اسرار الحقيقه

نور؟ ردت نور بنبرة حاسمة تفوق عمرها بكثير الدكتور قال سكتة قلبية، بس الورق والتسجيلات اللي في الشنطة دي بتقول إن بابا كان بيديها أدوية غلط عشان تظهر مريضة ومجنونة قدام الناس، ويقدر يطلقها وياخد كل ورثها من جدي ويجوز خطيبته ميار بفلوسنا. شعرت بالأرض تدور بي، تراجعت خطوات للخلف وسندت على الجدار والدموع تحرق عيني؛ هل قتلت ابنتي ياسمين بدم بارد على يد ذلك الوحش الذي اؤتمن عليها؟ دخلت الغرفة فجأة، فارتعبت البنات وحاولت نور إخفاء الشنطة تحت الغطاء.
جلست بجانبهن على السرير، ودموعي تنهمر، وقلت لنور بصوت دافئ وحزين نور يا حبيبتي… أنا جدك، وأنا اللي هحميكوا بعمري كله. وريني الشنطة البنفسجية دي فيها إيه، ولازم نكون سوا عشان نجيب حق أمك. نظرت نور إليّ، وتهدلت كتفاها الصغيرتان كأن حملاً ثقيلاً قد أزيح عنهما، وأخرجت الشنطة البنفسجية وفتحت سحابها. كانت الشنطة تحتوي على مذكرات يومية بخط يد ابنتي ياسمين، تحكي فيها بتفصيل مرعب كيف كان مروان يخلط لها حبوباً غريبة في الشاي والعصير تجعلها تفقد توازنها وذاكرتها، وتحت المذكرات كان هناك جهاز تسجيل صوتي صغير ديكتافون يحتوي على تسجيلات لتهديدات مروان لها بالقتل وبحرمانها من بناتها إن لم تتنازل له عن نصيبها في الشركة الفاخرة التي أسستها بمالي، والأخطر من ذلك كله، كان هناك تقرير طبي سري من طبيب صديق لمروان، يوضح تلاعباً في التحاليل الطبية ل ياسمين لإثبات عدم أهليتها العقلية. شعرت بجسدي يرتعش من الغضب، مروان لم يكن مجرد زوج جاحد، بل كان قاتلاً متسلسلاً خطط للتخلص من زوجته ببطء وذكاء شديدين ليرثها ويتزوج من التي شاركته الجريمة بتوفير تلك العقاقير الطبية المحظورة كونها تعمل كصيدلانية في مستشفى شهير.
في اليوم التالي، ومروان يظن أنه تخلص من عبء بناته وبدأ يعقد التجهيزات لحفل زفافه الأسطوري من خطيبته ميار، كنت أنا أتحرك بخطوات مدروسة وثابتة. لم أذهب إلى قسم الشرطة العادي حيث يمتلك مروان معارف ونفوذاً قادراً على طمس الأدلة، بل ذهبت مباشرة إلى صديق قديم لي في النيابة العامة، رجل نزيه لا يخشى أحداً. عندما قرأ وكيل النيابة المذكرات واستمع إلى التسجيلات الصوتية التي يهدد فيها مروان ياسمين قائلاً لها حرفياً السم اللي في جسمك ملوش أثر في الدم بعد 24 ساعة، ومحدش هيشك في موتك الطبيعي، تغيرت ملامح وكيل النيابة تماماً، وأمر فوراً بفتح تحقيق رسمي سري، والتحفظ على الملف الطبي لياسمين في المستشفى الذي توفيت به، واستدعاء الطبيب الذي كتب تقرير الوفاة للتحقيق تحت وطأة الاتهام بالتواطؤ والتزوير. بينما كان مروان وميار يختاران قاعة الفرح والزهور، كانت خيوط العدالة تلتف حول رقابهما ببطء وصمت. تم إرسال التسجيلات الصوتية إلى معمل جنائي حكومي معتمد لتأكيد مطابقة الصوت لمروان، وجاءت النتيجة إيجابية بنسبة مائة بالمائة.
تتابعت الأحداث سريعة كالإعصار؛ انهار الطبيب المتواطئ في التحقيقات بمجرد مواجهته بالتسجيلات والتقرير المزور، واعترف بأن مروان دفعه بالمال ل تزوير سبب الوفاة وكتابة تقرير أدوية وهمي لإخفاء أثر السم العقاري الذي كانت توفره ميار من صيدلية المستشفى. في ليلة زفافه الأسطوري، وبينما كان مروان يرتدي بدلته البيضاء الفاخرة ويقف بجانب خطيبته ميار التي تتألق بفستان زفاف مرصع بالألماس وسط مئات من المعازيم ورجال الأعمال، اقتحمت قوات الشرطة مدعومة برجال النيابة العامة القاعة الفاخرة. ساد الصمت والذهول بين الحاضرين، وتقدم ضابط المباحث ببرود وحزم نحو مروان، مشهراً في وجهه أمر الضبط والإحضار بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والتزوير في أوراق رسمية وتسميم زوجته الراحلة. حاولت ميار الصراخ والتدخل، لكن ضابطة شرطة نسائية تقدمت نحوها وقيدت معصميها بتهمة الاشتراك في جريمة القتل العمد وتوفير مواد طبية سامة ومحظورة بداعي التخلص من الضحية.
كنت أقف عند مدخل القاعة، ممسكاً بأيدي حفيداتي الثلاث؛ نور وفرح وجودي، اللواتي أصررن على الحضور ليروا بأعينهن نهاية الطاغية الذي حرمهن من حنان أمهن. نظر مروان إلينا برعب وانكسار تلاشت معه كل ملامح كبريائه ونفوذه الزائف، والقيود الحديدية تلتف حول معصميه وسط نظرات الاحتقار والاشمئزاز من كل من حضر لتهنئته. همست له نور الكبيرة وهي تبتسم ابتسامة النصر والعدالة الشنطة البنفسجية يا بابا… الحاجة اللي افتكرت إنك اتخلصت منها، هي اللي ودتك السجن. انطلقت سيارات الشرطة تطلق صفاراتها في عتمة الليل لتعلن انتهاء فصل الظلم، وعدنا أنا وحفيداتي إلى بيتنا الدافئ، لنقف أمام صورة ياسمين المعلقة على الجدار، ونقول لها بقلوب مطمئنة ونفوس راضية حقك رجع يا ياسمين… وبناتك في أمان وتحت جناحي، والعدالة أخذت مجراها والشر انكسر للأبد. وعشنا معاً، نكمل مسيرة الحياة بحب ووفاء، يحيطنا دفء الذكرى الطيبة وعدالة السماء التي لا تغفل ولا تنام.
صوت القيود الحديدية وهي بتتقفل على إيد مروان وميار في قاعة الفرح ماكنش مجرد نهاية… ده كان البداية لزلزال حقيقي قلب عيلة الفايد وعيلة مروان بالكامل، وبداية لرحلة طويلة ومؤلمة خضتها أنا وحفيداتي عشان نطهر حياتنا من قذارة الراجل ده.
بعد الليلة دي، القاعة الفاخرة اللي كانت مليانة زينة وأضواء اتحولت لساحة تحقيق ممتدة. المعازيم والناس اللي كانت جاية تبارك اتسللوا وخرجوا وهما بيبصوا في الأرض من الكسوف ، والخبر انتشر في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *