حكايات رولا

“أنا مش بُمثل يا إسماعيل. أنا بوقع، بأمر، بلم الفلوس.. ومن النهاردة، بوقف الشغل.”
​عادل اتكلم بلهفة: “نوسة.. أرجوكي، الموضوع ده يتحل في البيت!”
​ردت وهي بتبصله بثبات: “لا.. اللي اتقفل عليه وسوس في الضلمة، بيتحل بالورق والنور.”
​إسماعيل فتح الملف.. قرأ أرقام الديون، والتلاعب، وتحويلات إعادة البيع. وشه اتقلب من الغرور للرعب.
“ده.. ده مش زي ما انتِ فاهمة!”
​نوسة ماليت بظاهرها عليه: “يبقى فسرلي، لأن قدامك 10 دقايق قبل ما المحامية تدخل.”
​وفجأة.. موبايل نوسة رن بركالة من جنى: “ماما.. تيتة زينب هنا في البيت وبتزعق وتقول إنك هتربينا في الشارع وتهدمي العيلة!”
​الجزء الثالث: الحقيقة اللي بتوجع.. والحرية!
​نوسة قرأت الرسالة، الدم غلى في عروقها، بس فضلت هادية.
​بصت لعادل: “أمك في بيتي.”
​عادل نزل عينه: “أنا قلتلها تروح تقعد مع جنى، كانت قلقانة.”
​”لا”، نوسة قالت وهي بتمسك شنطتها. “انت بعتها تضغط عليا ببنتي.”
​عادل حاول يقوم: “نوسة استني…”
​رفعت إيدها ووقفته: “اسمعني انت وإسماعيل.. ديونك يا إسماعيل بقت مستحقة من اللحظة دي. قدامك 30 يوم تدفع المليون و120 ألف، يا إما البلاغ بالبضاعة اللي بتعيد بيعها بالدفع الآجل هيروح للنيابة. والدعم اتقطع.”
​إسماعيل اتقطع نفسه: “انتِ بتهديني!”
​”أنا ما بهدكش.. انت اللي حفرت الحفرة، أنا بس وقفت الدعم اللي كان مغطيها.”
​وبصت لعادل: “وانت يلا معايا.. نروح نفهم أمك إن بنتي مش كارت تضغطوا بيه عليا.”
​في الطريق، عادل ما نطقتش كلمة. نوسة كانت بتسوق بهدوء مرعب.
عادل تمتم: “الموضوع خرج عن السيطرة…”
​نوسة ضحكت بمرارة: “ما خرجش.. انتوا سبتوه يكبر عشان كان مصلحة لكم.”
​لما وصلوا، لقوا الحاجة زينب قاعدة في الصالة، وجنى قاعدة جنبها ماسكة المخدة وخايفة.
​نوسة قربت من بنتها بحنية: “حبيبتي.. ادخلي أوضتك شوية.”
​جنى بصتلها بدموع: “تيتة بتقول إن عمو إسماعيل هيتسجن بسببك وانتي السبب.”
​نوسة وطت وسندت على ركبتها قدام جنى: “يا جنى.. مش غلط إننا نوقف مساعدة حد بيأذينا. ومافيش حد كبير المفروض يحط الشيلة دي على كتافك.”
حصري لصفحة روايات رولا
​جنى هزت رأسها وطلعت.
​الحاجة زينب قامت وهي بتزعق: “ما شاء الله! بتعلميها الجحود؟ إسماعيل ده أهلك وسندك، وعادل جوزك ورجلك! الست الأصيلة ما تخربش بيتها عشان كلمة اتقالت في عزومة!”
​نوسة بصتلها بهدوء وكسرة:
“يا حاجة زينب.. ابنك كان بياخد نسبة وفلوس من ورايا من شغل إسماعيل. وابن أختك كان بياخد بضاعتي المدعمة ويبيعها لحسابه. وحضرتك جاية تخوفي طفلة عشان تدافعي عنهم! وعايزاني أسكت عشان أكون ست أصيلة؟”
​الحاجة زينب بقها اتفتح، ومكانتش عارفة ترد.
​عادل اتكلم: “يا أمي انتِ ماكنتيش عارفة التفاصيل…”
​”بس كانت عارفة كفاية”، نوسة كملت. “كانت عارفة إنهم بيهينوني، وإنك بتتفرج. وكانت بتيجي تاكل في بيتي وتقولي استحملي عشان المركب تسير.”
​الحاجة زينب حطت إيدها على قلبها: “يعني إيه؟ هتفضحي جوزك وتبلغي عنه؟”
​نوسة بصت لعادل.. افتكرت أول أيام جوازهم: لما كان بيجيلها المخبز في طنطا يجيب لها شاي، لما كان بيقول إنه فخور بيها..
الراجل ده مات.
​”مش هسجنه.. بشرط: يقعد مع المحامية النهاردة، يمضي على عقد الاتفاق والطلاق، ويرجع كل جنيه أخده من ورايا، ويتنازل عن أي حق في الشقة أو الشركة. لو رفض.. البلاغات هتتقدم الصبح.”
​عادل اترما على الكنبة: “انتِ بتطرديني؟”
​”لا.. أنا بخرج نفسي من عيشة كنت بضطر أستأذن فيها عشان أحترم نفسي.”
​بعد الظهر، جَت المحامية، أستاذة فريدة. حطت كشوف التحويلات، والإيميلات، والعقود على الترابيزة.
​عادل حاول يبرر: “إسماعيل قال لي دي حركة وقتية وهيديني نسبة، أنا قلت مش هضر نوسة في حاجة!”
​أستاذة فريدة ردت بصرامة: “حضرتك أخدت فلوس ناتجة عن استغلال اسم شركة مرتك، وخبيت عليها، وسمحت بإهانتها علناً.. ده قانوناً اسمها مشاركة في النصب، وأخلاقياً اسمها خيانة أمانة.”
​الحاجة زينب سكتت خالص.
حصري لصفحة روايات رولا
​ولأول مرة، عادل يعيط. دموع راجل اكتشف متأخر إن الراحة اللي كان عايش فيها كانت قايمة على خيانة مراته.
​”أنا ماكنتش عايز أخسرك يا نوسة…”
​نوسة حسيت بحاجة بتتكسر جواها، بس ماكنتش كرامتها.. كانت أخر قشة أمل.
“انت خسرتني في كل مرة مسكت إيدي فيها وقلتلي: اسكتي وما تعمليش دراما.”
​ليلتها، عادل مضى. مشي مع أمه بشنطتين هدوم ووشه في الأرض. جنى حضنته وهي بتعيط عند الباب، ونوسة ما منعتهاش.. النهي عن جواز حاجة، وتكرهي البنت في أبوه حاجة تانية.
​بس لما عادل حاول يحضن نوسة، رجعت خطوة لورا:
“ما تفتكرش إن هدوئي ده معناه إني سامحتك.”
​الأيام اللي بعد كده كانت زي حريقة ملمومة.
​إسماعيل بعت رسائل.. الأول بقلة أدب، بعدين بترجي، وبعدين بتهديد. نوسة ما ردتش، المحامية هي اللي كانت بترد. في أقل من 3 أسابيع، مطاعم “البرنس الصغير” قفلت فرعين بسبب نقص البضاعة والديون. البنوك بدأت تطارد إسماعيل، والعمال يطالبوا بمرتباتهم.
​في يوم، جَت غادة، مرام إسماعيل، لشركة “بركة”. نوسة قابلتها باحترام.
​غادة قالت بدموع: “أنا جاية أعتذر لك.. مش عنه، عن نفسي. أنا أوقات كنت بضحك معاهم عشان أعدي اليوم وما أعملش مشاكل.”
​نوسة سكتت.
​غادة كملت: “وجاية أسألك لو في شغل عندك.. أنا طلبت الطلاق من إسماعيل، اكتشفت إنه كان جاريح البيت من غير ما يفضلي خبر.”
​نوسة بصتلها كتير.. مكانتش بتخلط بين العطف والهبل.
“أنا مش هقدر أصلحلك حياتك يا غادة.. بس أقدر أقدم لك انترفيو حقيقي. لو اشتغلتي، هيكون بشطارتك، مش شفقة.”
​غادة عيطت: “ده أكتر من اللي حلمت بيه.”
​بعد شهور، شركة “بركة” فتحت مصنع جديد وكبير في مدينة السادس من أكتوبر. ونوسة حطت اسمها بالكامل على اليافطة: “مهندسة نوسة متولي – المؤسس والرئيس التنفيذي”. لا شركات مستخبية عشان ما تزعلش حد، ولا توطية رأس عشان راجل يحس إنه كبير.
​قبل ما الطلاق الرسمي يخلص، عادل طلب يشوفها في كافيه هادي. جه خاسس، وتعبان، ولابس عادى.
​”أنا بروح لدكتور نفسي”، عادل قال. “ورجعت جزء كبير من الفلوس. واشتغلت في شركة ديكور في أسياد.. عارف إني ماليش حق أطلب، بس كنت عايز أقولك إنك كان عندك حق.”
​نوسة قلبت القهوة: “أنا ماكانش يهمني أطلع صح يا عادل.. كان يهمني أعيش في سلام.”
​”وهتسامحيني؟”
​نوسة افتكرت كل ليلة نامت فيها مقهورة، وكل ضحكة اتضحكت عليها، وكل مرة اتقالها “كبّري دماغك”.
​”يمكن أسامحك في يوم.. بس المسامحة مش معناها إني أرجع لك. عدم الرجوع ده هو الطريقة الوحيدة اللي أحمي بيها نفسي.”
​يوم الطلاق الرسمي، نوسة أخدت جنى وأكلوا كشري وطاجن من المحل اللي جنى بتحبه.
جنى سألتها: “ماما.. انتِ زعلانة؟”
​نوسة ابتسمت: “اه، زعلانة.. بس مرتاحة.”
​”هو ينفع الاتنين مع بعض؟”
​”ينفع يا حبيبتي.. الشفاء من الوجع أوقات بيبقى طعمه كده.”
​بالليل، نوسة كانت ماشية في مصنعها الجديد بين خطوط الإنتاج والعمال بيسلموا عليها باحترام وحفاوة.. مش لأنها طيبة أو ساكتة، بس لأنها ست جادة، وقوية، وصاحبة حق.
​وهي داخلة مكتبها، لقيت كارت عزومة قديم بتاع عيد ميلاد عادل بين الأوراق. مسكته، بصت فيه ثواني.. وقطعته أربع ترباع ورمته في الزبالة.
​ما حسيتش بغل.. حسيت براحة ونفس طالع من أعمق نقطة في قلبها.
​لأنها فهمت إن العائلات مش بتتخرب لما الست تتكلم وتطالب بحقها.. العائلات بتتخرب لما الكل بيعيش ويستفيد من سكوتها وقهرها!

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *