رجعت من السفر
يرون وجودي تذكيرًا بخطيئتهم، وشاهدًا على ظلمهم.
وفي ليلة من الليالي، جلستُ مع جدتي في شرفتها نشرب الشاي كما كنا نفعل دائمًا. قالت لي وهي تُنظر للقمر
أتعلمين يا حبيبتي؟ لم يكن الصندوق يحوي فقط العقود والمجوهرات. كان يحوي أمانة وكنتُ أنتظر الشخص الذي يستحقّها. لقد أثبتِ أنكِ لا تحبين المال لذاته، بل تحبين الحق والعدل. لهذا سأكتب وصيتي، وكل ما أملك سيكون لكِ. ليس طمعًا ولا حرمانًا لأحد بل لأنكِ الوحيدة التي عرفتِ قيمة الحق قبل قيمة المال. وأنتِ الوحيدة التي وقفتِ بجانبي حين تخلّى عني الجميع.
دمعت عيناي وقبلتُ يدها وقلت
لا أريد مالكِ يا تيتا. كل ما أردته هو أنتِ أنتِ تكوني بخير، وأنتِ في أمان. يكفيني أنكِ معي.
ضحكت ومسحت دموعي وقالت
أعلم ذلك ولهذا اخترتُكِ. تذكّري دائمًا المال وسيلة لا غاية. أما الحق والكرامة فهما كنز لا يفنى.
مرّت السنين، وبقيتُ بجانب جدتي حتى آخر نفسٍ في حياتها. عاشت كريمة، عزيزة، مُطمئنة، استردّت كرامتها واحترامها، ورحلت وهي تعلم أن حقّها لم يضع، وأن من ظلمها قد نال جزاءه وإن تأخّر.
أما أبويا وأمي فعاشوا بمالهم الذي أخذوه، لكنهم عاشوا بقلوبٍ خاوية، وحياةٍ بلا سلام، وابتعد عنهم الناس لما عرفوه من أمرهم. ولم يكن المال الذي طمعوا فيه وحرموا أمّهم لأجله إلا سبب شقائهم وفراقهم وضياعهم.
وأنا بقيتُ أحتفظ بذلك الصندوق القديم. لم يكن مجرد صناديق تحوي أوراقًا ومجوهرات. بل كان يحكي قصة صبرٍ وعدلٍ وإيمانٍ بأن الحق سينتصر ولو بعد حين. وتعلّمتُ منه درسًا لن أنساه ما حييت
أن أثمن ما يملكه الإنسان ليس ما في يديه من مالٍ أو ذهب. بل ما في قلبه من حقٍ وعدلٍ وكرامة. وأن من يبيع ضميره ويرتكب الظلم لأجل المال فإن المال يبقى والذنب يبقى، والحق يُطالب حتى يوم القيامة. وأن الصبر مع الحق سينتصر في النهاية مهما اشتدّ الظلم وطال الزمان.