امضت امى ٨ سنوات
أمضت أمي ثماني سنوات تبكي أمام قبر أخي… حتى مساء الأمس، عندما رأيته يعمل في دكان صغير في بحري.
وحين استدار… نظر إليّ مباشرة وقال بصوتٍ خافت:
“لا تُخبر أبي أنك وجدتني.”
“كنت في السابعة عشرة عندما قالوا إنه توفّي في حادث على طريق مدني السريع.
قالت الشرطة إن السيارة اشتعلت بالكامل بعد الاصطدام… واحترق كل ما بداخلها حتى تفحّم..
أبي هو من تعرّف عليه بنفسه وأغلق كل شيء بسرعة.
انهارت أمي في ذلك اليوم.
أما أبي فلم يفعل.
نعم، بكى… لكن ليس كثيرًا.
أقلّ مما يجب على أبٍ فقد ابنه الأكبر للتو.
تولّى كل الإجراءات بسرعة غريبة، وعجّل بالدفن بشكلٍ لافت…
ولم يسمح لأمي أن تودّعه أو ترى وجهه،
وكان يكرر دائمًا:
“الأفضل أن تتذكّريه كما كان.”
وهكذا… دفنّا مصعب دون وداعٍ حقيقي.
مرّت ثماني سنوات…
أمي ما زالت تذهب إلى المقبرة في أم درمان كل شهر، تحمل له الزهور، وتجلس تبكي لساعات.
أما أبي… فلم يذهب مرة واحدة.
أبدًا.
كان يقول دائمًا:
“لن يُغيّر ذهابي شيئًا.”
لكن تلك العبارة كانت دوما تزعجني.
في مساء الأمس، خرجتُ من عملي متأخرًا.
طلب مني المدير أن أُغلق الحسابات، ثم ناداني قبل أن أغادر وقال:
“هناك طرد يجب أن يُسلَّم الليلة… لصاحب دكان في بحري. أوصله له… والعميل مصرّ إنك أنت اللي توصّله بنفسك.”
لم أكن أرغب… لكنني وافقت.
نحن نعيش في أم درمان ولم يكن لي طريقٌ إلى بحري يومًا.
لكن تلك الليلة… تغيّر كل شيء.
ركبت سيارتي، وانطلقت نحو العنوان.
شارع جانبي هادئ ودكان صغير بالكاد يُرى.
أوقفت السيارة… ودخلت.
كان المكان مزدحمًا.
رجل يتجادل مع البائع، طفل يبكي لأنه يريد حلوى،
والمروحة تدور ببطء في سقفٍ منخفض.
وقفت في الطابور… والطرد في يدي، أنتظر أن يفرغ.
كنت أنظر إلى هاتفي… حين سمعت صوتًا جعل جسدي كله يتجمّد:
“تريد كيس؟”
توقّف نفسي.
صوت… لم أسمعه منذ سنوات.
لكن جسدي عرفه قبل عقلي.
رفعت رأسي ببطء… ونظرت نحو الصندوق.
وكان هناك.
أنحف أكثر سُمرة…
وبندبة صغيرة قرب ذقنه…
لكنّه هو مصعب أخي.
كان يمسك بفكّه كما كان يفعل دائمًا عندما يتوتر.
شعرت أن قدميّ لم تعودا تحملاني.
قلت لنفسي:
هذا وهم… تعب… خيال.
لكن عندما رفع عينيه نحوي… توقّف لثانية.
نظرة سريعة… كأنه يتأكّد.
ثم تغيّر وجهه فورًا.
شاحب… ومشدود.
عندما جاء دوري، تقدّمت دون وعي.
وضعت الطرد أمامه وقلت بصوتٍ خافت:
“هذا لك.”