يوم عيد ميلادي حكايات توتا
في يوم عيد ميلادي، أخويا ضرب ابني اللي عنده 14 سنة بمضرب بيسبول وكسر له الحوض والمصيبة إن دي ما كانتش أول حاجة أهلي ركزوا عليها.
اللي كان فارق معاهم هو نيته، وشكل الموضوع قدام الناس، وإيه اللي هيحصل لما الخبر ينتشر. قالوا إن ده مجرد واحد بيعلّم ابنه درس. وإن الولاد محتاجين تربية وانضباط. وإن مشاكل العيلة لازم تتحل بينا ومن غير فضايح.
بس أنا عملت اللي أي أب ممكن يعمله لما الدنيا تتقلب فجأة، وابنه يبقى واقع على الأرض بيحاول ياخد نفسه
حميت ابني.
وساعتها، لأول مرة، شفت الوهم اللي أهلي قضوا سنين طويلة بيجمّلوه، بيتحول قدام عينيهم كلهم لرماد.
أنا طول عمري عارف إن عيلتي فيها ترتيب معين حتى لو محدش عمره قال الكلام ده بصوت عالي.
أخويا سامح كان دايما الابن المفضل. أي غلطة يعملها تتقال عليها سوء حظ، وعصبيته تتفسر إنها قوة شخصية.
أما أنا، فكنت دايما الابن اللي محدش بيشيل همه.
اللي مش بيطلب مساعدة، ومش مستني مدح، وبالتالي من وجهة نظرهم مش محتاج أي حاجة.
بنيت حياتي بنفسي، حتة حتة، وفضلت محافظ على مسافة بيني وبينهم، لأن ده كان أأمن.
بس اللي ماكنتش أعرفه إن المسافة مش هتحمينا.
لما الفوضى وصلت، دخلت من باب بيتي أنا.
اسمي وليد المصري، عندي أربعين سنة، وقضيت أغلب عمري وأنا بكسب رزقي بالطريقة الصعبة.
أيام شغل طويلة بتبدأ قبل شروق الشمس، وإيدين مهما غسلتها بتفضل خشنة، وشغل مفيش فيه اسمك له قيمة غير لما الناس تشوف نتيجة تعبك.
عندي شركة مقاولات صغيرة في الجيزة. ببني بيوت حسب الطلب، ومن غير أي اختصارات أو شغل على حساب الجودة.
والبيت اللي عايش فيه مع عيلتي أنا اللي بنيته بإيدي، طوبة ورا طوبة.
كل مقاس فيه محفور في دماغي.
عارف كل حتة في الحيطان بتعمل صوت إمتى، وأنهي شباك بيدخل منه نور الصبح بشكل يخلي البيت كله منور.
مراتي مريم هي أكتر شخص ثابت في حياتنا.
قوية من غير ما تعلي صوتها، ذكية وبتلقط التفاصيل بسرعة، ومن النوع اللي ما ترفعش صوتها غير لما الموضوع يكون فعلا مستاهل.
ولادنا كانوا دايما الدليل إن التوازن ممكن يكون موجود.
نوح عنده 14 سنة، فضولي بشكل كبير، طول الوقت بيفكك أي حاجة قدامه عشان
يشوف إذا كان يقدر يرجع يركبها بشكل أحسن.
وليلى عندها 12 سنة، بتراقب الناس أكتر ما بتتكلم. بتلاحظ تغير نبرة الصوت ونص الكلام اللي بيتقال قبل ما الكبار نفسهم يتخيلوا إنها واخدة بالها.
جوه بيتنا كان فيه سلام.
التوتر كان دايما بره.
سامح عنده 38 سنة ولسه غضبان من الدنيا عشان مش كل حاجة بتمشي على مزاجه.
يتنقل من شغلانة للتانية، وشايل جواه خناقات قديمة كأنها ميداليات، والغريب إن أبويا وأمي دايما بيلاقوا له مبرر.
حسن ونادية ماكانوش شايفين إنهم بيفضلوا سامح عليا.
هما كانوا شايفين إن ده قدر.
سامح بيتعب؟ يبقى محتاج حماية.
أنا ناجح؟ يبقى لازم أفهم وأستحمل.
كانوا بيسموني محظوظ.
وكأن كل اللي وصلت له حصل لوحده، وكأن التعب والتضحية مالهمش قيمة لمجرد إنهم جم من الابن اللي مش المفضل.
قبل عيد ميلادي الأربعين بأسبوع، مريم اقترحت نعمل عزومة صغيرة في الجنينة.
مفيش حاجة كبيرة.
أكل، والولاد يجروا ويلعبوا، والناس تضحك.
أنا ماكنتش عايز اهتمام، وعمري ما حبيت أبقى محور تجمع.
هي ابتسمت وقالتلي إن الموضوع مش عشاني أصلا
ده عشان الولاد، وعشان يفضل عندهم ذكريات حلوة.
وافقت.
احتفال بسيط.
وده كل اللي كنت عايزه.
اتصلت بأبويا وأمي من باب الذوق.
أمي كان صوتها مليان فرحة، وبدأت من ساعتها تخطط هتجيب إيه.
أبويا تمتم بحاجة عن إني ما أحولهاش لحفلة استعراض.
وبعدين سامح اتصل.
ضحكته وصلتني في التليفون قبل كلامه، نفس الضحكة المستفزة اللي فيها غرور، كأنه مستمتع بحاجة أنا لسه حتى ما قلتهاش.
قال
الكبير هيتم أربعين بقى؟ أكيد هتشوي لحمة بالفلوس اللي بتطلعها من المقاولات.
قلتله إنها مجرد عزومة بسيطة في الجنينة.
ضحك كأنه مش مصدقني.
وقال
محظوظ كل حاجة في حياتك بتمشي لصالحك.
قلتله ييجي لو عايز، بس من غير مشاكل.
ضحك تاني وقال إنه مستحيل يفوّت المناسبة دي.
بالليل، أمي اتصلت بيا تاني.
صوتها كان حذر.
قالت
وليد، خليك هادي وخلي اليوم يعدي على خير. أخوك مضغوط اليومين دول. الناس بتتكلم لما العائلات تتخانق.
قلتلها إن سامح لو احترم نفسه، محدش هيكلمه.
سكتت شوية، وبعدها طلعت نفس النبرة اللي حافظها من وأنا صغير، نبرة الست اللي متضايقة مني.
وقالت
إنت عارف عصبيتك عاملة إزاي.
قفلت معاها.
وقعدت لوحدي في البلكونة.
الجو كان صافي، والنجوم باينة في السما.
فكرت قد إيه تعبت عشان أبني لنفسي اسم واحترام.
الرجالة اللي بتشتغل في مجالي عارفين إن لما أقول كلمة، ببقى قاصدها.
الحدود مش غرور.
الحدود أوقات بتبقى مسألة بقاء.
وعدت نفسي في الليلة دي إني مش هسمح لحد يقلل من احترامي في بيتي تاني.
لا سامح.
ولا أبويا وأمي.
ولا أي حد.
وجاء يوم العزومة.
كان الجو دافي والشمس منورة.
وبحلول آخر النهار، الجنينة كانت مليانة دخان الشواية، كلام وضحك، وريحه اللحمة المشوية طالعة فوق السور.
أبويا اختار لنفسه مكان جنب التلاجة كأنه قاعد على عرشه، ماسك البيرة وبيحكي حكايات، والغريب إن كل حكاية كانت بطريقة أو بأخرى بتطلع سامح مظلوم ومحدش فاهمه.
أمي كانت واقفة جنب مريم عند ترابيزة الأكل، وكل شوية تمدح فيها وبعد المدح على طول تحط ملاحظة أو تصحيح.
مريم كانت بتتعامل مع الموضوع بهدوء، تبتسم بأدب وكأن مفيش حاجة مضايقاها.
سامح وصل متأخر.
لابس نضارة شمس، وماشي بطريقة مستفزة كأنه صاحب المكان.
خبطني على ضهري وقال
كل سنة وإنت طيب يا بتاع الأربعين.
وبعدين بص على الجنينة كلها كأنه بيقيّم مشروع.
وقال
ترتيب حلو يا وليد. شكل فلوس المقاولات بتجيب جنينة محترمة.
بصيتله وقلت
الشغل والتعب هما اللي بيجيبوا.
ورجعت للشواية.
لكنه ما سكتش.
فضل يرمي تعليقات صغيرة، كل واحدة معمولة عشان تستفزني.
بس أنا ما اديتوش اللي هو عايزه.
في الناحية التانية من الجنينة، كان نوح بيوري أولاد عمه الاسكوتر الكهربا بتاعه.
كان كسبه بعد أسابيع من مساعدتي في شغلانات صغيرة، وكان بيتعلم مني إزاي يقيس مرتين قبل ما يقطع مرة واحدة.
كان بيتكلم عنه بفخر وهو بيشرح لهم بيشتغل إزاي.
ساعتها ياسين، ابن سامح اللي عنده 15 سنة، قرب منه وخد الاسكوتر من غير ما يستأذن.
ركب وانطلق بيه في الجنينة وهو بيضحك، وزود السرعة أكتر من اللازم.
الأطفال بدأوا يشجعوه ويضحكوا، لحد ما الموضوع بقى خطر.
نوح ناداله بهدوء بس بحزم، وقاله يرجعه قبل ما يكسره.
ياسين ابتسم بسخرية وعمله مش سامع.
وفجأة صوت سامح قطع دوشة المكان
إنت بتكلمه كده ليه؟
في لحظة، كل الناس بدأت تبص.
سامح قرب وهو ماسك البيرة، وقال لنوح إنه بيتصرف كأنه عيل مدلل.
نوح وقف مكانه، وملامح الحيرة ظهرت على وشه، وقال إن الاسكوتر بتاعه.
دخلت بينهم ساعتها.
قلت لسامح إن ابني هو اللي كسب الاسكوتر بمجهوده.
وقلتله لو عنده مشكلة، يتكلم معايا أنا.
الصمت اللي نزل بعدها كان تقيل.
سامح عينه كانت محمرة، ووشه سخن من العصبية.
بدأ يسخر مني ومن طريقة تربيتي لابني، وقال إني بربي واحد تاني طري وما يعرفش يتعامل مع الدنيا.
أبويا تمتم من بعيد إني عصبي زيادة وإن واضح إني بدور على خناقة.
بصيت لنوح وقلتله يدخل الاسكوتر ويحطه مكانه.
دخل من غير ما يقول كلمة.
سامح فضل باصص له وهو ماشي، وهز راسه وقال كلام عن الاحترام.
مريم بصتلي من الناحية التانية من الجنينة.
كان واضح على وشها إن فيه حاجة غلط.
الخط الفاصل كان اترسم خلاص، حتى لو محدش كان عايز يعترف بده.
رجعت للشواية.
قلبت اللحمة.
وتظاهرت إن الموقف خلص.
بس هو ماكنش خلص.
سامح خبط زجاجة البيرة على الترابيزة، واتهمني إني فاكر إن الفلوس خلتني أحسن من كل الناس.
قلتله
العيلة معناها إنك تعرف إمتى تسكت وإنت في بيت راجل تاني.
حد حاول يضحك عشان يخفف الجو، بس الضحكة طلعت باهتة ومصطنعة.
سامح خد بيرة تانية واتجه ناحية الجراج، خطواته مش ثابتة، وفكه مقفول وكتافه مشدودة.
فضلت متابعه بعيني.
إحساس غريب استقر جوايا.
هو ماكانش شكله مجرد واحد غضبان.
كان شكله زي واحد محتاج يثبت حاجة بأي تمن.
مريم قربت مني وهمست
الهدوء ده مش مطمني.
بصيتلها.
قالت
حاسه إن الهدوء ده غلط.
قلتلها
لسه لو ناوي يعمل حاجة، هيعملها قدام الناس.
أنا مش هروح وراه.
الموسيقى رجعت تشتغل، بس بصوت أوطى، وبشكل واضح إن الناس بتحاول تفرض جو طبيعي بالعافية.
الجو نفسه بقى خانق.
وبعدين
حصلت الكارثة.
صرخة شقت الجنينة.
صرخة حادة وموجوعة، مش مجرد صرخة ألم
كانت صرخة خيانة.
كل حاجة وقفت.
رميت الماسكة من إيدي وجريت.
ريحة الزيت والمعدن كانت مالية الجراج.
لكن المنظر اللي شوفته جواه اتحفر في دماغي للأبد.
نوح كان واقع على الأرض، ماسك جنبه، وبيحاول ياخد نفسه بالعافية.
عينيه كانت مفتوحة على آخرها من الصدمة.
وسامح كان واقف جنبه
متجمد مكانه.
وفي إيده مضرب بيسبول.
وشه كان فاضي من أي تعبير، كأنه هو نفسه مش قادر يستوعب اللي عمله.
مريم
لمحة نيوز