مرت ثلاثة أيام على ليلة الطرد، والشقة التي كانت تضج بضحكات الحاجة ناهد ومياعة شيريهان تحولت إلى حصن هادئ لا تسمع فيه إلا خطوات فريدة الواثقة. كانت تجلس على مقعد وحيد متبقٍ في الصالة، ترتشف قهوتها ببرود، بينما كان هاتفها لا يتوقف عن الرنين. اسم "زين الهواري" يضيء الشاشة للمرة العشرين، وهي تتركه يرن حتى يفصل بمفرده. في المقابل، وفي شقة الحاجة ناهد الضيقة بحي شعبى، كان الوضع أشبه بساحة حرب. الصالة مكدسة بكراتين جهاز شيريهان التي سدت الممرات. شيريهان كانت تجلس على كنب بلدي قديم، واضعة يدها على خدها وتندب حظها: "بقى أنا شيريهان، بنت الحسب والنسب، آخرة صبري أقعد وسط الكراتين دي؟ والناس في الشارع تبصلي كأني خطافة رجالة ومطرودة؟ فين الشقة اللي قولتوا عليها يا طنط؟ فين زيزو اللي هيعيشني في تبات ونبات؟" الحاجة ناهد، التي كانت تربط رأسها بإيشارب من الصداع، زعقت فيها بغل: "جرى إيه يا بت أنتِ؟ ما تلمي لسانك! هو إحنا اللي سرقنا الشقة ولا الحرباية اللي اسمها فريدة؟ وبعدين تعالي هنا.. فين دهبِك وأمك؟ ما تبيعوا حتتين دهب تفكوا بيهم زنقة جوزك عشان نخلص من الوصلات دي؟" شيريهان وقفت وصوتها علي: "أبيع دهبي؟ ده بعينك يا حماتي! أنا ماشية ورايحة بيت أبويا، وجهازي ده هيتلم، ولمّا ابنك يبقى راجل ويجيبلي شقة تمليك باسمي أبقى أرجعله!" خرجت شيريهان ورزعت الباب وراها، لتترك زين الذي كان جالسًا في ركن الغرفة، وجهه شاحب، يداه ترتعشان، والسيجارة لا تفارق فمه. الحاج عزمي دخل الصالة وهو يلهث: "الحق يا زين.. فوزي المحامي اتصل، قال إن فريدة رفعت القضية رسمي، وفيه قرار منع من السفر اتعمم باسمك في المطار والـمواني! البت قفلت عليك كل السكك يا ابني." زين وقف فجأة ونفض الرماد عن قميصه، وعيونه حمراء من الغضب والغل: "المنع من السفر؟ يعني مش هعرف أهرب بره البلد؟ ماشي يا فريدة.. أنتِ اللي اخترتي الوش التاني." في المساء، كانت فريدة تنزل من سيارتها متجهة إلى مكتب محاميها لترتيب الخطوة القادمة. الشارع كان شبه مظلم، وفجأة ظهر من بين الأشجار ظل مألوف. "فريدة!" التفتت فريدة ببرود لتجد زين واقفاً، لكنه لم يكن مكسوراً هذه المرة؛ كانت ملامحه شرسة، وعيناه تشعان غدراً. فريدة ربعت يدها وقالت بسخرية: "أهلاً يا زيزو.. جايب معاك وصلة أمانة جديدة ولا جاي تطلب لكلوكك الفرو؟" زين قرب منها بخطوات بطيئة، وضغط على أسنانها: "فاكرة نفسك ذكية يا فريدة؟ فاكرة إنك بالقرشين بتوع جدك هتدوسينا؟ أنا عيلتي ليها ناسها برضه.. والـ ١٥٠ ألف دولار دول لو هتدفعيني تمنهم من حريتي، يبقى مش هخرج منها لوحدي." فريدة لم تتحرك خطوة واحدة للخلف، بل نظرت له من فوق لتحت: "أعلى ما في خيلك اركبه يا ابن الهواري.. أنت ورقك معايا، والقانون في صفي." زين ضحك ضحكة خبيثة، وطلع من جيبه فلاشة صغيرة (USB) وهزها في وشها: "والقانون في صفي أنا كمان في دي.. فاكرة اللاب توب بتاعك اللي كان في الشقة والعمال بيلموا الحاجه؟ أنا لقطت الفلاشة دي منه قبل ما أمشي.. عليها كل الحسابات والملفات السرية بتاعة الشركة اللي أنتِ شغالة فيها.. تفتكري لو الملفات دي راحت للمنافسين، أو لو اتعرف إنك بتسربي شغل، شركتك هتعمل فيكِ إيه؟ ده غير إن سمعتك في السوق هتبقى في الطين.. يعني حبس بحبس، وخراب بخراب يا فريدة!" فريدة ملامحها ثبتت، ونظرت للفلاشة بعمق. ل ثوانٍ بدت وكأنها فوجئت، لكن سرعان ما تحولت ملامحها لابتسامة هادئة، بل مرعبة أكثر من الأول. قربت من زين خطوة، وقالت بصوت هامس: "أنت بتهددني بملفات الشغل يا زين؟ بجد؟" **تابع الأحداث:** ما الذي تحتويه الفلاشة بالظبط؟ وهل وقعت فريدة في الفخ، أم أنها كانت تتوقع هذه الحركة من زين وجهزت له مفاجأة أكبر؟ لمحة نيوز حكايات شروق خالد زين حس بنشوة الانتصار لأول ثواني، افتكر إن الابتسامة دي مجرد قناع بتداري بيه صدمتها، فرفع راسه بثقة: "أيوة بهددك يا فريدة.. واللعب بقى ع المكشوف، تفركشي الحبس والوصلات، وتسيبيلنا الشقة بالمعروف، يا إما الفلاشة دي الصبح هتكون على مكتب رئيس مجلس الإدارة، وساعتها مش هتلحقي تشمتي فيا لأنك هتحصليني على العنابر!" فريدة مالت براسها لورا وضحكت ضحكة رنانة هزت سكون الشارع المظلم، ضحكة خلت ريق زين ينشف تاني والشك يتسلل لقلبه. سحبت تليفونها من الشنطة بكل هدوء، وفتحت سبيكر وهي بتتصل برقم، وجاء صوت راجل وقور: "أيوة يا فندم، مع حضرتك.. كل الخطوات تمام؟" فريدة ردت وعينها في عين زين: "تمام قوي يا باشمهندس طارق.. كنت عايزة أسألك، الـ (Dummy Files) أو الملفات الوهمية والمفبركة اللي كنا حاطينها في الفولدر المخفي على اللاب توب بتاعي عشان نكشف بيها الجاسوس اللي بيسرب شغل الشركة للمنافسين.. أخبارها إيه؟" المهندس طارق ضحك: "موجودة يا فندم، ومتكودة بـ (IP Tracker) يعني أول ما الفلاشة دي تدخل في أي جهاز كمبيوتر، هيتبعتلنا لوكيشن المكان فوراً، والملفات دي أصلاً متفبركة بأرقام وحسابات غلط تودي اللي يستخدمها في داهية بتهمة التزوير والتجسس الصناعي.. ليه، هو في حد وقع في الفخ وسرقها؟" فريدة ابتسمت بشر: "أيوة.. الفأر دخل المصيدة وخد الجبنة المسمومة بايده.. شكراً يا باشمهندس." قفلت فريدة الخط، وبصت لزين اللي وشه اتحول للون أزرق، وإيده اللي ماسكة الفلاشة بدأت تترعش لدرجة إن الفلاشة وقعت منه على الأرض. فريدة داسيت بكعب جزمتها على الفلاشة لدرجة إنها اتدشدشت نصين تحت رجلها، وقالت بنبرة فحيح الأفاعي: "أنا اللي مربياك يا زين. . وعارفاك حركي وخاين وبتاع سبوبة.. تفتكر هسيب لابتوب في الشقة وفيه ملفات بجد؟ أنا اللي سايبالك اللابتوب مفتوح والملفات واضحة عشان عارفة إن عينك الزايغة وطبعك الحرامي هيخليك تمد إيدك! أنت مش بس هتتحبس بوصلات الأمانة.. أنت كدة ثبت على نفسك تهمة سرقة فلاشة وتجسس، والشهود موجودين في الشركة!" زين رجع خطوتين لورا وهو حاسس إن الأرض بتلف بيه، همس بضعف وهو بيموت من الرعب: "أنتِ إيه؟ أنتِ شيطانة؟ حرام عليكِ.. دمّرتيني!" فريدة قربت منه، وضغطت بصباعها على صدره بقوة: "أنا اللي دمرتك؟ ولا طمعك وطمع أمك؟ أنا حمتك من السجن بفلوسي، وأنت كافئتني بإنك عايز ترميني في الشارع وتجيب المسهوكة بتاعتك تنام في سريري! فوق يا ابن الهواري.. فريدة القديمة ماتت يوم ما شوفت روبي محشور في كيس الزبالة.. من هنا ورايح، مفيش غير الوش اللي هيعلمك الأدب." التفتت فريدة وسابته واقف في الضلمة زي المجنون يكلم نفسه، وركبت عربيتها واتحركت لمكتب المحامي. في نفس الوقت.. الحاجة ناهد كانت قاعدة في صالة شقتها الضيقة، والباب خبط بعنف. جريت تفتح وهي فاكرة إنها شيريهان رجعت في كلامها، لكنها اتفاجأت باتنين ستات من الحارة، وشهم مقلوب: "الحقي يا حاجة ناهد! المحضر والشرطة واقفين تحت بيت شيريهان.. وبيحجزوا على العفش والجهاز اللي نزل هناك بتهمة إن عليه تَبديد، والمنطقة كلها بتتفرج!" ناهد صرخت ولطمت على وشها: "يالهوي! البت فريدة خربت بيتنا بجد! فين زين؟ فين عزمي؟ الحقوني!" وفجأة.. تليفون ناهد رن، وكان المتصل هو زين.. وصوته طالع منهار تماماً: "الحقيني يا أمي.. أنا اتقبض عليا في كمين وأنا راجع.. الوصلات اتعمم بيها أمر ضبط وإحضار.. أنا رايح القسم يا أمي.. رايح السجن!" حكايات شروق خالد