كيس زباله ج٢ شروق خالد
مرت ثلاثة أيام على ليلة الطرد، والشقة التي كانت تضج بضحكات الحاجة ناهد ومياعة شيريهان تحولت إلى حصن هادئ لا تسمع فيه إلا خطوات فريدة الواثقة. كانت تجلس على مقعد وحيد متبقٍ في الصالة، ترتشف قهوتها ببرود، بينما كان هاتفها لا يتوقف عن الرنين. اسم “زين الهواري” يضيء الشاشة للمرة العشرين، وهي تتركه يرن حتى يفصل بمفرده.
في المقابل، وفي شقة الحاجة ناهد الضيقة بحي شعبى، كان الوضع أشبه بساحة حرب.
الصالة مكدسة بكراتين جهاز شيريهان التي سدت الممرات. شيريهان كانت تجلس على كنب بلدي قديم، واضعة يدها على خدها وتندب حظها:
“بقى أنا شيريهان، بنت الحسب والنسب، آخرة صبري أقعد وسط الكراتين دي؟ والناس في الشارع تبصلي كأني خطافة رجالة ومطرودة؟ فين الشقة اللي قولتوا عليها يا طنط؟ فين زيزو اللي هيعيشني في تبات ونبات؟”
الحاجة ناهد، التي كانت تربط رأسها بإيشارب من الصداع، زعقت
فيها بغل:
“جرى إيه يا بت أنتِ؟ ما تلمي لسانك! هو إحنا اللي سرقنا الشقة ولا الحرباية اللي اسمها فريدة؟ وبعدين تعالي هنا.. فين دهبِك وأمك؟ ما تبيعوا حتتين دهب تفكوا بيهم زنقة جوزك عشان نخلص من الوصلات دي؟”
شيريهان وقفت وصوتها علي: “أبيع دهبي؟ ده بعينك يا حماتي! أنا ماشية ورايحة بيت أبويا، وجهازي ده هيتلم، ولمّا ابنك يبقى راجل ويجيبلي شقة تمليك باسمي أبقى أرجعله!”
خرجت شيريهان ورزعت الباب وراها، لتترك زين الذي كان جالسًا في ركن الغرفة، وجهه شاحب، يداه ترتعشان، والسيجارة لا تفارق فمه.
الحاج عزمي دخل الصالة وهو يلهث: “الحق يا زين.. فوزي المحامي اتصل، قال إن فريدة رفعت القضية رسمي، وفيه قرار منع من السفر اتعمم باسمك في المطار والـمواني! البت قفلت عليك كل السكك يا ابني.”
زين وقف فجأة ونفض الرماد عن قميصه، وعيونه حمراء من الغضب والغل: “المنع من السفر؟ يعني مش هعرف أهرب بره البلد؟ ماشي يا فريدة.. أنتِ اللي اخترتي الوش التاني.”
في المساء، كانت فريدة تنزل من سيارتها متجهة إلى مكتب محاميها لترتيب الخطوة القادمة. الشارع كان شبه مظلم، وفجأة ظهر من بين الأشجار ظل مألوف.
“فريدة!”
التفتت فريدة ببرود لتجد زين واقفاً، لكنه لم يكن مكسوراً هذه المرة؛ كانت ملامحه شرسة، وعيناه تشعان غدراً.
فريدة ربعت يدها وقالت بسخرية: “أهلاً يا زيزو.. جايب معاك وصلة أمانة جديدة ولا جاي تطلب لكلوكك الفرو؟”
زين قرب منها بخطوات بطيئة، وضغط على أسنانها: “فاكرة نفسك ذكية يا فريدة؟ فاكرة إنك بالقرشين بتوع جدك هتدوسينا؟ أنا عيلتي ليها ناسها برضه.. والـ ١٥٠ ألف دولار دول لو هتدفعيني تمنهم من حريتي، يبقى مش هخرج منها لوحدي.”
فريدة لم تتحرك خطوة واحدة للخلف، بل نظرت له من فوق لتحت: “أعلى ما في خيلك اركبه يا ابن الهواري.. أنت ورقك معايا، والقانون في صفي.”
زين ضحك ضحكة خبيثة، وطلع من جيبه فلاشة صغيرة (USB) وهزها في وشها:
“والقانون في صفي أنا كمان في دي.. فاكرة اللاب توب بتاعك اللي كان في الشقة والعمال بيلموا الحاجه؟ أنا لقطت الفلاشة دي منه قبل ما أمشي.. عليها كل الحسابات والملفات السرية بتاعة الشركة اللي أنتِ شغالة فيها.. تفتكري لو الملفات دي راحت للمنافسين، أو لو اتعرف إنك بتسربي شغل، شركتك هتعمل فيكِ إيه؟ ده غير إن سمعتك في السوق هتبقى في الطين.. يعني حبس بحبس، وخراب بخراب يا فريدة!”
فريدة ملامحها ثبتت، ونظرت للفلاشة بعمق. ل ثوانٍ بدت وكأنها فوجئت، لكن سرعان ما تحولت ملامحها لابتسامة هادئة، بل مرعبة أكثر من الأول.
قربت من زين خطوة، وقالت بصوت هامس: “أنت بتهددني بملفات الشغل يا زين؟ بجد؟”
**تابع الأحداث:** ما الذي تحتويه الفلاشة بالظبط؟ وهل وقعت فريدة في الفخ، أم أنها كانت تتوقع هذه الحركة من زين وجهزت له مفاجأة أكبر؟
لمحة نيوز