ظن الحميع ان زوجي قد جن صابرين محمد

ظن الجميع أن زوجي قد جن عندما ترك وظيفة راتبها يفوق راتب موظفين مجتمعين. لكن أحدًا منهم لم يكن يعلم أن ذلك القرار لم يتخذ بسبب المال ، بل بسبب تلك الليلة التي استيقظت فيها على صوت بكائه في الظلام ، عاجزًا حتى عن أن يخبرني لماذا يبكي.
وحتى اليوم كلما سألني أحدهم كيف وافقتِ؟ أتذكر تلك الليلة ، فأدرك أن أي امرأة كانت مكاني ورأت ما رأيته ، لفعلت ما فعلته دون لحظة تردد. فعندما تشعرين أن الإنسان الذي تحبينه يضيع من بين يديك يومًا بعد يوم ، تكتشفين أن في هذه الدنيا أشياء أثمن من أي راتب مهما بلغ مقداره.
لم يكن زوجي يومًا من أولئك الذين يعرفون الكسل. كان يعود إلى البيت فيملؤه حياة؛ فما إن يفتح الباب حتى يسبق صدى ضحكته خطواته ، ينادي طفلينا بصوتٍ مفعم بالفرح. يحمل الصغير على كتفه ويركض خلف الكبيرة في أرجاء المنزل ثم يجلس إلى جواري يحكي لي كل ما مر به خلال يومه وكأننا صديقان قبل أن نكون زوجين.
وكم كنت أضحك وأقول له ألا تستطيع أن تصمت خمس دقائق؟
فيبتسم ويجيب ولماذا أصمت وأنا أنتظر العودة إليكم منذ الصباح؟
والحمد لله كنا نعيش حياة بسيطة ، لا تغمرها مظاهر الرفاهية ، لكنها كانت عامرة بالس\كينة والرضا. وكنت على يقين أن الرجل الذي يعود إلى بيته مبتسمًا أغنى من أي رجل يملك حسابًا مصرفيًّا ممتلئًا ، بينما قلبه فارغ.
لكن كل شيء انقلب في يوم واحد. عاد من عمله ووجهه يضيء بفرحة لم أرَ مثلها من قبل. وما إن دخل حتى حملني وهو يقول بسعادة غامرة
لقد تمت ترقيتي وسيزداد راتبي أضعافًا.
فرحت له من أعماق قلبي. حضَّرنا عشاءً صغيرًا وظل الطفلان يرقصان حولنا ، بينما جلسنا نحلم بكل ما سنفعله. سنستبدل السيارة وننتقل إلى شقة أوسع ونسافر إلى المصيف الذي كنا نؤجل الذهاب إليه عامًا بعد عام ، بل واتفقنا على تجديد غرفة الطفلين. كان كل حلم يبدو أقرب إلى التحقق من أي وقت مضى.
لكن لم يكن أحد منا يعلم أن الشركة وهي تمنحه تلك الترقية كانت تنتزع منه في المقابل شيئًا أثمن بكثير.
في البداية بدا الأمر بسيطًا. كان يعود إلى المنزل متأخرًا قليلًا ويقول لقد طال الاجتماع اليوم.
ثم أصبح يتناول طعامه على عجل ويفتح حاسوبه المحمول.وبعدها صار الحاسوب لا يغلق أصلًا.
حتى إنني استيقظت ذات ليلة وكانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل ، فوجدته جالسًا أمام الشاشة ، عيناه محمرتان وإحدى يديه تستند إلى رأسه. قلت له برفق تعالَ ونَم يكفي لهذا اليوم.
ابتسم ابتسامة باهتة وقال خمس دقائق فقط.لكن الدقائق الخمس تحولت إلى ساعتين ثم أصبحت طقسًا يتكرر كل ليلة.
وشيئًا فشيئًا بدأ الرجل الذي أعرفه يختفي دون أن يشعر أحد.
صار يجلس إلى مائدة الطعام بينما عقله لا يغادر العمل.
وكان الطفلان يحدثانه ، فيجيب تلقائيًا دون أن يدرك أصلًا ما الذي قالاه.
وكثيرًا ما كان ابني الصغير يركض إليه ، ممسكًا بلعبة جديدة ويقول بحماس أبي ، انظر!
فيرد بضيق دون أن يرفع عينيه عن الهاتف بعد قليل يا صغيري.
فيعود إليَّ عابس الوجه ويسألني بصوت يمزق القلب هل أبي غاضب مني؟
فأبتسم رغم الألم وأجيبه لا يا حبيبي والدك متعب فقط.
لكن الحقيقة كانت أن ذلك التعب كان يزداد يومًا بعد يوم ، بينما كنا نقف عاجزين ، نشاهده يلتهمه ببطء ولا نملك أن نفعل شيئًا.
حتى أنا بدأت أشعر أنني أعيش مع رجلٍ جسده في المنزل ، أما روحه فما زالت حبيسة ذلك المكتب. كان يستيقظ قبل أن يرن المنبه وأول ما يفعله أن يلتقط هاتفه ليراجع رسائل البريد الإلكتروني وهو ما يزال على فراشه ، ثم يحتسي قهوته وهو يجيب عن المكالمات ويغادر المنزل أحيانًا دون أن ينتبه حتى إلى أنه لم ينظر في وجوه أطفاله.
وفي إحدى الليالي عاد إلى المنزل مبكرًا على غير عادته.دخل ، خلع سترته ، ثم جلس على الأريكة دون أن ينطق بكلمة واحدة.
ظننت في البداية أنه مرهق.اقتربت منه وضعت يدي على كتفه وقلت بهدوء ما بك؟
ظل ينظر إليَّ لثوانٍ وكأنه يبحث عن كلمات تفسر شيئًا لم يعد هو نفسه يفهمه ، ثم أطرق رأسه وقال بصوت لم أسمعه منه قط لم أعد أستطيع والله ، لم أعد أستطيع أن أواصل.
تجمدت في مكاني.كانت تلك أول مرة ، منذ زواجنا أسمعه ينطق بهذه الجملة.
لطالما كان هو السند وهو من يهون عليَّ كل أزمة. وحتى عندما كانت الدنيا تضيق بنا ، كان يبتسم ويقول لا تخافي سنتجاوزها.
أما في تلك الليلة فكان هو من يستغيث.
جلست إلى جواره دون أن أتكلم وأمسكت بيده ، فوجدتها باردة ترتجف. وبعد صمت طويل ، رفع عينيه إليَّ وقال في كل صباح وأنا في طريقي إلى العمل ، أشعر وكأن صخرةً تجثم فوق صدري. وكلما اقتربت السيارة من الشركة ، أتمنى أن أستدير وأعود. أصبحت أستيقظ مذعورًا وأنام وأنا أفكر في الغد. لم يعد لديَّ رغبة في الضحك ولا في الحديث ولا حتى في اللعب مع الطفلين. أخشى أن أستيقظ يومًا فلا أجد نفسي.
أقسم أنني شعرت في تلك اللحظة وكأن الأرض تميد من تحتي.
حينها فقط أدركت أن ما كنت أظنه إرهاقًا بسبب العمل ، كان أكبر من ذلك بكثير وأن الرجل الجالس أمامي كان يخوض كل يوم معركةً لا يراها سواه.
قلت له وأنا أحاول أن أحبس دموعي سنذهب إلى طبيب ومهما حدث سنتجاوز ما تمر به.
وبالفعل بدأ يراجع طبيبًا نفسيًا.في البداية ، كان يعود صامتًا.ثم ، شيئًا فشيئًا ، أخذ يحدثني عن الجلسات وعن سنوات الضغط التي عاشها وهو يقنع نفسه أن كل ما يشعر به طبيعي وأن الرجل الحقيقي يجب أن يتحمل وأن هذا الإنهاك ليس سوى الثمن الذي يدفعه مقابل النجاح.
حتى عاد يومًا وجلس أمامي وقال بهدوء غريب سألني الطبيب سؤالًا واحدًا قال لي إذا واصلت حياتك بهذه الطريقة عامًا آخر ، فما الذي ستربحه؟
صمت لحظات ، ثم تابع وهو يحدق في الأرض ولم أجد جوابًا.
ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال سأقدم استقالتي.
وقعت الجملة على قلبي ثقيلة.
ليس لأنني كنت أرفضها بل لأنني كنت أدرك جيدًا معنى هذا القرار.قسط الشقة ومصروفات المدارس والتزامات المنزل وكل الأحلام التي رسمناها معًا لكنني وأنا أنظر إلى وجهه ، شعرت أن الرجل الجالس أمامي ، إن بقي في ذلك المكان ، فقد يزداد ماله لكنه سيضيع مني.
فقلت له ، دون أن أتردد اترك العمل وأنا معك.
لعلها كانت أصعب جملة نطقت بها في حياتي.
لكنها كانت الجملة الصحيحة.وعندما علم أهلنا وأصدقاؤنا ، انقلبت الدنيا رأسًا على عقب.
هل جننتما؟ من يترك راتبًا كهذا؟ الزمن أصبح صعبًا. وكيف ستعيشان بعد ذلك؟
كان الجميع يرى الرقم الذي كان يدخل حسابه في نهاية كل شهر.
أما أحد ، فلم يرَ الرجل الذي كان يستيقظ كل صباح مذعورًا ولا الطفل الذي صار يخشى الاقتراب من أبيه ولا الزوجة التي كانت تفقد جزءًا من زوجها كل يوم بصمت.
وبعد أن ترك عمله لم يمكث يومًا واحدًا في المنزل منتظرًا الفرج.
بل بدأ يعمل لحسابه الخاص في البداية ، كانت الأعمال قليلة ثم جاء عميل ، ثم آخر ، ثم أخذ عدد العملاء يزداد أسبوعًا بعد آخر.
ومع كل خطوة ، كنت أرى روحه تعود إليه من جديد.
نعم أصبح دخلنا أقل مما كان عليه واضطررنا إلى تأجيل بعض الأحلام والاستغناء عن أشياء كنا نظن يومًا أننا لا نستطيع العيش من دونها.
لكننا استعدنا ما هو أثمن من كل ذلك.
عادت ضحكته تملأ البيت وعاد طفلانا يركضان إليه ما إن يفتح الباب وعادت مائدة الطعام تجمعنا من جديد ، بلا هاتف يخطف انتباهه ولا مكالمة تقطع لحظة دفء بيننا.
عندها فقط أدركت أن أعظم رزق يمكن أن يرزق الله به بيتًا ليس راتبًا كبيرًا ولا سيارة أحدث ولا منزلًا أوسع بل راحة بال وقلبًا مطمئنًا وإنسانًا يعود إلى أهله كل يوم بروحه قبل جسده.
ولهذا ، كلما نظر إليَّ أحد وقال مستغربًا كيف استطعتما أن تتخليا عن ذلك الراتب؟
أبتسم وأجيب دون تردد نحن لم نتخلَّ عن راتب بل تمسكنا بإنسان كان يضيع من بين أيدينا.
اخترنا أن نخسر بعض المال ، على أن نخسر الرجل الذي يقوم عليه بيتنا والأب الذي يحتاج إليه طفلانا والرفيق الذي لا يعوضه شيء.
فالمال رزق والرزق يوسعه الله ويضيقه بحكمته ، أما الإنسان إذا انطفأ من الداخل ، فلن تعيده إليه كل أموال الدنيا.
الكاتبة #صابرين_محمد
تمت
إذا وصلت إلى النهاية اترك بصمتك بالصلاه على النبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *