حفيدتي
أول ما الشمس طلعت، نور كلمت عمر. صوتها كان بيرتعش وهي بتقول له على الرسالة والظرف الأصفر. عمر سكت لحظة، صوت أنفاسه كان حاد، وبعدين قالها بكل حسم:
— أوعي تروحي البنك لوحدك يا نور.. أنا جاي آخدكم إنتي وجدو حالا.
الساعة تسعة الصبح، كانت صالة بنك فرع الدقي زحمة كالعادة. الحاج محمود كان قاعد في مكانه المفضل على الكرسي الجلد، لابس نفس القميص المكوي ومقعد نور جنبه. وعمر كان واقف وراهم، ضهره مشدود وعينيه بتراقب الباب زي حارس مرمى في دقيقة فاصلة.
وفجأة، الباب الزجاجي اتفتح.
دخلت إلهام بخطوات متكبرة، ووراها ابنها رامي، ومعاهم راجل خمسيني لابس بدلة رمادي وشايل شنطة جلد. الراجل ده كان الدكتور النفساني اللي جايبينه عشان يعمل التقييم السريع ويطلع تقرير مبدئي للنيابة.
إلهام ابتسمت ابتسامة النصر لما شافتهم كلهم متجمعين:
— حلو أوي.. العيلة كلها هنا، ومعاهم الشغالة الجديدة كمان.
عمر خطى خطوة لقدام، وصوته هز الصالة:
— عمتي.. لآخر مرة بقولك، لمي نفسك وامشي من هنا بدل ما أطلبلك الأمن.
رامي قرب من عمر وهو بيضحك بشماتة:
— تطلب الأمن لمين يا عمر؟ إحنا جايبين دكتور متخصص وهيطلع تقرير إن الراجل العجوز ده بيصرف فلوسه على ناس غريبة ومبقاش مدرك لتصرفاته. التوكيل هيمشي بالقوة أو بالقانون، اختار بقى.
في اللحظة دي، الموظفة الشابة اللي كانت دايماً بتستقبل الحاج محمود خرجت من مكتب المدير، ومعاها مدير الفرع شخصياً. الصالة كلها سكتت.
الدكتور يبدو إنه حس بالحرج، حاول يقرب من الحاج محمود ويسأله بالهداوة:
— يا حاج محمود.. حضرتك عارف إنت فين النهاردة؟ وعارف مين دول؟
الحاج محمود بص للدكتور بظهره المشدود، وعينيه الثابتة. مسك دفتر التوفير، وبص لإلهام ورامي وقال بنبرة صوت مسموعة لكل اللي في البنك:
— أنا محمود المتولي.. أستاذ التاريخ اللي خرج أجيال. عارف إني في البنك، وعارف إن اللي واقفة هناك دي بنت أخويا اللي ما افتكرتنيش غير لما البيت بقى يسوى ملايين. وعارف إن اللي جنبها ده ابنها اللي ما يعرفش حتى لون عينيا إيه. وعارف كمان إن البنت اللي واقفة جمبي دي هي اللي رجعتلي طعم الحياة في ٥ دقايق أنتوا سرقتوه مني في سنين.
إلهام وشها جاب ألوان:
— ده كلام ملهوش قيمة! هو غير متزن نفسياً وممكن يكتب أمتلاكه لأي حد!