حكايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
”خفي شوية يا نوسة، العباية خلاص بتستغيث منك ومن كتر الأكل!”
قالها إسماعيل بضحكة مجلجلة وهو وسط العيلة كلها في العزومة، ورفع كاس الشاي المظبوط وكأنه قال إافيه الموسم.
في الأول، السكوت ساد. بعدين طلعت ضحكة مكتومة من هنا، وابتسامة زفت من هناك، وفي أقل من 3 ثواني، اهانة نوسة اتغلفت في ورقة سلوفان وبقت “هزار عائلي لطيف”.
العزومة كانت في بيت عادل، في حارة هادية من حارات مصر الجديدة، البلكونة منورة بنور الفوانيس، وريحة الشوي مالية المكان. كان عيد ميلاد عادل الـ 39، ونوسة صاحية من 5 الصبح عشان تروق وتعمل المحشي، والسلاطات، والرقاق باللحمة المفرومة، وطبق التورتة الكبيرة اللي شقيانة فيه.
إسماعيل، ابن عم عادل المفضل، جه متأخر، لابس قميص ماركة، وساعة بتبرق، وماشي بنفسية الراجل اللي شايف إن الدنيا كلها مدينة له. كان صاحب سلسلة مطاعم كبدة وسجق شهيرة اسمها “البرنس الصغير”. وفي أي قعدة، كان بيتكلم كأنه رجل أعمال ناجح ومعدي، مع إن ما حدش يعرف إن أرقامه في السوق بتفرفر.
إلا نوسة.
اللي إسماعيل ماكنش يعرفه، إن الشركة اللي بتورد له العيش الفينو، والعيش البلدي، والتوابل، والتعبئة والتغليف، وحتى الخلطة السرية للكبوت.. كانت شركة نوسة! ماكنش اسمها على الورق لأنها من سنين عملت شركة اسمها “بركة للخدمات الغذائية” بيمسكها المحامي بتاعها. نوسة بدأت بمخبز صغير ورثته عن جدتها في طنطا، ودلوقتي بتبعت بضاعتها لمطاعم في القاهرة، والجيزة، والإسكندرية.
مطاعم “البرنس الصغير” كانت عايشة ومكمله لمجرد إن “بركة” بتدي لإسماعيل بضائع الآجل، وبتديله خصومات وتأجيل في الدفع. كل شهر، نوسة هي اللي بتوافق إنه ما يدفعش فوائد التأخير، وتوقع له الأوردر عشان يفضل متأنق قدام الناس.
عادل جوزها كان عارف. وكان عارف إنها طلبت منه يداري الموضوع عشان ما تخلطش بين الشغل والعيلة. في الأول كان معجب بيها وبدماغها، بس مع الوقت، بدأ يستغل سكوتها ده.
”خلاص بقى يا إسماعيل، ما تبقاش تقيل كده”، قالها عادل وهو بيضحك.
حصري لصفحة روايات رولا
الضحكة دي وجعت نوسة أكتر من كلمة إسماعيل نفسها.
نوسة بقالها 8 سنين متجوزة عادل. عندها 41 سنة، وبنت عندها 13 سنة اسمها جنى من جوازتها الأولى، وشركة بنتها بايديها من غير ما تستنى حسنة من حد. عادل شغال مهندس ديكور، وطول الوقت يقعد في القعدات يقول “أنا سي السيد وأنا اللي شايل البيت”، مع إن قسط الشقة، والمصاريف، ومدرسة البنت، وحتى العربية اللي بيمشي بيها، كله طالع من حسابات نوسة.
إسماعيل كان بيهينها من أول يوم. مرة على وزنها، ومرة على لبسها، ومرة على تفكيرها:
“يا نوسة انتِ إيش فهمك في الحسابات والتجارة؟ خليكي انتِ في صينية البطاطس والرز وألف حمد وشكر!”
كانت بتسكت عشان ما تنكدش على حد في عيد ميلاد، ولا خطوبة، ولا عزومة رمضان. كانت بتسكت لأن عادل كان بيقولها: “إسماعيل ده كراكيب، ما تاخديش على كلامه”. وكانت بتسكت لأن أمها الله يرحمها علمتها إن “بنت الأصول ما تتخانقش قدام الناس”.
بس الليلة دي.. الكيل فاض.
نوسة حطت كبشة المحشي على الترابيزة وبصلت لإسماعيل بثبات:
“غريبة إنك بتتكلم عن العبايات اللي بتستغيث، يا إسماعيل.. مع إن في مطاعم وشركات بتستغيث أكتر لما أصحابها مش عارفين يدفعوا اللي عليهم!”
إسماعيل وقف أكل.
طنط ماجدة رفعت حواجبها. عادل جسمه اتخشب. وواحدة من سلفاتها عملت نفسها مشغولة في الموبايل.
”إيه ده؟ هي طباخة البيت بتمثل إنها سيدة أعمال ولا إيه؟” إسماعيل اتريق. “ما تفرعيناش يا نوسة، انتِ عشان بتعملي شوية تورات وتبيعيهم لصاحباتك بقيتي فاهمة في السوق؟”
عادل مسك إيدها جامد من تحت الترابيزة. دي كانت إشارته المعتادة: اسكتي، بلاش دراما وتخربي القعدة.
بس نوسة سحبت إيدها ببرود.
”خد بالك يا إسماعيل.. أوقات الشخص اللي بتستهتر بيه وبتهينه، بيكون هو الوحيد اللي ساندك ومنعك تقع.”
إسماعيل ضحك ضحكة صفرا:
“أهو ده اللي ناقص! ست الحبايب هتمنع عننا الفينو والسكر، خفنا والله!”
الناس رجعت تضحك تاني، بس المرة دي الضحك كان عشان يداروا الكسفة.
نوسة قامت بالراحه. دخلت المطبخ، وطلعت التورتة اللي عملتها لعادل. تورتة شيكولاتة بالمكسرات، شكلها يفرح القلب. حطتها قدامهم على الترابيزة، بس ما مسكتش السكينة.
عادل ابتسم بارتباك:
“يلا يا حبيبتي عشان نقطعها ونغني.”
نوسة سابت السكينة جنب الطبق وقالت بنبرة هادية جداً:
“لا.. التورتة دي ما تتقطعش على ترابيزة أنا اتهنت عليها، وجوزي واقف بيضحك معايا.”
السكوت نزل على القعدة زي الصخرة.
إسماعيل، ووشه احمر من الغيظ، تمتم:
“إيه النكد ده؟ بجد شغل دراما مالوش أي لازمة.”
الجزء الثاني: أوراق اللعبة المفتوحة
نوسة رفعت رأسها، وبصلته بكل ثقة وقالت بصوت ثابت:
“يمكن أكون نكدية بالنسبة لك، بس الغريبة إن شغلك ومطاعمك متستحملاني ومتحملا نكدي بقالهم 4 سنين!”
في الأول ما حدش فهم. إسماعيل بس هو اللي حواجبه عقدت.
عادل قام واقف فجأة:
“نوسة، بلاش الهبل ده وما تبتديش نكد!”
نوسة بصت لعادل وكأنها كانت عمياء وشافت.. اكتشفت إن المشكلة عمرها ما كانت إسماعيل، المشكلة في الراجل اللي كان بيحميه طول السنين دي.
”أنا مش ببتدي حاجة يا عادل.. أنا بنهي كل حاجة.”
طنط ماجدة سابت شوكيتها. والحاجة زينب، أم عادل، لوت بؤها في قرف.
إسماعيل خبط على الترابيزة:
“هي الست دي بتتكلم عن إيه بالظبط؟”
نوسة أخدت نفس عميق. كان ممكن تفتح كل الأوراق قدام العيلة وتفضح إن مطاعم “البرنس الصغير” مديونة بـ 680 ألف جنيه، وإن 3 فروع واقفين، وإن البنك رافض يديلهم قروض، وإن شركة “بركة” هي اللي شايلاه بخصومات هبلة عشان خاطر عادل. بس قررت ما تديهمش الشو ده بلاش.
”ما تقلقش”، قالت وهي قايمة. “بكرة الصبح هتفهم كل حاجة.. بالورق والمستندات.”
إسماعيل حاول يضحك، بس الضحكة تاهت من على شفايفه.
العزومة اتفضت من غير ما حد يغني ولا يقطع تورتة. نوسة شالت التورتة، وأخدت بنتها جنى من إيدها وطلعت على أوضتها. عادل حصلها بعد دقايق وهو بيغل، وقفل الباب وراه برزع.
”إيه اللي عملتيه ده؟ كنتِ عاوزة تصغريني وتكسري كلمتي قدام أهلي؟”
نوسة فضلت واقفة ببرود:
“أصغرك؟ عادل، ابن عمك بقاله سنين بيقول عليا جاهلة، وغبية، وتخينة! انت سمعته، وضحكت، وبررت له! ودلوقتي شايف إن الأزمة إني رديت عليه؟”
”ده ابن عمي ومن دمي!”
”وأنا كنت مرتك!”
الكلمة سكتته ثواني، بس كبره غلبه:
“إسماعيل ماكنش يعرف إن شركة بركة بتاعتك، ماكانش صح تهدديه كده.”
نوسة ضحكت ضحكة مكسورة:
“ماكانش صح؟ وهو كان صح إني أكون بصلح له بيته وشغله وهو بيعاملني كأني حشرة؟”
عادل وطى صوته:
“نوسة.. لو قطعتي عنه البضاعة والآجل، بيته هيتخرب وهيقفل.”
”اللي ما يعرفش يدير شغله مش مشكلتي.”
عادل قرب منها:
“نوسة.. بلاش صفار وحقد!”
في اللحظة دي، نوسة حسيت ببرد في جسمها.. مش خوف جسدي، بس الخوف المر بتاع إنك تكتشفي إن جوزك مش فارق معاه وجعك، فارق معاه جيب ابن عمه!
تاني يوم الصبح، نوسة راحت مقر شركة “بركة” في التجمع الخامس قبل الساعة 7. المحاسب بتاعها، استاذ جلال، كان مستنيها بملف رمادي.
”طلبتِ مني الحسابات الحقيقية لمطاعم البرنس الصغير”، قال جلال. “واللي هتشوفيه مش هيعجبك.”
نوسة فتحت الأوراق.
حصري لصفحة روايات رولا
الديون ماكنتش 680 ألف.. الديون كانت مليون و120 ألف جنيه!
والأنكى من كده، إن إسماعيل بقاله شهور بياخد العيش والتوابل المدعمة اللي نوسة بتديهاله بأسعار مخفضة، ويروح يبيعها بسعر السوق لمطاعم تانية في الحسين والسيدة زينب، ويكسب الفرق في جيبه! يعني ماكنش بس بياخد دعم، ده كان بينصب ويتاجر بيه!
”في حاجة كمان غريبة يا هانم”، جلال ضاف. “في تحويلات بنكية بتطلع كل يوم جمعة لحساب شخص قرايب جوزك.”
نوسة حسيت بضربة في قلبها: “مين؟”
جلال تردد: “عادل بيه.. جوزك.”
الصوت اختفى من حوالين نوسة.
قرأت الأرقام مرة ومرتين. تحويلات صغيرة في الأول: 8 آلاف، 12 ألف، 15 ألف. وبعدين كبرت. تحت مسميات وهمية: “استشارات إدارية”، “إشراف موقع”.
عادل ماكنش بس عارف إن نوسة سانده إسماعيل.. عادل كان بياخد سبوبة وسبنسة من إسماعيل عشان يفضل ساكت ويخليهم يستغلوها!
الليلة دي، نوسة ما نطقتش. عملت العشاء، قعدت مع جنى تسمعها بتخكي عن مدرستها، وبصت لعادل كأنه واحد غريب قاعد على ترابيزتها.
بعد ما جنى نامت، نوسة فتحت اللابتوب بتاع البيت. دخلت على الإيميلات.. لقيت إيميل من عادل لإسماعيل من كام شهر كاتبلة فيه:
“طول ما نوسة مش مراجعة الحسابات بنفسها، كمل واستغل السعر. هي هبلة وما بتراجعش حاجة لو أنا قلتلها إن كل حاجة تمام.”
وإيميل تاني:
“انت عارفها، مفكرة نفسها سيدة أعمال، بس أنا اللي ممشيها ومسيط عليها.”
نوسة قرأت جملة “أنا اللي ممشيها” 3 مرات.
الدموع هربت من عينها، والوجع تحول لشيء ناشف، صلب، ونضيف.
تاني يوم، طلب إسماعيل ييجي الشركة من غير ما تعرفه إن دي شركتها. جه لابس نظارة شمس، وماشي بثقة، فاكر إنه هيقابل “مدير المبيعات”. وكان واخد عادل معاه.
لما السكرتيرة فتحت الباب وقالت: “الباشمهندسة نوسة مستنياكم جوه”.. إسماعيل اتسمر في مكانه.
عادل وشه جاب ألوان وانسحب منه الدم.
نوسة كانت قاعدة ورا المكتب الكبير، لابسة بليزر أبيض، شعرها مرفوع، والملف الرمادي قدامها.
”اتفضلوا اقعدوا.”
إسماعيل حاول يفركش الموقف بضحكة:
“إيه ده؟ بقيتي تمثلي إنك المديرة هنا كمان؟”
نوسة زقت الملف قدامه: