. «هي رجعت.» «سلمى؟» «أيوه.» حسام قال بسرعة: «لازم نمشي.» قلت: «مش ههرب.» «أدهم، إنت مش فاهم. هي مش لوحدها.» «مين معاها؟» قبل ما يرد… جاء صوت سلمى من خلفنا: «أدهم.» اتجمدت. صوتها كان هادي جدًا. أهدى من اللازم. قالت: «إنت كنت بتسأل عن الحقيقة؟» ما رديتش. سمعت خطواتها وهي بتقرب. ثم قالت: «أنا ممكن أقولك الحقيقة كلها.» وقفت قدامي. وبصوت خافت أضافت: «بس الأول… لازم تسيب إيد البنت.» ليلى ضغطت على إيدي. وأنا لأول مرة… اتأكدت إن سلمى مش خايفة من ليلى لأنها طفلة. سلمى كانت خايفة من اللي ليلى تعرفه. قلت: «لو سيبت إيدها… هتقولي الحقيقة؟» ردت: «أيوه.» «حتى لو الحقيقة هتدمر حياتنا؟» ضحكت. «حياتنا خلصت من زمان يا أدهم.» ثم اقتربت مني أكثر. وقالت جملة جعلتني أشعر أن الظلام حولي أصبح أهون من الحقيقة: «بس في حاجة واحدة إنت لسه ما تعرفهاش.» «إيه؟» قالت: «أنا ما حاولتش أخليك أعمى عشان آخد شركتك.» سكتت لحظة. ثم همست: «أنا عملت كده… عشان إنت شفت حاجة في ليلة الحادثة.» قلت: «إيه اللي شفته؟» ردت: «ابننا.» اتجمدت. أنا وسلمى ماكانش عندنا أولاد. أو… ده اللي كنت فاكره. وفي اللحظة نفسها، ليلى شهقت وقالت: «هو عرف.» سألتها: «عرف إيه؟» لكنها ما ردتش. لأن صوت رجل غريب جاء من خلف الأشجار: «أخيرًا يا أدهم… بدأت تفتكر.» ثم سمعت طلقة باب عربية بتتقفل. وبعدها مباشرة… سمعت صوت طفل صغير بيقول: «بابا؟» نفس الصوت اللي كنت بسمعه في أحلامي من ست شهور. الصوت اللي كنت فاكر إنه مجرد وهم بسبب الحادثة. لكن المرة دي… كان حقيقي. وكان قريب مني جدًا.«بابا؟» الصوت الصغير خلّى جسمي كله يتجمد. ما قدرتش أتحرك. ما قدرتش حتى أتنفس. قلت بصوت مبحوح: «مين؟» ماحدش رد. سمعت خطوات صغيرة بتقرب مني. خطوة… وبعدين خطوة… لحد ما وقف الطفل قدامي. ثم قال: «إنت وحشتني.» حسيت بدموعي بتنزل من غير ما أحس. مديت إيدي قدامي. لمست شعره. كان ناعم وقصير. قلت: «إنت مين؟» الطفل مسك إيدي وحطها على وشه. «أنا كريم.» اسمه ضرب حاجة جوا دماغي. كريم. الاسم اللي كنت بسمعه كل ليلة في أحلامي. الاسم اللي كنت بصحى بسببه مفزوع. لكن الدكاترة كانوا بيقولولي إن ده بسبب الصدمة. قلت: «أنا… أعرفك؟» الطفل سكت. وبعدين قال: «إنت وعدتني إنك هترجعلي.» شهقت. «إمتى؟» سمعت صوت سلمى من بعيد: «كريم، ابعد عنه.» الطفل شد على إيدي. «لأ.» سلمى صرخت: «كريم!» لأول مرة… سمعت الخوف الحقيقي في صوتها. قلت: «سلمى… مين كريم؟» ما ردتش. كررت: «مين كريم؟» حسام قال بصوت منخفض: «ابنك.» ضحكت. ضحكة خرجت مني من شدة الصدمة. «ابني؟» قلت: «أنا معنديش ابن.» ليلى قالت: «عندك.» «بس إزاي؟» ردت: «عشان سلمى كانت بتخبي عليك.» سلمى قالت بسرعة: «كفاية!» لكن أنا انفجرت: «كفاية إيه؟! أنا فقدت ست شهور من حياتي! فقدت نظري! عشت كل يوم وأنا مش عارف أنا مين ولا حصل لي إيه! ودلوقتي بتقوليلي عندي ابن؟!» كريم قرب مني. وقال بهدوء: «أنا ابنك يا بابا.» حطيت إيدي على وشه. ولأول مرة… حسيت إن فيه حاجة جوايا بتتكسر. صوته… لمسته… حتى طريقة كلامه. كل حاجة كانت مألوفة. قلت: «أنا كنت بشوفك قبل الحادثة؟» قال: «أيوه.» «كنت بتعيش معايا؟» «أيوه.» «فين؟» سكت. ثم قال: «في البيت الكبير.» بيتّنا. البيت اللي سلمى كانت بتقول إننا عايشين فيه لوحدنا. قلت: «ليه محدش قالي عليك؟» كريم سكت. وليلى قالت: «عشان سلمى قالت للدكاترة إنك فقدت الذاكرة كمان.» شهقت. «أنا فقدت الذاكرة؟» حسام قال: «لأ.» سألته: «يعني إيه؟» «إنت ما فقدتش ذاكرتك بالكامل.» «أمال؟» «سلمى كانت بتديك أدوية.» سكت. «أدوية لإيه؟» «عشان تمنعك تفتكر.» بدأت أرجع للخلف. كل الصداع اللي كان بيجيلي. كل النعاس. كل الأيام اللي كنت بصحى فيها مش فاكر أنا حلمت بإيه. كل مرة سلمى كانت تقول: «دي أدوية الدكتور.» قلت: «فين الأدوية؟» حسام رد: «لسه في بيتك.» «إنت متأكد؟» «أنا شفتها.» سكت لحظة. ثم قال: «وفي حاجة تانية.» «إيه؟» «الجرعة اللي كانت بتديهالك مش مكتوبة في روشتة الدكتور.» اتنفسّي اتقطع. فجأة سمعت سلمى بتضحك. ضحكة هادية. غريبة. وقالت: «خلصتوا؟» لفيت ناحيتها. «إنتِ كنتِ بتخدريني؟» قالت: «كنت بحاول أحميك.» «تحميني من إيه؟» «من نفسك.» «من نفسي؟!» صرخت: «إنتِ السبب في كل ده!» ردت: «لأ.» ثم قالت: «أنا السبب في إنك لسه عايش.» سكت. «إيه؟» قالت: «لو كنت عرفت الحقيقة ليلة الحادثة، كنت هتموت.» «إيه الحقيقة؟» صوتها بدأ يهتز. «أخوك كان عايز يق/تلك.» اتجمدت. «أخويا؟» «أيوه.» ضحكت بسخرية. «أنا معنديش أخ.» سلمى سكتت. ثم قالت: «دي المشكلة.» «إيه المشكلة؟» «إنك فاكر إنك اتولدت في القاهرة… وإن أهلك الحقيقيين ماتوا من زمان.» حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي. حسام قال: «أدهم، لازم تعرف الحقيقة قبل ما يفوت الأوان.» قلت: «حقيقة إيه؟» وفجأة… سمعت صوت رسالة على تليفون سلمى. هي سكتت. ثم قال الرجل الغريب اللي كان واقف بعيد: «وصلتني الرسالة.» سلمى قالت: «إيه؟» رد: «الشرطة جاية.» حسام تنفس براحة. لكن الرجل أضاف: «بس المشكلة… إنهم مش جايين عشان سلمى.» سألت: «أمال جايين لمين؟» رد: «ليلى.» اتجمدت. ليلى نفسها ما قالتش حاجة. ثم سمعت صوت سيارات بتقرب بسرعة. سلمى قالت: «لازم ناخد البنت ونمشي.» وقفت قدامها. «محدش هياخد ليلى.» قالت: «إنت مش فاهم.» «لأ، أنا بدأت أفهم.» ثم مددت إيدي ناحية ليلى. «من النهاردة… أي حد عايز يوصل لها، لازم يعدي عليّا الأول.» ليلى مسكت إيدي. وفجأة قالت: «أدهم…» «نعم؟» «أنا ما قلتلكش أهم حاجة.» «إيه؟» قربت مني وهمست: «أنا مش بنت حسام.» سكت. «أمال بنت مين؟» ردت: «أنا بنت الراجل اللي عمل الحادثة.» اتجمدت. ثم أضافت: «وأبويا الحقيقي… هو الشخص الوحيد اللي يقدر يرجعلك نظرك.» في اللحظة دي… سمعت باب عربية بيتفتح. وصوت رجل نزل منه: «وأنا جيت عشان أرجعهولك.» وبمجرد ما سمعت صوته… عرفته. كان صوت أخويا. أخويا اللي كنت فاكر إنه مات من عشر سنين.وقفت مكاني كأني اتحولت لحجر. صوت أخويا… مستحيل. أنا فاكر يوم جنازته. فاكر صوت أمي وهي بتعيط. فاكر التراب وهو بينزل على التابوت. وفاكر نفسي وأنا عندي سبعتاشر سنة، واقف بعيد ومش قادر أصدق إنه خلاص مشي. قلت بصوت مرتعش: «مروان؟» الرجل رد: «أيوه يا أدهم.» رجلي خانتني. وقعت على الدكة. «إنت… عايش؟» قال: «عشت سنين طويلة بعيد عنك.» «ليه؟» سكت. وبعدين قال: «عشان لو رجعتلك، كانوا هيقت/لوك.» سلمى صرخت: «مروان، امشي من هنا!» ضحك. «لسه بتخافي مني يا سلمى؟» «إنت السبب في كل اللي حصل!» «لأ.» صوته بقى أقوى. «أنا السبب إني حاولت أنقذ أخويا.» قلت: «حد يفهمني!» مروان قرب. «قبل الحادثة بأسبوع، اكتشفت إن سلمى بتحول فلوس من حسابات الشركة لشركات وهمية.» سلمى قالت: «كدب.» مروان كمل: «وكانت بتبيع أسرار شركتك لمنافسين.» حسيت بصدمة. «إنت عرفت إزاي؟» «لأني كنت بتابع حسابات الشركة من بعيد.» «وليه ما جيتش وقولتلي؟» صوته انخفض. «لأني كنت خايف.» «من مين؟» «من الراجل اللي كان بيمول سلمى.» سكت. «مين؟» مروان ما ردش. بدل كده قال: «ليلى.» البنت قربت منه. «أنا هنا.» قال لها: «قولي له.» ليلى بصوت هادي: «الراجل ده هو اللي قت/ل ماما.» اتجمدت. «مامتك؟» هزت رأسها. «ماما الحقيقية.» نظرت ناحية سلمى. «سلمى مش أمي.» سلمى صرخت: «كفاية!» مروان قال: «ليلى كانت شاهدة على كل حاجة.» سألت: «إيه اللي شافته؟» «شافت الراجل وهو بيق/تل أمها.» «ليه؟» «عشان كانت هتبلغ عنه.» ليلى بدأت تبكي لأول مرة. «ماما كانت بتحاول تنقذك يا أدهم.» «تنقذني من إيه؟» «من سلمى.» سلمى اندفعت ناحيتها. لكن مروان وقف بينها وبين ليلى. وقال: «خلص الوقت يا سلمى.» سلمى سكتت. ثم قالت بصوت بارد: «إنت فاكر إن معاك دليل؟» مروان رد: «مش فاكر.» «أمال؟» «أنا متأكد.» ثم سحب هاتفه. «كل حاجة اتسجلت.» سلمى شهقت. «إنت مجنون.» «يمكن.» ثم ضغط زر التشغيل. وسمعت تسجيلًا. كان صوت سلمى. واضح جدًا. «أنا مش هق/تله… أنا بس هخليه ما يعرفش الحقيقة.» ثم جاء صوت رجل آخر: «ولو فاق؟» وردت سلمى: «مش هيفوق. الدكتور ضمنلي ده.» حسيت إن الدم انسحب من جسمي. التسجيل كمل. «وبعدين الشركة كلها هتبقى تحت سيطرتنا.» ثم جاء صوت الرجل: «والولد؟» سكتت سلمى. وبعدين قالت: «كريم مش هيفضل مشكلة.» صرخت: «كريم!» ابني قرب مني بسرعة. مسكت إيده. «إنت كويس؟» قال: «أيوه يا بابا.» لكن صوت سلمى تغير فجأة. «أدهم… اسمعني.» قلت: «مش عايز أسمع منك حاجة.» قالت: «لو مشيت مع مروان، كريم هيموت.» سكت الجميع. مروان قال: «بلاش تهديدات.» سلمى ضحكت. «إنت مش فاهم.» ثم سمعت صوت سيارة تانية بتقف. باب اتفتح. ورجل قال: «أنا كنت مستني اللحظة دي.» مروان اتوتر. «لأ…» سألته: «مين؟» قال بصوت منخفض: «هو.» «مين هو؟» مروان ما ردش. الرجل قرب. ثم قال: «أنا أبو كريم.» اتجمدت. «إيه؟» سمعت سلمى تضحك. وقالت: «أهو… دلوقتي فهمت.» «كريم ابني.» رد الرجل: «لأ يا أدهم.» ثم قال جملة قلبت كل حاجة: «كريم ابنك… بس مش ابن سلمى.» سكت العالم كله. مروان قال: «أدهم، لازم تمشي دلوقتي.» «ليه؟» «لأن الشخص اللي قدامك هو السبب الحقيقي في الحادثة.» الرجل ضحك. «وأنا مش جاي أق/تلك.» سكت لحظة. ثم قال: «أنا جاي أرجعلك نظرك.» ليلى قربت مني وهمست: «بابا… هو بيكدب.» قلت: «إزاي؟» ردت: «عشان الشخص اللي يقدر يرجعلك نظرك… مات من ست شهور.» اتنفسّي اتقطع. «مين؟» ليلى قالت: «أمي.» وفي نفس اللحظة… سمعت صوت صفارات الشرطة تقترب. وسمعت سلمى بتقول: «خلصنا.» لكن مروان رد: «لأ يا سلمى.» ثم قال: «دي لسه البداية.» وفجأة… كل حاجة حواليا بدأت تلف. صوت بعيد. أصوات أقدام. صرخة كريم. ثم ظلام أعمق من ظلام عيني. وقبل ما أفقد الوعي، سمعت صوت ليلى عند ودني: «لما تصحى… هتشوف.» وبعدها… اختفى كل شيء.أول حاجة حسيتها لما فتحت عيني… كانت الشمس. مش صوتها. مش دفئها على وشي. شوفتها. فتحت عيني بسرعة، وقفلتهم تاني من شدة النور. قلبي بدأ يدق بعنف. رفعت إيدي قدام وشي. وشفتها. أصابعي. كفي. الخطوط الصغيرة في إيدي. وقعت دموعي على طول. همست: «أنا… شايف.» جالي صوت ممرضة من بعيد: «اهدأ يا أستاذ أدهم.» بصيت ناحيتها. وشها كان أول وش أشوفه بعد ست شهور. قلت: «أنا فين؟» «في المستشفى.» بصيت حواليا. أجهزة. سرير. باب أبيض. وشباك داخل منه نور الصبح. لكن قبل ما أفرح… افتكرت كل حاجة. ليلى. كريم. مروان. وسلمى. مسكت إيد الممرضة. «ابني فين؟» «مين؟» «كريم! الطفل اللي كان معايا في الحديقة.» الممرضة بصتلي باستغراب. «مفيش طفل جه معاك هنا.» قلبي وقع. «وليلى؟» «مين ليلى؟» نزلت من السرير رغم الدوخة. «لا… كانوا معايا.» دخل دكتور بسرعة. «أستاذ أدهم، لازم تفضل مكانك.» قلت: «فين ابني؟» الدكتور بص للممرضة. وبعدين قال: «إنت متأكد إنك كنت شايف أطفال؟» تجمدت. «أنا كنت أعمى… ودلوقتي شايف.» الدكتور قرب مني. «عشان كده لازم نتكلم.» «اتكلم.» «العملية اللي عملناها لك من أسبوع نجحت.» «عملية؟» «أيوه.» «مين دفع تكاليفها؟» سكت. ثم قال: «سيدة.» «اسمها؟» تردد. «سلمى الشناوي.» اتجمدت. «سلمى؟» «أيوه.» ضحكت بسخرية. «هي عايزة ترجعلي نظري؟» الدكتور قال: «هي اللي جابت لنا ملفك الطبي القديم.» «ملفي القديم؟» «وكان فيه ملاحظة غريبة جدًا.» «إيه؟» فتح الملف. وقال: «إن إصابة عينيك لم تكن كاملة.» «يعني؟» «كان فيه ضغط على العصب البصري… لكنه كان قابلًا للعلاج.» حسيت بقشعريرة. «يعني أنا ماكنتش أعمى بشكل دائم؟» «لأ.» «طب ليه الدكاترة قالوا إن مفيش أمل؟» الدكتور سكت. ثم قال: «لأن التقارير اللي وصلتنا وقتها كانت مختلفة.» «مين غيّرها؟» ما ردش. لكن عينه راحت ناحية الباب. اتلفت. كان فيه رجل واقف. مروان. دخل وقفل الباب وراه. قلت: «إنت عارف.» قال: «عارف أكتر مما تتخيل.» «فين سلمى؟» «في الحجز.» اتنفست براحة. «وكريم؟» مروان سكت. «رد عليّا.» قال: «كريم بأمان.» غمضت عيني لحظة. «وليلى؟» هنا تغيرت ملامحه. «ليلى اختفت.» فتحت عيني. «إيه؟» «بعد ما الشرطة وصلت للحديقة، ما لقيناش ليلى.» «إزاي؟» «كانت موجودة… وبعد دقايق اختفت.» «وحسام؟» «اتقبض عليه.» «والراجل اللي قال إنه أبو كريم؟» مروان سكت. قلت: «ماتقوليش إنه اختفى هو كمان.» «لأ.» «أمال؟» قال: «اتق/تل.» الصمت نزل بينا. «إمتى؟» «بعد ما خرج من الحديقة بساعة.» «مين قت/له؟» «مش عارفين.» قعدت على السرير. «يبقى لسه فيه حد بيحرك كل ده.» مروان قال: «بالضبط.» وبعدين حط ظرف بني على الترابيزة. «ده اتساب ليك قبل العملية.» «من مين؟» «ليلى.» فتحت الظرف بإيد بتترعش. جواه صورة. مسكتها. وكانت أول صورة أشوفها بعد ما رجعلي نظري. الصورة كانت ليا. أنا وسلمى. وكريم واقف بينا. لكن ورا الصورة… كان فيه تاريخ مكتوب. قبل الحادثة بيوم واحد. قلبت الصورة. ولقيت جملة بخط طفولي: "بابا، لو شفت الصورة دي، ماتصدقش سلمى." وتحتها… اسم تاني. اسم خلاني أقف من مكاني. "ماما نادين." بصيت لمروان. «مين نادين؟» وشه اتغير. «إنت شفت الاسم؟» «أيوه.» «نادين كانت…» سكت. «كانت إيه؟» مروان بصلي مباشرة. وقال: «مراتك الأولى.» اتجمدت. «مراتي الأولى؟» «أيوه.» «أنا عمري ما اتجوزت غير سلمى.» مروان قرب مني. وقال: «دي بالضبط الكذبة اللي سلمى خلتك تصدقها.» ثم فتح تليفونه وشغل فيديو. ظهر فيه أنا… واقف قدام عربية. جنب ست جميلة. وفي إيدي طفل صغير. والست كانت بتضحك. ثم سمعت صوتي في الفيديو: «نادين، أوعدك… محدش هيقدر ياخد ابني منك.» الفيديو انتهى. فضلت ساكت. لأول مرة، رجوعي للنظر ما كانش نعمة. كان لعنة. لأن الحقيقة اللي كنت بدور عليها طول الست شهور… طلعت أكبر بكتير من خيانتي لسلمى. أنا ماكنتش متجوز سلمى من خمس سنين. أنا كنت متجوز نادين. وكان عندي ابن اسمه كريم. والأخطر… إن سلمى ما كانتش مراتي. كانت المرأة اللي سرقت حياتي. وفي اللحظة دي، جالي اتصال من رقم مجهول. رديت. سمعت صوت بنت صغيرة: «أدهم؟» قلت بسرعة: «ليلى؟!» ضحكت. «عرفت مين سلمى؟» «أيوه.» «طب عرفت مين أنا؟» سكت. ثم قالت: «أنا بنت نادين.» وبعدها همست: «وسلمى مش هي اللي قت/لت أمي.» انقطع الخط. وفي نفس الثانية… وصلتني رسالة على الموبايل. صورة جديدة. الصورة كانت ليا وأنا صغير… واقف جنب طفل تاني. مروان. لكن في الخلفية كان واقف رجل ثالث. الرجل اللي في الصورة كان نفس الرجل اللي ادعى إنه أبو كريم. وتحت الصورة جملة واحدة: "أخوك مروان مش أخوك الحقيقي."فضلت باصص للصورة وأنا مش قادر أتكلم. رجعت أبص لمروان. هو كان واقف قدامي، وشه شاحب، وعينيه ثابتة على الموبايل. قلت: «مين الراجل ده؟» ما ردش. كررت: «مروان… مين الراجل اللي واقف وراينا؟» فضل ساكت. قربت منه. «إنت تعرفه.» قال أخيرًا: «أيوه.» «مين؟» اتنهد. «اسمه فؤاد.» الاسم وقع عليّا غريب. «فؤاد مين؟» «أبونا.» ضحكت من الصدمة. «أبونا؟» «أيوه.» «يعني إيه؟» بصلي في عيني. «يعني الراجل اللي في الصورة هو أبوك الحقيقي.» اتجمدت. «وأنت؟» مروان سكت. قلت: «إنت مش أخويا؟» هز رأسه ببطء. «لأ.» رجعت خطوة لورا. «طب مين أنت؟» قال: «أنا ابن الراجل اللي ربّاك.» «يعني إيه؟» «أبوك اللي كنت فاكره أبوك… مش أبوك الحقيقي.» حطيت إيدي على رأسي. كل حاجة بدأت تتداخل. «طب ليه اتربينا سوا؟» «عشان فؤاد اختفى قبل ما تتولد.» «اختفى ليه؟» «كان بيهرب من ناس أخطر منه.» «مين؟» مروان بص ناحية الباب. «نفس الناس اللي بتدور ورا ليلى.» سكت لحظة. ثم قال: «ونادين كانت تعرف الحقيقة.» اتنفست بصعوبة. «يعني نادين كانت تعرف إن فؤاد أبويا؟» «أيوه.» «وعشان كده قت/لوها؟» «مش هي السبب الوحيد.» «أمال إيه؟» مروان قرب مني. وقال: «نادين كانت ماسكة ملف.» «ملف إيه؟» «ملف يثبت إن شركة والدك اتبنت على أموال مسروقة.» اتجمدت. «أموال مسروقة من مين؟» «من ناس كتير.» «ومين كان بيدير العملية؟» مروان سكت. قلت: «سلمى؟» «لأ.» «فؤاد؟» «برضه لأ.» سألته: «أمال مين؟» فتح الموبايل، ووراني صورة قديمة. رجل كبير في السن. بدلة سوداء. واقف جنب فؤاد. قلت: «مين ده؟» مروان قال: «رجل الأعمال اللي اشترى أول شركة باسم والدك.» «اسمه؟» «جلال النجار.» الاسم كان مألوفًا. جلال النجار. واحد من أكبر رجال الأعمال في نيويورك. وأغرب حاجة… إنه كان من أوائل المستثمرين في شركتي. قلت: «جلال كان شريكي؟» «كان بيمثل إنه شريكك.» «يعني إيه؟» «يعني شركتك من البداية كانت تحت سيطرته.» «وسلمى؟» «كانت شغالة معاه.» حسيت إن صدري ضاق. «يبقى ليه سلمى حاولت تق/تلني؟» مروان قال: «لأنك بدأت تكتشف إن كل فلوس شركتك مش فلوسك.» سكت. «كانت فلوس أبوك.» «أبويا؟» «فؤاد.» ثم أضاف: «والمشكلة إن فؤاد ما ماتش.» رفعت رأسي. «إيه؟» «هو عايش.» سكت لحظة. ثم قلت: «فين؟» مروان ما ردش. وفجأة… تليفوني رن. رقم مجهول. رديت. صوت رجل كبير جاء من الناحية التانية: «أدهم.» اتجمدت. الصوت كان هادي. لكن فيه حاجة غريبة. إحساس إني سمعته قبل كده. قلت: «مين؟» قال: «أبوك.» نفسي اتقطع. مروان قرب مني. «ما تقفلش.» قلت: «لو إنت فؤاد… ليه سبتني كل السنين دي؟» رد: «لأني كنت بحميك.» «من مين؟» سكت. ثم قال: «من جلال.» «وجلال عايز مني إيه؟» قال: «مش عايز منك حاجة.» توقفت. «أمال؟» صوته بقى أكثر جدية: «عايز ابنك.» اتجمدت. «كريم؟» «أيوه.» «ليه؟» قال: «لأن كريم مش مجرد طفل.» سكت. ثم أضاف: «هو الوريث الوحيد لحاجة جلال قضى عشرين سنة يدور عليها.» «إيه الحاجة دي؟» قبل ما يجاوب… سمعت صوت باب الغرفة بيتفتح. مروان لف بسرعة. وشفت رجلين واقفين عند الباب. واحد منهم قال: «أستاذ أدهم… لازم تيجي معانا.» قلت: «مين أنتم؟» طلع بطاقة. كانت بطاقة شرطة. لكن قبل ما أمد إيدي أخدها… فؤاد صرخ من الهاتف: «ما تروحش معاهم!» الرجل ابتسم. وقال: «متقلقش يا أستاذ أدهم.» ثم رفع عينيه ناحيتي. «إحنا مش شرطة.» مروان اندفع ناحيتهم. وفي اللحظة نفسها… انطفأت أنوار المستشفى. رجع الظلام. لكن المرة دي… أنا كنت شايف. وشفت حاجة ماكانش المفروض أشوفها. الرجل اللي واقف عند الباب… كان ماسك صورة ليلى. وتحت الصورة مكتوب: "الهدف التالي: كريم." وفي اللحظة دي فهمت إن المعركة الحقيقية بدأت. لكن السؤال اللي فضل يطاردني كان واحد: إزاي أنقذ ابني… وأنا لسه مش عارف مين فيهم عدوي ومين فيهم بيحميني؟