حب الطفوله اماني السيد
في يوم الخطوبة، والبيت عندنا مليان زغاريد وفرحة، وأنا واقفة بالفستان والتاج وشعري طويل وناعم زي الحرير، الباب خبط.. ولما عمي فتح، كانت هي. داخلة ووشها مليان غضب وعينيها بتدور عليا وسط الناس. أول ما شافتني بالفستان وبشكلي الجديد، ملامحها اتلوت من كتر الصدمة والغل، وعليت صوتها قدام المعازيم وأهل أحمد:
— “أنتوا فرحانين وملمومين حواليها على إيه؟ دي واحدة مسترجلة وعايشة طول عمرها بقمصان وجزم رجالي وقاصة شعرها! دي هربت من بيتي عشان مش عايزة تتربى، وجاية دلوقتي تضحك عليكم بالفستان والشعر المستعار!”
الصالون كله سكت، والناس بدأت تتبادل النظرات بذهول. أمي كانت فاكرة إن الكلمتين دول هيهدوا البيت وهيخلوا أحمد وأهله يتبروا مني.. كانت مستنية تشوفني بعيط وبستخبى زي زمان.
بس عمي وقف زي الجبل، ووشه اتقلب غضب، وقبل ما ينطق، أحمد ساب إيدي ووقف خطوتين قدامها، وبص لها بمنتهى البرود والثقة وقالها بصوت سمعه الكل:
— “خلصتي كلامك يا حماتي؟ طيب، أحب أقولك إننا عارفين كل حاجة. عارفين القسوة والسجن اللي عيشتيها فيهم تسع سنين عشان تعاقبي طفولتها. وعارفين إنك أنتِ اللي كنتِ بتجبريها تلبس كده وتقصي شعرها عشان ترضي مرضك النفسي. البنت اللي أنتِ جاية تعايريها دي، بقت بنتنا، وشعرها ده طبيعي وطول بحنيتنا وأماننا ليها اللي أنتِ حرمتيها منه. اتفضلي بقى بره بيتنا.. لأن مالكيش مكان وسط ناس نضاف.”
كلام أحمد كان زي الس\كينة اللي اتغرست في كبريائها قدام كل الناس. أمي لفت وشها لعمي وهي بتزعق وتستنجد بيه:
— “جرى إيه يا أخويا! هتسيب ابنك يطردني ويهينني في بيتك عشان حتة عيلة؟”
عمي بص لها بنظرة قاسية وباردة، وقالها بكلمات قطعت آخر حبل يربطها بينا:
— “ابني ماغلطش.. وأنتِ مالكيش أخوات من النهاردة. البنت دي خط أحمر، واليوم اللي قسيتي فيه عليها ورميتِ لحمك، أنتِ مابقيتيش أختي ولا نعرفك. اطلعي بره، والباب ده مايعتبوش رجلك تاني.”
خرجت أمي تجر أذيال الخيبة والفضائح، والناس كلها بتبص لها بقرف وبصوت واطي. رجعت بيتها لتلاقي سما قاعدة تعيط على حظها ويونس اللي سابها، والبيت ضلمة ومالهوش حس.
العقاب الحقيقي لأمها ماكنش مجرد طردة؛ العقاب كان “الوحدة”. عاشت تسع سنين بتعاقبني بالحبس، وربنا عاقبها بحبس من نوع تاني.. قعدت جوه جدران بيتها وحيدة، الناس كلها اتجنبتها بعد ما عرفوا قسوتها، وسما بنتها المدلعة بقت دايماً تلومها وتصرخ في وشها إنها السبب في وقف حالها وخراب جوازتها بسبب غلها.