لو حرقتي
لو حرقتي حاجة تاني، هتباتي برّه! صرخت نجلاء من جوّه المطبخ.
في الوقت ده، كان الحاج حسن عبدالسلام داخل بعربيته على بيت ابنه في أطراف المنصورة.
ما كانش قايل لابنه إنه جاي.
كان عايز يفاجئه ويشوف حفيده آدم، اللي بقاله فترة بيحاول يكلمه على التليفون ومش بيرد عليه.
حسن كان فاكر إن أسوأ حاجة ممكن تحصل إنه يلاقي ابنه متضايق من الزيارة المفاجئة، أو مراته نجلاء متضايقة عشان جه من غير ما يتصل.
لكن أول ما عربيته قربت من البيت
حسن لمح حفيده واقف جنب البوابة.
واتجمد مكانه.
آدم، عنده ستاشر سنة، كان واقف حافي على الأرض الساقعة، لابس تيشيرت خفيف، وحاضن نفسه بإيديه من شدة البرد.
وشه كان شاحب، وشفايفه بدأت تزرق.
حسن فرمل مرة واحدة لدرجة إن العربية كادت تطلع على الرصيف.
نزل بسرعة، وخلع الجاكت التقيل اللي كان لابسه وحطه على كتاف آدم.
إنت بتعمل إيه هنا؟!
آدم بص له بخوف.
جدو امشي.
أمشي إيه؟! إنت واقف برّه ليه؟
آدم بص ناحية البيت، وبعدها قرب من جده وهمس
لو نجلاء شافتك، الموضوع هيبقى أسوأ.
الجملة دي خلت حسن يسكت.
فتح باب العربية.
اركب.
جدو، بلاش
اركب يا آدم!
آدم ركب، وحسن قفل الباب بسرعة وشغل التدفئة على آخرها.
مسك رجلي حفيده اللي كانوا متلجين، وبدأ يفركهم بالملاية اللي كانت في العربية.
قولّي حصل إيه؟
آدم فضل ساكت.
كان باصص من شباك العربية ناحية البيت.
البيت من جوّه كان دافي ومنور، وصوت التلفزيون والضحك واصل لحد الشارع.
السفرة كانت متجهزة.
صواني أكل، لحمة في الفرن، محشي، سلطة، وحلويات.
كل حاجة كانت بتقول إن البيت ده فيه عيلة عايشة في أمان.
إلا آدم.
آدم كان برّه.
قبل تلات سنين، أم آدم سابت البيت.
قالت إنها مش قادرة تكمل، وسافرت للإسكندرية، وبعدها بدأت أخبارها تقل واحدة واحدة لحد ما انقطعت تقريبًا.
أبوه محمود كان شغال ورديات طويلة في مصنع في المنطقة الصناعية، وكان دايمًا بيبرر غيابه بنفس الجملة
أنا مش قادر أعمل كل حاجة لوحدي.
وبعد فترة اتجوز نجلاء.
في الأول، نجلاء كانت بتعامل آدم كويس.
كانت بتقول قدام الناس
ده ابني زي ما هو ابني بالظبط.
لكن مع الوقت، كل حاجة اتغيرت.
بدأت تحط له قواعد غريبة.
آدم ما يقومش من على السفرة غير بإذنها.
لو ساب كباية مكانها، الموبايل يتاخد منه.
لو رد عليها بطريقة مش عاجباها، يتحرم من الأكل.
ولو اعترض
كانت تقول
إنت محتاج تتربى من جديد.
أما بنتها ملك، فكان ليها معاملة تانية خالص.
تاكل براحتها.
تخرج وقت ما تحب.
ومحدش يقدر يقول لها كلمة.
آدم كان دايمًا بياخد آخر طبق، وآخر قطعة، وكأنه مش فرد في البيت.
حسن كان حاسس إن فيه حاجة غلط.
خصوصًا من يوم ما شاف كدمة كبيرة على كتف حفيده.
ساعتها سأله
إيه اللي حصل في كتفك يا آدم؟
الولد سكت.
وقبل ما يرد، محمود دخل وقال
يا بابا، متكبرش الموضوع. نجلاء بس شديدة شوية وبتحاول تربيه.
حسن بص له بغضب.
تربيه ولا تضربه؟
محمود اتنهد.
مفيش ضرب يا بابا. الولد مراهق وبيستفزها ساعات.
حسن ما اقتنعش.
بس ابنه فضل يطمنه.
ومع الوقت
حسن أقنع نفسه إن الموضوع مجرد خلافات عائلية.
يمكن لأنه كان أسهل عليه يصدق إن كل حاجة طبيعية
من إنه يصدق إن حفيده بيتعذب في بيت أبوه.
في اليوم ده، حسن كان متوتر أصلًا.
كان بيتصل بمحمود من الصبح، لكن ابنه ما كانش بيرد.
فقرر يروح له بنفسه.
جاب معاه هديتين لآدم.
قصبة صيد جديدة، لأن حفيده كان نفسه فيها من زمان.
وكتاب مغامرات كان آدم بيدور عليه من شهور.
كان داخل البيت وهو مبتسم
لكن أول ما شاف حفيده واقف حافي في البرد، ابتسامته اختفت.
حسن بص لآدم.
إنت واقف هنا بقالك قد إيه؟
آدم ما ردش.
آدم بسألك بقالك قد إيه؟
الولد بص في الأرض.
تقريبًا ساعة.
حسن حس إن الدم غلي في عروقه.
وساعة كاملة في البرد؟!
آدم هز راسه.
أبوك كان فين؟
آدم سكت شوية.
جوّه.
شافك؟
هز راسه.
آه.
حسن قرب منه.
وعمل إيه؟
آدم رد بصوت واطي
ولا حاجة.
يعني إيه ولا حاجة؟
نجلاء قالت له ما يتدخلش في طريقتها في تربيتي.
حسن بص ناحية البيت.
وأبوك سمع كلامها؟
آدم رفع عينه.
بصلي شوية
وسكت.
وبعدين؟
دخل تاني وقعد في الصالة.
حسن حس إن حاجة جواه اتكسرت.
ابنه كان شايف ابنه واقف برّه في البرد
وسابه.
حسن دخل آدم العربية، ولف عليه البطانية.
ليه ما خبطتش على الباب؟
آدم بص له بخوف.
عشان لو دخلت من غير إذنها
وسكت.
هي هتعمل إيه؟
آدم بلع ريقه.
هتعاقبني.
تعاقبك إزاي؟
الولد فضل ساكت.
حسن ضغط على إيده.
يا آدم أنا جدك. مهما كان اللي حصل، مش هسيبك.
آدم بص له بعينين مليانين دموع.
جدو متدخلش.
ليه؟
عشان كل مرة حد بيقف جنبي هي بتنتقم مني بعدين.
إيد حسن وقفت مكانها.
بعدين؟
آدم هز راسه.
آه.
يعني إيه بتنتقم منك؟
آدم خد نفس طويل.
وبعدين بص ناحية البيت.
الحاجات اللي هحكيهالك دلوقتي
سكت لحظة.
محدش يعرفها غيري.
حسن قرب منه.
احكي.
آدم بدأ يتكلم.
وفي خلال دقايق قليلة، سمع حسن حاجات عمره ما تخيل إن حفيده ممكن يعيشها.
حاجات خلت كل المرات اللي صدق فيها كلام ابنه ترجع قدام عينه واحدة واحدة.
لكن اللي ما كانش حسن يعرفه وقتها
إن الكلام اللي آدم هيقوله مش هيكشف بس حقيقة نجلاء.
ده هيكشف سر أخطر بكتير سر يخلي محمود نفسه في النهاية يضطر يعترف بحاجة كان مخبيها عن أبوه سنين.
نجلاء مش بتضربني كل يوم يا جدو
قالها آدم وهو بيبص على إيده.
حسن ما اتكلمش.
استناه