شكلك حزين اوي زيزي خالد

ليلى، التي كان من المفترض أن يتزوجها غداً. كانت جميلة، رقيقة، وكانت بالنسبة له طوق النجاة الذي أراد من خلاله أن يعيش حياة عادية.
لكن الغش كان قد تغلغل في جذور هذا الحلم. اتصل بمحاميه، أمره بإلغاء كل الترتيبات، ودفع مبالغ ضخمة لكل من تعاقد معه، ليس كغرامات، بل كثمن لصمته وألمه. لم يشرح لأحد الأسباب، لم يكن نزار القاضي يبرر أفعاله لأحد.
في تلك الليلة، لم ينم. تجول في منزله الفخم، في الغرفة التي جهزها بانتظار وهم. اقترب من سرير الطفل، وضع يده على الحواجز الخشبية الناعمة، ثم أخذ نفساً عميقاً. قرر أن هذا البيت يجب أن يُغلق، أو ربما يُهدى. لم يعد يحتمل رؤية تلك البراءة المصطنعة.
قرر الرحيل. ليس هروباً من أعدائه، بل هروباً من نفسه. قرر أن يترك القاهرة، هذا الغول الذي ابتلع روحه، ويذهب إلى مكان لا يعرفه فيه أحد، لا ك نزار القاضي الخطېر، بل كإنسان عادي يريد فقط أن ينسى.
رحلة البحث عن الذات
سافر نزار إلى الصعيد، إلى قرية صغيرة بعيدة عن ضجيج المدن، حيث النيل أزرق صافٍ وحيث الناس لا يعرفون شيئاً عن صراعات السلطة في العاصمة. اشترى بيتاً قديماً من الطين والخشب، وأخذ يعيش حياة بسيطة.
كان يقضي أيامه في الحقول، يراقب الفلاحين وهم يعملون بجد. في البداية، نظروا إليه بريبة، فهو رجل يبدو عليه الوقار والثراء، لكنه لم يأتِ ليأمر أو ينهى. كان يساعد، يشارك في حفر السواقي، يقرأ الكتب تحت أشجار النخيل.
مرت أشهر، وبدأ الۏحش داخل نزار يهدأ. لم يعد يفكر في الړصاص أو الاڼتقام أو الابتزاز. كان يفكر فقط في كلمات ميرنا أحياناً يكون الغريب صديقاً لا نعرف اسمه.
بدأ يرسل تبرعات مجهولة للمدرسة التي تدرس فيها ميرنا في القاهرة. كانت ميرنا هي الخيط الوحيد الذي يربطه بحياته القديمة، ليس كحب، بل كذكرى للحظة التي أنقذته فيها من جحيمه الخاص.
المواجهة الأخيرة
بعد عام من غيابه، عاد نزار إلى القاهرة، ليس ليعود إلى عمله القديم، بل ليغلقه نهائياً. التقى بمنافسيه، سلمهم ما يملكون، وانسحب من عالم الأعمال القذر. لكن الماضي لا يترك صاحبه بسهولة.
في يوم مغادرته الأخيرة للقاهرة، وبينما كان في طريقه إلى المطار، اعترضت طريقه سيارة سوداء. نزل منها رجال كانوا يعملون تحت إمرته يوماً ما.
نزار بيه، الناس بتسأل عنك. أنت مش ممكن تسيب العرش بالسهولة دي، قال كبيرهم بلهجة ټهديد.
ابتسم نزار بهدوء، ابتسامة لم يروها من قبل، ابتسامة خالية من الخۏف.
العرش لا يعني لي شيئاً يا مراد. لقد جربت أن أكون إلهاً صغيراً في مدينتكم، واكتشفت أنني كنت مجرد سجين خلف قضبان من ذهب. افعلوا ما شئتم، أنا لم أعد موجوداً.
حاولوا استفزازه، لكن نزار ظل هادئاً. أدركوا أن هذا الرجل الذي أمامهم
ليس نزار القاضي الذي يعرفونه، لقد كُسرت فيه الحاجة للسيطرة. انصرفوا في حيرة، مدركين أنهم أمام قوة جديدة قوة الزهد.
الخاتمة دائرة الحياة
قبل أن يتجه إلى المطار، توقف نزار عند بيت سعاد. طرق الباب. فتحت سعاد، ووراءها ميرنا.
فوجئت الأم، لكن ميرنا قفزت من خلفها بابتسامة واسعة.
أنت! عدت لزيارتنا؟ قالت الطفلة بفرح.
ضحك نزار، ضحكة صافية اهتز لها قلبه. أخرج من جيبه ظرفاً كبيراً، أعطاه لسعاد.
هذا يكفي لميرنا لتكمل تعليمها حتى الجامعة. لا تشكريني، فهي من أعطتني درساً لا يقدر بمال.
نظر إلى ميرنا، انحنى ليصبح في مستواها، وقال
شكراً لأنكِ كنتِ ذلك الصديق الذي لم أكن أعرف اسمه.
ركب نزار سيارته متجهاً للمطار. وبينما كانت الطائرة تقلع، كان ينظر من النافذة إلى القاهرة وهي تصغر تحت قدميه. لم يعد أخطر رجل في المدينة. أصبح ببساطة رجلاً حراً، يحمل في قلبه ذكرى دقيقة واحدة غيرت مجرى حياته، دقيقة أثبتت أن اللين أقوى من الړصاص، وأن القلب الذي يعرف كيف يدمع، هو وحده القلب الذي يستحق أن يعيش.
اختفى نزار القاضي عن الأنظار، لكن أسطورة الرجل الذي بكى في الحديقة ظلت تُحكى في أزقة القاهرة كقصة غامضة عن التحول، وعن الطفلة التي لم تكن تخاف من الوحوش، لأنها كانت تملك مفتاح قلوبهم.
تمت.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *