انتقام الصمت شروق خالد

في الساعة 5 الصبح، رجالة الشرطة لقوا بنتي اللي حامل في الشهر الخامس بتنزف ومرمية في موقف أوتوبيس والجو تلج. الدكتور همس في ودني وعينه في الأرض: “جوزها وحماتها هما اللي عملوا فيها كده… البنت والجنين مش هيعدوا الليلة”.
قلبي وقف تماماً.. “مروان” بيه، جوزها الغني المتغطرس، كان فاكر إن فلوسه ونفوذه هيحموه، وميعرفش إن السكوت اللي فات كان بمزاجي.. ميعرفش أنا مين ولا ماضيّ إيه! مبكيتش.. دموعي هربت.. كل اللي عملته إني رفعت سماعة التليفون وعملت مكالمة واحدة بس. وفي أقل من 24 ساعة، القصر بتاعه كان على وشك إنه يتحول لمقبرة ليهم كلهم!
سُقت عربيتي وسط المطر والسيول، وقلبي كان بيدق زي الطبل.. “نور”، بنتي الجميلة اللي عندها 24 سنة، متجوزة من ابن عيلة “السيوفي” الأغنية من تلات سنين. كانوا بيعاملوها كأنها مجرد برواز بيكملوا بيه مظهرهم الاجتماعي، بس عمري ما تخيلت إن قسوتهم توصل للدرجة دي! خصوصاً وهي شايلة حفيدهم في بطنها.
لما وصلت الموقف في أطراف أكتوبر، أنوار عربيات الإسعاف والشرطة كانت بتقطع ضلمة الفجر. لمحها قلبي.. “نور” كانت مكمشة على نفسها وزي الجنين على الخرسانة المغطاة بالطين، وإيديها الاتنين محاوطين بطنها بضعف، كأنها بتحاول تحمي ابنها لآخر لحظة.
“نور! بنتي!”.. رميت نفسي في الطين ومبقتش شايفة قدامي.
وشها كان ورم ومزرق، وبتترعش ومفيش عليها غير قميص نوم ستان خفيف في عز البرد.
“أنا جنبك يا قلب أمك”، صرخت وأنا بحاول أقرب منها ومنهارة مش عارفة ألمس فين من جسمها المتكسر: “مين اللي عمل فيكي كده؟”
كحت دم، ومسكت في معصم إيدي بقوة غريبة مش عارفة جابتها منين:
“الفضة..”، همست وصوتها طالع بالعافية كأنه زجاج بيتكسر: “ملمعتش الفضيات بتاعة السفرة كويس.. “إلهام” هانم مسكتني من شعري.. و”مروان”.. جاب مضرب الجولف وفضل يضرب.. قولتله حرام عليك ابني.. قالولي الواد ده غلطة ومش عايزينه!”
الدنيا اسودت في عيني ومبقتش سامعة حاجة.. جوزها وحماتها يضربوا ست حامل بمضرب جولف عشان حتة فضة؟ ورموها في الموقف عشان تسقط وتموت في الضلمة؟!
بعد تلات ساعات في الرعاية المركزة بمستشفى قصر العيني الفرنساوي، خرج الدكتور أحمد من أوضة العمليات، وشه كان خاطف وتعبان، ونظرة عينه لخصت كل حاجة.
“مدام سارة”، قالها بصوت واطي: “بنتك في غيبوبة كاملة.. عندها كسر مضاعف في الجمجمة، ونزيف حاد في الطحال.. ”
“والجنين؟ طب هي هتفوق؟” سألته وأنا بنهج.
بص في الأرض وقال: “لازم أكون صريح معاكي، درجة الغيبوبة على المقياس الطبي 3، ودي أقل درجة ممكنة.. تلف الدماغ كارثي. حتى لو جسمها اتحسن، نور اللي تعرفيها مش هترجع.. والجنين جسمها مش قادر يتحمل يغذيه في الحالة دي. ادعيلها.. ولازم تستعدي للوداع”.
الوداع؟ كلمة ميعرفهاش قاموسي.
دخلت الرعاية، الأجهزة حواليها بتصفر وتعمل أصوات غريبة، كأنها خيط رفيع رابط روحها بالدنيا. قعدت جمبها ومسكت إيدها الساقعة زي التلج.
فضلت قاعدة ساعة كاملة.. عقلي سافر لـ فيلا “السيوفي” في التجمع الخامس.. مروان دلوقتي أكيد نايم في سريره في التكييف، ويمكن كتفه واجعه شوية من كتر ما كان بيضرب بنتي بالمضرب! وأمه أكيد بتشرب النسكافيه بتاعها بكل برود وبتحس بالنظافة والانتصار.
هما نايمين في الدفا.. ونور وحفيدي بيموتوا في الساقعة.
بصيت لإيدي.. لقيت نفسي من كتر الغل ضاغطة على مسند الكرسي البلاستيك بتاع المستشفى لحد ما اتكسر نصين في إيدي.
مقُبلتهاش قبلة الوداع، ولا روحت القسم أعمل محضر وأستنى “العدالة” والقانون اللي هياخد شهور. خرجت في المطر، فتحت شنطة عربيتي، وطلعت جركن بنزين 20 لتر.
على الساعة 4 العصر، كنت واقفة ورا شجر الفيلا بتاعتهم.. ريحة البنزين غطت على ريحة الورد اللي في الجنينة، وبقت مالية المكان. طلعت الولاعة في إيدي.. ثانية واحدة بس وهخلي القصر ده وكل اللي فيه رماد..
وفي اللحظة دي.. تليفوني اتهز في جيبى بعنف.. كان رقم المستشفى..
#حكايات_شروق_خالد

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *