حب الطفوله اماني السيد

في اللحظة دي، أمي مابصتش لأم يونس، ولا بصت ليونس نفسه.. لفت وشها وبصت في عيني أنا! نظرة حادة، قاسية، مليانة تشفي وتحدي، كأنها بتغرز خنجر في قلبي وبتلفه بمنتهى الهدوء. كانت بتبصلي عشان تشوف كسرتي، عشان تفكرني إن الذنب اللي عملته وأنا طفلة من تسع سنين لسه مانسيتهوش، وإنها مش بس حرمتني من أنوثتي، دي كمان بتقدم الشخص اللي قلبي مال ليه زمان لأختي سما على طبق من فضة وقدام عيني.

سما أختي ضحكت بكسوف ودلع، ويونس ابتسم، والدنيا كلها كانت بتبارك، وأنا واقفة في وسطهم زي الصنم، صينية الشاي بتهتز في إيدي، ونظرة عيون أمي لسه مثبتاني في مكاني، بتشرب من دموعي المحبوسة وبتقول لي من غير ولا كلمة:

ده مكانك.. ودي عقوبتك اللي عمرها ما هتنتهي.

رجعت المطبخ وجسمي كله بيترعش، حطيت الصينية على الرخامة وأنا مش قادرة أصلب طولي. الصوت الضحك والكلام اللي جاي من الصالون كان بيوصل لوداني زي الوش الفاضي، لكن نظرة عيون أمي كانت لسه محفورة في نفوخي، بتلف وتدور وتخنقني.

سندت بإيدي على الحوض ودموعي نزلت غصب عني، دموع قهر وحسرة.. تسع سنين وأنا بدفع تمن دقة قلب طفولية مش فاهمة منها حاجة، تسع سنين مستحملة شكلي اللي مش طايقاه، ودلوقتي بكل قسوة بتدبحني بالولد اللي كان السبب في كل ده، وبتديه لأختي “سما” اللي واخدة كل الدلع والحرية.

مسكت الحوض بأسناني عشان صرختي ماتطلعش، كنت حاسة إن الحيطان بتضيق عليا والمطبخ بيتحول لزنزانة مالهاش باب. بره الصالون صوته بيعلى، مباركات وزغاريد خفت أول ما أم يونس بدأت تتكلم، وأنا هنا جوه، بيموت فيا كل شيء عاش وصبر تسع سنين على أمل إن السجن ده حيطانه تقع في يوم من الأيام.

قعدت على الأرض، ضمت ركبي لصدري وبقيت أبص للجزمة الرجالي الخشنة اللي في رجلي.. لـ قميصي الواسع اللي مبهدلني.. لـ ايديا اللي بتترعش. وسألت نفسي: “لحد إمتى؟ لحد إمتى هفضل الشماعة اللي أمي بتعلق عليها قسوتها؟ ولحد إمتى هفضل أدفع تمن ذنب ماعملتوش؟”

النظرة اللي أمي بصتهالي بره، نظرة التشفي والانتصار، كانت القشة اللي قطمت ضهر خوفي. النظرة دي صحّت جوايا حاجة كانت ماتت من زمان.. صحّت فيا الغضب. الغضب من السكوت، من التوسلات اللي كنت ببوس فيها إيدها ورا الأبواب المقفولة وهي مابتلينش، ومن شكلي اللي اتمحى عشان ترضي كبريائها ورغبتها في عقابي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *