اسرار الحقيقه
زي النار في الهشيم القبض على رجل الأعمال مروان الشافعي وخطيبته الصيدلانية ليلة زفافهما بتهمة قتل زوجته الأولى بالسم البطيء.
رجعنا البيت في ليلتها الساعة كانت داخلة على 4 الصبح. البنات كانوا نايمين من التعب في الكنبة اللي ورا في العربية. نزلتهم واحد ورا التانية بحرص، وحطيتهم في سريرهم. لما جيت أخرج من أوضتهم، حسيت بكتفي تقيل أوي، كأن جبال العالم كلها كانت شايلاها روحي ونزلت مرة واحدة. بصيت لربنا في السما ودموعي نازلة وقولت يا رب، أنا وفيت بعهدي لبنتي… بس يارب قويني على اللي جاي، لسه الطريق طويل.
تاني يوم الصبح، الباب خبط بعنف.
فتحت الباب ولقيت والدة مروان، السيدة أجلال، ومعاها اتنين محامين من كبار المحامين في البلد، ووجوهم متهجمة وعيونهم مليانة غل.
قالت بصوت عالي وهي بتحاول تزق الباب وتدخل
إنت فاكر نفسك عملت إيه يا راجل يا كركوبة؟ فاكر شوية التسجيلات الفبركة دي هتحبس ابني؟ مروان هيطلع منها زي الشعرة من العجين، والورق ده كله هنطعن عليه بالتزوير… ودلوقتي أنا جاية أخد بناتي، ولاد ابني… مش هسيبهم لواحد شحات زيك يعيشهم في شقة قديمة ويهد مستقبلهم.
في اللحظة دي، وقبل ما أنطق بكلمة، ظهرت نور من ورايا.
كانت ماسكة في إيدها الموبايل بتاعها، وواقفة بمنتهى الثبات والهدوء اللي اتعلمته من قسوة الأيام. بصت لجدتها وقالت بنبرة حاسمة وصوت قوي
يا تيتا… لو ما مشيتيش من هنا دلوقتي، أنا هبعت للنيابة التسجيلات التانية اللي ماما سجلتهالك وإنتِ بتقولي لمروان يخلص منها بسرعة عشان نخلص من دوشتها وناخد الفلوس. التسجيل ده لسه محدش سمعه… تحبي تسمعيه دلوقتي قدام المحامين بتوعك؟
الست وشها جاب ألوان، واتراجعت خطوتين لورا كأن حد ضربها على وشها. المحامين اللي معاها بصوا لبعض، وواحد منهم همس في ودنها وقالها يا فندم بلاش شوشرة دلوقتي، الموقف صعب وموقف ابنك في النيابة حرج جداً بسبب اعترافات الدكتور. سحبت نفسها ومشيت وهي بتبرطم وبتتوعد، وقفلت الباب وراهم وأنا حاسس بفخر ملوش حدود بالبنت اللي كبرت قبل أوانها عشان تحمي إخواتها.
بعد تلات أسابيع من التحقيقات المكثفة، بدأت جلسات المحاكمة.
المحكمة كانت زحمة جداً، الصحافة في كل مكان، ومروان واقف ورا القضبان بملابس الحبس الاحتياطي البيضاء، وشه دبلان، وشعره اللي كان بيهتم بيه متبهدل، وميار واقفه جنبه بتعيط بهستيريا وبتتهمه هو بكل حاجة وتصرخ وتقول إنها كانت بتنفذ اللي بيطلبه بس.
أنا أصررت إن البنات ما يحضروش الجلسات عشان نفسيتهم، وكنت بروح لوحدي وأقعد في آخر صف، وعيني ثابتة على مروان. في كل مرة عينه كانت بتيجي في عيني، كان بيلف وشه بسرعة من الخزي والعار.
النيابة العامة قدمت أدلة لا تقبل الشك
1. تقرير الطب الشرعي المعدل بعد استخراج جثة ياسمين الله يرحمها وإعادة تحليل الأنسجة بطلب من النيابة، وثبت وجود ترسبات سامة لعقار الديجوكسين بجرعات عالية تسبب توقف عضلة القلب وتظهر كأنها سكتة قلبية طبيعية.
2. شهادة الطبيب المتواطئ اللي اعترف بالتفصيل عن الفلوس اللي أخدها لكتابة تقرير الوفاة المزور ومساعدتهم في إخفاء الجريمة.
3. التسجيلات الصوتية الصادرة من الشنطة البنفسجية اللي كانت فيها أدلة التهديد والترتيب للجريمة بالكامل.
في الجلسة الثالثة والنطق بالحكم، القاضي وقف وبدأ يقرأ الحيثيات بنبرة هزت أركان القاعة. وصف الجريمة بأنها خيانة للأمانة الزوجية، وتجرد كامل من المشاعر الإنسانية بدافع الطمع والجشع.
وجاء الحكم
الإعدام شنقاً لمروان الشافعي وميار عبد العزيز بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.
السجن المشدد 15 سنة للطبيب المتواطئ وشطبه من نقابة الأطباء نهائياً.
سجدت في نص قاعة المحكمة وأنا ببكي وبشكر ربنا بصوت مسموع، والناس حواليا بتبكي وتسقف للعدالة اللي اتنفذت.
لما رجعت البيت، البنات كانوا مستنييني على نار. دخلت ووشي مرسوم عليه دموع الفرحة والراحة. نور بصتلي وعيونها بتسأل قبل بقها
بابا… قصدي جدو… الحق رجع؟
التلاتة بقوة وقولت حق أمكم رجع يا ولاد… مروان وميار هيتعدموا… والشر انتهى للأبد.
جودي الصغيرة فرحت وبدأت تتنطط، وفرح عيطت في ، أما نور فبصت لصورة أمها المعلقة على الحيطة وابتسمت ابتسامة هادية جداً، كأن روح ياسمين كانت واقفة معانا في الأوضة وبتطمنا إنها دلوقتي بس هترتاح في تربتها.
مرت الشهور، وقدرت بمساعدة النيابة والتحفظ على أموال مروان، إني أسترد كل الفلوس والورث اللي مروان كان سرقه من ياسمين ومني. أخدت البنات ونقلنا لشقة جديدة واسعة مليانة شمس وخضرة، شقة تليق بيهم وبمستقبلهم.
دلوقتي، بعد سنتين من الحادثة دي
نور بقت في تانية إعدادي، وطلعت الأولى على المدرسة، وبقت بتلعب سباحة وبتاخد بطولات.
فرح بتعشق الرسم، وكل لوحاتها بقت مليانة ألوان مبهجة وعصافير وشمس، بعد ما كانت بترسم ضلمة وبيوت مقفولة.
جودي الصغيرة بقت بتضحك من قلبها وتلعب ومبقتش بتخاف من البرد أو من صوت الباب لما يخبط.
وأنا… الراجل العجوز اللي شعره كله بقى أبيض… بقيت بقعد كل يوم بالليل في البلكونة الجديدة، بشرب الشاي وببص للبنات وهما بيذاكروا ويضحكوا سوا، وبحس برضا حقيقي ملوش مثيل.
الحقيبة البنفسجية لسه شيلها في دولابي… مش عشان الأدلة اللي فيها، لكن عشان تفضل دايماً تفكرنا إن مهما كان الليل طويل وظالم، شمس العدالة والحق لازم تطلع وتملى الدنيا بنورها.