جوزها رماها في المحطه ج٣ صافي هاني
وحكيتلها كل حاجة: كشف حساب الفيزا، المحاضرات اللي بيدهالي كل يوم، الطريقة اللي طارق بيتحكم بيها في كل قرش حتى مرتبى من المكتبة اللي كان بينزل في حسابنا المشترك، أصحابي اللي بعدهم عني، والأسف اللي كنت بتأسفه لمجرد إن المركب تسير والبيت يهدى.
لما خلصت كلام، سألتني: “هتعملي إيه لو رجعتي؟”
الإجابة طلعت مني تلقائي: ” هتبوس إيده واتأسف.. وأحاول أتحمل أكتر”.
رفعت راسها لفوق وقالت:
”علا، اسمعيني كويس. إنك تشتري أكل وهدية لأمك العيانة دي مش قلة مسؤولية. لكن إنه ياخد فلوسك، ويعزلك عن الناس، ويرميكي هنا عشان يعلمك الأدب.. ده اسمه تحكم وفرض سيطرة”.
الكلمة دي وجعتني وخبطت في قلبي أكتر من أي إهانة طارق قالهالي في حياتي.
قلت: “مفيش مكان أروحه”.
قالت: “لا، عندك”.
عربية سودا فخمة وقفت جنبا على الرصيف.. نزل منها راجل لابس بدلة رمادي وفتح الباب اللي ورا.
وقال بكل احترام: “يا هانم خديجة هانم الشربيني”.
الست قامت وسندت على عصايتها.
وقالت: “ده سواقي.. وأنا خديجة الشربيني”.
الاسم ساعتها مكنش يعنيلي أي حاجة.
بعدين قربت مني ووطت صوتها: “لما نركب العربية دي، اتصرفي كأنك حفيدتي”.
بحلق لـها وقلت: “إيه؟”
قالت: “جوزك افتكر إنه سابك مكسورة وملكيش حد.. بس هو غلطان”.
السواق تنحنح وقال: “خديجة هانم، أنتِ بتخططي لحاجة؟”
ابتسمت خديجة وقالت: “عوض، دي فريدة.. وهتقعد معانا الفترة الجاية”.
بصيت على الشارع الفاضي اللي طارق اختفى فيه.
بعدين بصيت لإيد خديجة اللي كانت ممدودالي.
ولأول مرة في اليوم ده، بطلت أترعش.
ومسكت إيدها.
بيتها مكنش مجرد بيت.. ده كان بوابات حديد ضخمة، وعواميد بيضا، وأرضيات رخام، ونجفة بتبرق فوق سلم كبير بيلف.. فاطمة، الشغالة، جهزتلي أوضة ضيوف لونها أزرق كانت أكبر من شقتي القديمة كلها.. وعوض جابلي شوربة.. أما خديجة فقعدت قدامي على العشا كأنها ست داخلة حرب.
الليلة دي، قالتلي هي مين بالظبط.
المالكة السابقة لمجموعة الشربيني للحديد والصلب.
واحدة من أقوى الستات في البلد كلها.
عمية من عشر سنين، بس أذكى وأقوى من أي حد قابلته في حياتي.
قالتلي: “أنتِ مش ضعيفة.. فيه حد بس فهمك وفضل يقنعك إنك كده”.
تاني يوم الصبح، المحامي بتاعها وصل.
وعلى الضهر، كانت حساباتي المشتركة مع جوزي كلها تحت المراجعة.