الحضانه محمد عبده

وهناك… تحت الجلد المشدود والندوب القديمة…

كان هناك وشم صغير… مختلف عن باقي الرسومات القاسية على ذراعه.

وشم بسيط… لكنه كُتب بعناية.

تجمدت في مكاني وأنا

أحاول قراءة الكلمات.
قلب… وتاريخ.

وتحتهم جملة قصيرة.

لكنني لم أستطع رؤيتها كاملة.

في تلك اللحظة تحديدًا…

شعرت أن هناك قصة أكبر بكثير مما نراه.

قصة لم تُحكَ بعد.

وقصة… قد تفسر لماذا لم يغادر هذا الرجل الكرسي منذ أكثر من عشر ساعات.

ولماذا يتمسك بهذا الطفل… كأنه يحاول إنقاذ شيء لم يستطع إنقاذه من قبل.

اقتربت أكثر… ببطء شديد، كأنني أخشى أن أقطع تلك اللحظة الهشة.

الطفل كان قد هدأ تمامًا الآن.
أنفاسه الصغيرة منتظمة، وصدره يرتفع وينخفض في هدوء نادر لم نره منذ دخوله القسم.

أما حسن… فكان ما زال في نفس الوضع.

عيناه نصف مغلقتين، لكن ليس من النوم… بل من إرهاق امتد لساعات طويلة دون حركة.

رفعت طرف الرداء الطبي قليلًا بحذر، لأرى الوشم بشكل أوضح.

وقتها… تجمد الدم في عروقي.

كان الوشم لقلب صغير.

تحته تاريخ.

وتحت التاريخ… كلمات بسيطة، لكنها كسرت شيئًا بداخلي:

“يوسف… سامحني.”

شعرت بثقل غريب في صدري.

يوسف؟

من هو يوسف؟

ولماذا الاعتذار؟

نظرت إلى حسن، ووجدت شفتيه تتحركان بصوت خافت جدًا، بالكاد يُسمع:

“كان لازم أكون هناك…”

تراجعت خطوة، وأنا أحاول استيعاب ما رأيته.

في تلك اللحظة، اقتربت مني إحدى الممرضات الأقدم، التي

كانت تراقب المشهد منذ البداية.
همست لي:
“عرفتي بقى؟”

نظرت لها بدهشة:
“أعرف إيه؟”

تنهدت وقالت بصوت منخفض:
“حسن… كان عنده ابن.”

تجمدت.

أكملت:
“اتولد بدري زي الطفل ده… بس ماكانش في حد معاه.”

شعرت بأن الكلمات تضربني واحدة تلو الأخرى.

“حسن كان مسافر شغل وقتها… وقالوا له إن الوضع مستقر، فـ اتأخر يومين.”

سكتت للحظة، ثم أردفت بصوت مكسور:
“وابنه… مات قبل ما يوصل.”

لم أجد ما أقوله.

كأن كل شيء أصبح واضحًا فجأة.

نظرت مرة أخرى إلى حسن.

إلى يديه الكبيرتين اللتين كنت أشك فيهما.

إلى الرجل الذي ظننته لا ينتمي لهذا المكان.

وهو جالس هناك… يحاول أن يعطي هذا الطفل ما لم يستطع أن يعطيه لابنه.

اقتربت منه بهدوء، ووضعت يدي على كتفه برفق.

رفع عينيه نحوي ببطء.

قلت له بصوت خافت:
“تقدر ترتاح شوية… إحنا موجودين.”

هز رأسه بهدوء، ونظر إلى الطفل ثم قال:

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *