حفيدتي
عمر غمض عينيه أول ما سمع عن إلهام ورامي والتأجير والتهديد بالدار. الخجل جرى في دمه أسرع من الغضب:
— أنا آسف.. أنا افتكرت أسوأ حاجة.
— وعمتك افتكرت كده برضه.
عمر بص من القزاز.. الحاج محمود كان بيكسر القرصة بتركيز شديد وكأنه بيعمل مهمة قومية.
— جدو مقاليش إنهم بيمارسوا عليه ضغط كده.
— يمكن عشان حضرتك دايماً في اجتماعات؟
الجملة نزلت في مكانها صح. عمر مدافعش عن نفسه.
في اليوم ده، عمر وصلهم هما الاتنين. الحاج محمود قعد ورا، وعمل نفسه رجله بتوجعه عشان يجبر نور تقعد قدام جنب عمر.
— يا جدو، الصبح كان كتفك هو اللي بيوجعك!
— الوجع بيسافر يا ابني.
نور حطت إيدها على بقها عشان ماتضحكش.
على مدار الأسابيع اللي بعد كده، الحاج محمود كان بيلقى حجج غريبة عشان يكلم نور. كان محتاج رأيها في اختيار الطماطم في السوق، محتاج يتعلم أزاي يعمل مكالمة فيديو، أو عايز يعرف هل رُواية بوليسية كويسة ولا لأ لأن “القاتل شكله ابن ناس أوي”. نور كانت بتروح، وعمر بدأ يظهر هو كمان.
بس كل يوم خميس، الحاج محمود كان بيختفي ومعه دفتر التوفير.
في يوم، نور مشيت وراه من غير ما يقصد. شافته بيدخل البنك، يقعد في صالة الانتظار، ويتكلم مع نفس الموظفة الشابة. ماسحبش فلوس، ممضاش على حاجة، وما طلبش حاجة. اتكلم ١٠ دقايق، ابتسم، وخرج.
— بتيجي كل خميس ليه؟ سألته نور لما خرج.
الحاج محمود بص لدفتر التوفير:
— عشان هنا بيفكروني باسمي.
نور حست بغصة في حلقها:
— بس كده؟
— بعد ما “فاتن” ماتت، البيت بقى أخرس. عمر بيكلمني، اه، وبيجي لما بيقدر.. بس هنا.. لو غبت خميس واحد، في حد بيسأل عليا.
تاني يوم، الحاج محمود طلب من نور تشيل معاها دفتر التوفير عقبال ما يروح للدكتور. بالليل، نور فتحت الدفتر عشان تطمن عليه، وقع منه ظرف أصفر قديم.
ماكانش مكتوب عليه اسم حد..
بس كان في جملة واحدة بخط إيد اترعشت وهي بتكتب:
“لعمر.. لو سكتّ تاني ووقتي خلص.”
نور ما كانتش عايزة تقرأ أكتـر، بس قبل ما تطويه، عينيها جت على سطر متشدد تحته خط:
“سامحني إني علمتك تتيجي متأخر للناس اللي بتحبهم.”
في نفس اللحظة، موبايل نور اتهز.. كانت رسالة من إلهام:
“ابعدي عن عمي. بكرة نازلين البنك ومعانا دكتور نفساني. لو فضلتي محشورة في النص، هتقعي معاه.”
في نفس الليلة، نور مجمعتش نوم. الرسالة كانت واضحة وصريحة: تهديد مباشر، والهدف المرة دي مش بس البيت أو الفلوس، الهدف كان كسر الحاج محمود وإثبات إن عقله خف عشان يتحط تحت الحراسة.