الحضانه محمد عبده
“أنا مش بمسكه علشانه هو بس…”
سكت لحظة، ثم أكمل:
“أنا بمسكه علشان الاتنين.”
لم أتمالك نفسي.
ابتسمت له، رغم الدموع التي امتلأت بها عيناي.
وفي تلك الليلة…
لم يعد السرير رقم تسعة مجرد رقم.
ولم يعد الطفل وحده.
لأن أحيانًا…
أغرب الأشخاص…
هم أكثر من يعرفون معنى الاحتياج.
في صباح
اليوم التالي…
دخلت القسم مبكرًا كعادتي، لكن أول ما نظرت نحوه… عرفت أن شيئًا تغيّر.
السرير رقم تسعة لم يعد كما كان.
الطفل كان نائمًا بهدوء عميق، وجهه أكثر استرخاءً، وكأن ليلة واحدة كانت كفيلة بأن تمنحه بداية جديدة.
أما حسن…
فلم يكن في الكرسي.
تجمدت لحظة، وشعرت بفراغ غريب.
نظرت حولي بسرعة، ثم سألت إحدى الممرضات:
“هو مشي؟”
هزّت رأسها:
“خرج قبل الفجر بشوية…”
توقفت لحظة، ثم مدت يدها لي بشيء صغير:
“وساب ده.”
كان سوارًا.
سوارًا جلديًا بسيطًا، يبدو قديمًا بعض الشيء.
أمسكته بيدي بحذر، وقلبي ينبض بسرعة.
كان منقوشًا عليه نفس الاسم الذي رأيته على معصمه:
“يوسف”
ومعه نفس التاريخ.
لكن في الجهة الأخرى…
كانت هناك جملة جديدة.
جملة لم تكن مجرد كلمات…
بل كانت وعدًا:
“مش هسيبك لوحدك تاني.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
نظرت إلى الطفل مرة أخرى…
وكأن كل شيء أصبح أوضح.
بعد ساعات، وصل موظف من الشؤون الاجتماعية.
ومعه ملف جديد.
اسم جديد.
هوية جديدة.
وعائلة بديلة… وافقت على رعاية الطفل.
لكن الشيء الذي أدهشني أكثر من أي شيء آخر…
كان اسم الكفيل.
رفعت الملف بيدي، وأنا بالكاد أصدق ما أراه.
“حسن الجبالي”
ابتسمت دون أن
أشعر.
ونظرت إلى السرير رقم تسعة، وقلت في سري:
“أخيرًا… مش لوحدك.”
وفي ذلك اليوم…
تعلمت درسًا لن أنساه أبدًا:
أن القلوب التي انكسرت بشدة…
هي نفسها التي تعرف كيف تحب بصدق أكبر.
وأن بعض الوعود…
لا تُقال بصوت عالٍ…
بل تُثبت بالأفعال.
تمت حكايات محمد عبده