اسرار الحقيقه
لو محدش فيكم مستعد ياخد البنات، هكلم رعاية الأطفال أول الأسبوع. أنا مش هضيع باقي عمري بربي عيال بعد ما أمهم ماتت. دي كانت أول كلمات نطق بيها جوز بنتي، مروان، وهو واقف جنب قبرها، ما قالهاش بصوت واطي، ولا كان بيكافح دموعه، ولا حتى كان شكله راجل مكسور على مراته ياسمين اللي وعدها يكمل عمره معاها. بالعكس… قالها بصوت واضح قدام كل الناس، ولسه التراب على القبر طري، وريحة الورد الأبيض مالية المكان. بنتي كانت لسه مدفونة من أقل من ساعة، كان عندها خمسة وتلاتين سنة بس، ومع ذلك، قبل ما الناس حتى تبدأ تمشي من المقابر، كان بيتكلم عن بناته التلاتة كأنهم حمل تقيل واقف في طريق سعادته. في اللحظة دي حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت، وحسيت بنار الغضب بتقدم في عروقي وأنا الجد العجوز اللي عاش حياته كلها بالحلال والاحترام. حفيداتي كانوا واقفين جنبي؛ الكبيرة، نور، عندها 12 سنة، كانت ماسكة صورة أمها بإيديها بقوة لدرجة إن صوابعها بقت بيضا من شدة الضغط، والتانية، فرح، عندها 9 سنين، كانت باصة للقبر من غير ما تنطق بكلمة، ووشها جامد بشكل يوجع القلب، أما الصغيرة، جودي، عندها 6 سنين، فكانت مستخبية في وجسمها كله بيرتعش من البرد والخوف. لكن مروان… ما كانش باين
عليه أي حزن؛ بدلته شيك كأنها طالعة من المحل حالاً، وجزمته بتلمع رغم الطين اللي ملى المقابر، وساعته الغالية باينة من تحت كم القميص الأبيض الناصع، ولا دمعة واحدة نزلت من عينه طوال الجنازة. وفجأة… موبايله رن، بص للشاشة وقرا الرسالة، وابتسم ابتسامة خفيفة كأن حد مستنيه بره المقابر عشان يبدأ حياته الجديدة فوراً.
بصيت له وأنا مش مصدق حجم الجحود والندالة، وقلت له بنبرة مرتعشة إنت قلت إيه؟ نفخ بضيق وقال بنبرة خالية من الرحمة بلاش تصعب الموضوع أكتر من كده… هي ماتت، ومن حقي أبدأ حياتي من جديد. قلت له بذهول وبناتك؟ بصلهم أقل من ثانية، وبعدين أشار بإيده باستخفاف وقال خطيبتي مش مستعدة تربي تلات بنات أصلاً مش بيحبوني. إنت جدهم… طالما فارقين معاك أوي، خدهم عندك. ساعتها… المكان كله سكت، والناس بصت لبعض في صدمة وذهول من قسوة الأب، وواحدة من القرايب حطت إيديها على بقها من هول اللي سمعته. وفي اللحظة دي كنت حاسس إني ههجم عليه، كان نفسي أمسكه من هدومه وأخليه يندم على كل كلمة قالها في حق ياسمين وبناتها، لكن قبل ما أتحرك خطوة واحدة، لقيت إيد صغيرة مسكت إيدي بقوة؛ كانت جودي الصغيرة، بقوة وهي بتعيط في صمت، وساعتها الغضب جواه اتحول لحاجة أصعب بكثير… وجع وقهر. بصيت على البنات، ولاحظت حاجة خوفتني أكتر من كلام أبوهم؛ نور الكبيرة ما كانتش بتعيط، ولا كانت بتترجاه يفضل، ولا حتى سألته ليه بيتخلى عنهم، كانت بس بتبصله بهدوء غريب ومريب، هدوء أكبر من سنها بكتير، وبعدين بصت لأختها الوسطى فرح، وفرح فهمتها من غير ما تتكلم بكلمة واحدة، وبعدها الاتنين بصوا للصغيرة جودي، التلاتة تبادلوا نظرة واحدة غامضة، كأن بينهم سر كبير محدش غيرهم يعرفه، ووقتها قلبي اتقبض وحسيت إن البنات مخبيين حاجة مرعبة عني.
نزلت لمستواهم وقلت بهدوء إنتوا هتيجوا تعيشوا معايا في بيتي. ضحق مروان ضحكة خفيفة ممتلئة بالراحة والوقاحة وقال ممتاز… كده المشكلة اتحلت. ولا بناته، ولا باسهم وداَع، ولا حتى سأل هيناموا فين الليلة، أو محتاجين إيه من هدومهم في بيتهم القديم، لف ضهره ومشى بثقة ونرجسية ناحية عربية بيضا فارهة كانت مستنياه بره المقابر، وكان فيه ست صغيرة شقراء قاعدة على الكرسي اللي جنبه، أول ما شافته ابتسمتله بانتصار، ركب جنبها والعربية اتحركت بسرعة، وما بصش وراه حتى مرة واحدة. وأنا باخد حفيداتي ونمشي بعيد عن قبر أمهم نحو سيارتي البسيطة، لاحظت إن نور الكبيرة شدّت بالطوها الأسود بقوة على شنطة قماش بنفسجي صغيرة كانت مخبياها بحرص شديد تحت هدومها، وجوا الشنطة دي… كان فيه حاجات مروان متأكد وواثق إنها اختفت للأبد مع موت ياسمين، لكن اللي ما كانش يعرفه، إن الحاجات دي كانت كافية تدمر كل حياته ونفوذه وخططه… قبل ما يوصل حتى ليوم فرحه المنتظر. ركبنا العربية، وطول الطريق كان السكون هو سيد الموقف، مفيش غير صوت شهقات جودي الصغيرة وهي نايمة على كتف أختها فرح، بينما كانت نور عيناها معلقتين بالطريق بالخارج، يدها لا تترك الشنطة البنفسجية أبداً، وكأنها تمسك بزمام حياتهن القادمة.
وصلنا بيتي الصغير الدافئ، البيت اللي ياسمين الله يرحمها كبرت فيه. جهزت للبنات عشاء بسيطاً ودافئاً، وحاولت ألا أضغط عليهن بالكلام، فالصدمة كانت أكبر من طاقة عقولهن الصغيرة. بعد العشاء، دخلت البنات لغرفتهن المجهزة، وتظاهرت أنا بالذهاب للنوم، لكنني وقفت خلف الباب أستمع لوشوشاتهن الخافتة. سمعت نور وهي بتقول لفرح بصوت مرعش بالخوف والغضب أبويا افتكر إنه لما رمى تليفون ماما في البحر بعد ما تعبت ودخلت المستشفى، إنه كده مسح كل الدليل. ما يعرفش إن ماما سابتلي الشنطة دي قبل ما تموت بأسبوع وقالتلي أخبيها عند جدي لو حصلها حاجة. سألتها فرح ببراءة مرعوبة هو بابا اللي موّت ماما يا
لمحة نيوز