رجعت من السفر
مرة من زمان في شقتي. قررت في قلبي حاجتين أولًا، أبدًا ما هسمح لهم يقربوا منها تاني. تانيًا، هارجع لها كل حق سلبوه منها، ولو كلفني كل ما أملك وكل عمري.
في الصباح، صحيت جدتي وشافتني قاعدة جنب الصندوق مفتوح، فعرفت إنني قرأت كل حاجة. ما حاولت تُخفي شيء. حطّت يدها على كتفي وقالت بصوتها الحزين الهادئ
عرفتي كل حاجة يا روحي؟ أنا كنت عاوزة أقولك بس ما قدرت. كانوا مهدديني بيكي. قالولي لو حكيتلك حاجة أو طلبت مساعدة، هيخربوا عليكِ حياتك ويشوهوا سمعتك. فسكتت وصبرت عشانك أنتِ. كنت فاكرة الصبر هيجيب نتيجة، وإن قلبهم هيلين يومًا. بس القلوب اللي قست على أمها مش هتلين أبدًا.
سألتها وهي تمسك كفي بقوة
يعني أبويا كان عارف من الأول إن كل حاجة بأسمك؟
عارف وأنا كنت قايلاله كمان. قلتله يا ولدي البيت بيتك، والخير خيرك، كل اللي ليكِ ليا. بس طمعه كبر، وطمع مراته كمان. قالتله ليه تفضل تحت رحمتها؟ ليه ما تاخد كل حاجة بسرعة؟ هي كبرت وعمرها قرب يخلص، ليه نستنى؟ ومن يومها بدأت المعاناة. شويه شويه، سحبوا مني كل صلاحيات، أخذوا التوكيلات بحجة إنهم يُريحوني، وبدأت أكتشف إنهم بيقبضوا إيجارات المحلات والأراضي وما يُعطوننيش قرشًا واحدًا. ولما طالبتهم بحقي اتغير عليّ الحال. حبسوني، منعوني الناس، كسروا تليفوني، وكل ما أقول لأحد شيء يقولوا لي ست كبيرة خرفت بتتكلم بلا معنى. وكنت خايفة على الصندوق ده، فخبّيته جوا شنطة قديمة ما حدش يفتحها، وقلت لعلّ الله يبعثلي من يُنقذه ويُنقذني. وها أنتِ جيتي كأن الله سمع دعواتي اللي كنت أُصليها في جوف الليل.
كلامها كان نارًا على قلبي. حضنتها وقلت لها بعزم ما فيّه
إرتاحي يا تيتا. من اليوم ده، ما حدش يقدر يمدّ لك يد أو يُكلمك بكلمة. أنا بنتك، وأنا اللي هاخد بحقك. هُما فكروكِ وحيدة ولا نصير لكي؟ غلطانين أنا كل نصيرٍ لكي.
مرّ يومين وأنا مُستخبية بجدتي في شقتي، ما حدش يعرف مكانها غيري والمحامي. في اليوم التالت، جاتلي مكالمة من أبويا. صوته عالي ومليان تهديد
أين جدتك؟ رجّعيها فورًا وإلا هتندمي. أنا ولي أمرها، وأنتِ خطفتيها وأخذتيها بغير رضاي.
رديت عليه بكل هدوء وأنا مش عاوزة صوتي يرتجف
أبويا جدتي عندي وهي في أمان تام. وأنتِ عارف كويس إنك مش ولي أمرها، ولا يحق لكِ عليها ولا على قرشٍ واحد من أملاكها. أنا ناصحتك خلّي الحق يُرجع لأصحابه، وارجع لربنا قبل ما يفوت الأوان. ارجعلها كل ما سلبتها، واعتذر لها، وربنا يسامحك ونبقى عيلة واحدة زي ما كنا.
ضحك ضحكة سخرية مرّة وقال
أملاك إيه اللي بتتكلمي عنها؟ دي عيلة وخرفت وأنتِ خدتيها عشان تاخدي منها اللي باقي! إن لم ترجعيها خلال ساعة، هبلغ الشرطة واقول لهم إنك خطفتيها وبتُضغطي عليها عشان تُوقّع لكِ ورق!
قفلت السماعة في وشه. وعرفت إن الطريق مش هيكون سهل. هما مش بس عاوزين المال دول جاهزين يُكذبوا، ويُفتروا، ويستخدموا كل وسيلة قذرة عشان يبقوا على ما أخذوه.
المحامي نصحني إني أُبقي جدتي بعيدة عن البيت، وإن نبدأ نجمع الأدلة من كل جهة. طلب مني صور كل الأوراق اللي في الصندوق، وطلب شهادة طبيب لجدتي يُثبت إن عقلها سليم وبكامل أهليتها، وبدأ يُجهّز دعوى قضائية نطالب فيها بوقف يدّ أبويا عن أملاك جدتي، وردّ كل ما اقتضاه من أموال وإيجارات طوال السنين الماضية.
وما مرّ يومين إلا واتفاجأت بقدومهم لشقتي. أبويا وأمي واقفين قدام الباب، وكلهم صياح ونداءات، بيقولوا للجيران بنتنا أخذت جدتها غصب عنها، بتُعذّبها عشان تُورّث منها، حرام عليكم ساعدونا!
فتحت لهم الباب بهدوء. دخلو وكأنهم أصحاب البيت. أول ما شافت أمي جدتي قاعدة مرتاحة، غضبت وقالت بلهجتها الحادة
إيه يا سيدتي؟ شكلكِ مرتاحة ومُكرّمة هنا؟ عندكِ بطانية جديدة وشاي حلو؟ ده كله عشان تُقلبينا على ولدكِ وتُفرّقي بينا! تعالي معايا حالًا، البيت بيتك وكل اللي فيه ليكِ!
ردّت عليها جدتي بصوتٍ لم أسمعه من قبل صوت قوي وصلب، كأنها رجعت عشرين سنة لورا
البيت بيتي فعلاً وأنتِ كنتِ عايشة فيه بكرم مني. بس دلوقتي عرفت إن الخير اللي كنتِ أعاملكِ به كان نعمة استحليتوها فكفرتموها. لا يا حبيبتي ما راجعة لكم. ولا عايشة معاكم تاني. كفاية تلات سنين حبس وذل وحرمان. كفاية.
أبويا اتخضّ من ردّها، وقرب منها بيحاول يأخذها بالحنية تارة والتهديد تانية
يا أما ده كلام اللي خرفان بيقولوه. دي بنتي تأثرت عليكِ وقالتلك كلام تاني. تعالي معايا وننسى اللي فات، ونعيش زي ما كنا. والله ما يصيرلك وحش.
بصّت له جدتي بنظرة مليانة حزن واشمئزاز وقالت
أنا خرفت؟ أنا اللي فات عليّ تلات سنين وأنا محبوسة تحت السلم، آكل الفضلات وأنام على الحديد، وممنوع أتكلم مع حد؟ وأنتِ تعرف إن كل ده حرام وذنب كبير؟ كنتِ كل يوم تيجي تسألني فين الصندوق؟ وقّعي ليا على الورق ده وأسيّبكِ ترتاحي. وأنا كنت أقولك يا ولدي اتق الله في أمك. فما ردّيت إلا بزيادة قسوة. والله لو كنتِ طلبت مني كل حاجة بصدق وحنية كنتِ لأعطيتك من قلبي قبل ما أعطيك من مالي. بس الطمع أعمى قلبك وأنتِ خسرتني