خمس سنين انتظار ج٢ اماني السيد
هدى ضحكت، ضحكة طالعة من القلب، مش سخرية، لكن ضحكة “إدراك”:
“حازم، أنت فاكر إن الحياة ‘استبن’؟ لما الكاوتش يفرقع، أغيره، ولما الجديد يبوظ، أرجع للقديم؟ أنت خسرتني يوم ما بعتني عشان مصلحتك، وخسرتني أكتر يوم ما جيت توريني ‘مرتك’ عشان تكسرني. أنا بقيت إنسانة تانية، أنا دلوقت بقيت بحب ‘هدى’ اللي أنت حاولت تدمرها.”
حازم حاول يقرب منها، مسك إيدها بقوة: “أنا بحبك يا هدى، افهمي!”
سحبت إيدها بعنف، وبصتله بعينين فيها لمعة قوة: “الحب يا حازم أفعال، مش كلمات بتتقال لما تتقطع بيك السبل. أنا بقيت مخطوبة لواحد، بيقدرني، بيحترمني، والأهم.. مش مسافر، موجود جنبي بيسندني، مش بيخليني أستنى في ‘الانتظار’.”
حازم اتجمد في مكانه، الصدمة كانت أقوى من أي مرة. هدى بصتله نظرة أخيرة وقالت:
“نصيحة من واحدة كانت عاشقاك.. دور على نفسك الأول، لأنك لا هتعرف تحب ولا هتتحب، طول ما أنت شايف الناس مجرد ‘أدوات’ لمصلحتك.”
دخلت هدى البيت، وقفلت الباب وراها، وسمعت صوت خبطاته بيخف تدريجياً، لحد ما اختفى تماماً مع صوت عربية بتمشي في الشارع.
بعد ما قفلت هدى الباب، ساد هدوء غريب في العمارة. حازم فضل واقف في الشارع لدقائق، باصص للباب اللي اتقفل في وشه، لأول مرة في حياته بيحس بالهزيمة الحقيقية. مش هزيمة في “معركة”، لكن هزيمة في “قيمته كإنسان”.
هدى من جوه، سندت بظهرها على الباب وأخدت نفس عميق. الدموع اللي كانت محبوسة في عينها نزلت، بس المرة دي كانت دموع “تحرر”، مش انكسار. هي مكنتش مخطوبة ولا حاجة، دي كانت “كذبة بيضاء” عشان تنهي فصله من حياتها للأبد، بس هي قررت إنها تخليها حقيقة، مش لراجل تاني، لكن لنفسها.
مرت سنة على اليوم ده.
حازم رجع الغربة تاني، بس المره دي كان وحيد بجد. الفلوس اللي جري وراها مكنتش قادرة تملأ الفراغ اللي سابه لما خسر “البيت” اللي كان في قلب هدى. بقى يبعت رسايل كل فترة، رسايل مفيش فيها غير ندم، رسايل مبتتردش، بتنزل في “بحر النسيان”.
أما هدى.. هدى بدأت تفتح صفحة جديدة فعلاً. استثمرت كل وقتها اللي كان ضايع في “الانتظار” في تعليم جديد، وبدأت مشروعها الخاص اللي كانت بتأجله سنين. وشها رجع ينور، مش بـ “ميك أب”، لكن براحة البال اللي اتولدت من اتخاذ قرار شجاع.
وفي يوم، وهي ماشية في الشارع، شافت طفل صغير بيعيط عشان ضيع لعبته، وقفت جنبه، طبطبت عليه، وطلعت من شنطتها لعبة تانية، وقالتله بصوت واثق: “مش كل اللي يضيع مننا بنرجع ندور عليه، ساعات الضياع بيكون بداية للي هو أحسن”.