رجعت من السفر
رجعت من سفري عشان أحضن جدتي بعد غياب شهور لكن بدل ما ألاقيها وسط العيلة، لقيتها محبوسة في أوضة تحت السلم، وبابها متقفل بالمفتاح وقتها مكنتش أعرف إن أبويا وأمي كانوا مرعوبين من صندوق قديم مستخبي وسط هدومها، ولو اتفتح هيفضح سر كانوا مستعدين يضيعوا جدتي عشانه.
الجزء الأول
جدتك مبتقعدش على السفرة اللي بياكل في البيت ده لازم يكون ليه تمن.
قالها أبويا وهو بيقفل باب أوضة صغيرة تحت السلم بالمفتاح.
وقفت مكاني مش مستوعبة.
أنا كنت راجعة من إسكندرية أقضي رأس السنة مع أهلي.
شايلة علبة كحك، وهدايا، ومستنية أول حضن من جدتي.
لكن أول ما دخلت البيت، لقيتها واقفة في المطبخ لوحدها.
بتقدم الأكل لكل الناس.
رغم إن عندها 74 سنة، وركبها بالعافية شايلينها.
أمي كانت قاعدة على السفرة بتديها أوامر
هاتِ السلطة.
لسه الأطباق متغسلتش.
بعد الأكل اكوي هدوم أبوكي.
وجدتي
ولا كلمة.
كانت بتنفذ بس.
بعد ما الكل خلص أكل، أمي حطتلها طبق فيه شوية رز بارد وحتتين عيش ناشفين.
وقالت
كلي في المطبخ.
قومت بسرعة وقلت
لأ يا تيتا اقعدي جنبي.
السفرة كلها سكتت.
أمي بصتلي بعصبية وقالت
متعمليش شو.
قلت
دي ست كبيرة.
رد أبويا بمنتهى البرود
إحنا بنصرف عليها، وبتعيش عندنا ببلاش أقل حاجة تساعد.
بصيت لجدتي.
لقيتها واخدة الطبق وماشية على المطبخ، وعينيها في الأرض.
حسيت إن قلبي بيتكسر.
لكن سكت.
لأني عارفة إن لو اتخانقت وقتها، هيخفوها أكتر.
فضلت أراقب.
بعد نص الليل، شوفت أبويا نازل تحت السلم.
استنيته يطلع.
ولقيت باب صغير مقفول.
فتحت من الشباك الصغير.
لقيت أوضة ضيقة جدًا.
سرير حديد.
بطانية خفيفة.
وشباك مكسور متقفل بكرتونة.
وجدتي قاعدة لوحدها.
سألتها
إنتِ بتنامي هنا؟
ابتسمت ابتسامة مكسورة وقالت
متزعليش يا بنتي أنا كويسة.
لكن قبل ما ترد أكتر، أمي زقتها لجوه.
وقفلت الباب بالمفتاح.
الليلة كلها معرفتش أنام.
الساعة اتنين الفجر، خرجت بهدوء.
خدت المفتاح من درج مكتب أبويا.
ونزلت.
فتحت الباب.
لقيت جدتي لسه صاحيه.
قلت
يلا يا تيتا هنمشي.
خافت.
وقالت
أمك هتزعل.
حضنتها وقلت
خلاص كفاية.
لمينا هدومها.
وأدويتها.
وشوية صور قديمة.
وركبنا العربية.
وصلنا شقتي قبل الفجر.
عملتلها شاي.
وجبتلها بطانية جديدة.
أول ما اتغطت بيها
فضلت تعيط.
قالتلي إنهم بقالهم تلات سنين بياخدوا معاشها.
وساحبين منها كل الكروت.
ومنعين عنها التليفون.
وكانوا يبعتولي رسايل من موبايلها يقولوا إنها بخير.
سألتها
ليه مسكتيش فيا؟
قالت وهي بتمسح دموعها
مكنتش أعرف أوصلك.
وأنا برتب هدومها، لقيت صندوق صاج قديم مستخبي تحت قاع الشنطة.
فتحته.
لقيت عقود.
وأوراق مختومة.
وخطابات بخط جدي.
وفي الآخر، ملف مقفول بالشمع الأحمر.
صورت كل حاجة.
وكلمت محامي العيلة.
أول ما شاف الصور، اتغير صوته
وقال
إوعي أبوكي يعرف إن الصندوق عندك.
سألته
ليه؟
قال
من أربع شهور، أبوكي سألني إزاي يقدر يطلع قرار بعدم أهلية جدتك، عشان يتصرف في أملاكها.
بصيت لجدتي وهي نايمة.
وفهمت إنهم مكانوش حابسينها لأنها تعبانة.
كانوا بيكسروها يوم بعد يوم
عشان توقع على حاجة.
لكن اللي خلاني مصدومة بجد
كان آخر ورقة في الملف.
لأنها كانت بتقول إن جدتي مش بس صاحبة البيت
دي كانت
دي كانت المالكة الوحيدة لكل أملاك جدي، وأراضيه، ومحلاته التجارية اللي في وسط البلد وكلها مسجلة باسمها وحدها من يوم ما توفى جدي من سنين، وكل اللي أبويا وأمي بيقولوه إن البيت لهم وإنهم بيتكفلوا بيها من فضلهم ده كله كذب وبهتان!
قلبي وقع في مكانه. رجعت بصيت للورقة تاني وتالت، عشان أتأكد إن عيني مش بتخدعني. الختم الرسمي واضح، وتوقيع القاضي ظاهر، وكتابة جدي نفسه في وصيته اللي مكتوبة بخطه ومصدق من الشهود كل ما أملك من أرض وعقار ونقود ومتاع، أورثه لزوجتي حياةً لها، ولها الحق الكامل في التصرف في أي شيء منها كما تشاء، من غير ما يعترضها أحد من أولاد أو حفدة أو غيرهم. ومن بعد وفاتها، توزع كما تريد بوصيتها الخاصة.
أنا كنت فاكرة جدي ساب لهم حاجة، أو إن البيت ده بأسم أبويا من زمان. لكن الحقيقة كانت صادمة حتى البيت اللي كنت راجعة له من سفر، اللي نشأت فيه وكبرت فيه ده ملك جدتي وحدها. وأبويا وأمي كانوا
عايشين فيه تحت رحمتها، وهي اللي سمحت لهم بالسكن معها من خير قلبها وهم قابلوا الجميل بالجحود والقسوة.
قعدت جنبها وهي نايمة، وشفت دمعة سايلة على خدها حتى وهي في نومها. فهمت كل حاجة دلوقتي ليه كانت محبوسة تحت السلم؟ ليه ممنوعة من التليفون؟ ليه بياخدوا معاشها وكل مداخيل أملاكها؟ ليه كانوا عاوزين يخرجوها من أهليةها؟ عشان لو فقدت أهليتها، يبقى أبويا هو الوصي عليها، ويقدر يبيع كل حاجة، ويحول الفلوس لحسابه، ويرميها في أي مأوى أو زاوية من غير ما حد يسأل عنها.
المحامي كلم تاني في نفس اليوم، صوته متوتر ومش مطمن
يا بنتي، أبوكي كان جاي لي قبل كده وقال إن والدته عندها ضعف في الذاكرة وتصرفاتها مش مظبوطة، وعاوز أُعد له الأوراق عشان يثبت ذلك وياخد الوصاية. أنا رفضت لأني عارفة جدتك وعارفة إن عقلها سليم مية بالمية. بس خايف يكون راح لمحامي تاني ويعمل هناك حاجة. وإن الصندوق ده وصل ليدك في الوقت ده بالذات فده معناه إنهم كانوا عارفين بوجوده وخايفين يطلع لحد، فحبسوها عشان تضطر تُسلّمه لهم أو تُوقّع تنازل عن كل حاجة.
سألته بصوت مخنوق
يعني كانوا مستعدين يضيعوها ويموتوها في الزاوية دي عشان الفلوس؟ ده ابنها؟
ردّ بصوت ثقيل
المال يا بنتي بيغير النفوس، وبيُعمي العيون. وأبوكِ مش وحده في القصة دي. أمك لهم يدّ فيها كمان، هي اللي كانت تُحَرّضه وتُشجّعه. ده مخطط
من سنين، بيجهزوا له خطوة بخطوة.
بقيت طول الليل سهرانة، بصيت للصندوق وما فيه، وبصيت لجدتي اللي نامت مرتاحة لأول
لمحة نيوز