بعد شغل ١٢ ساعه ج٣ علي ابو الدهب
وفي وسط الهيصة، خرج طارق مسنوداً على أكتاف اثنين من أمناء الشرطة، وجهه مغطى بالدم والتراب، وعيناه تبحثان عني وسط الزحام. أول ما رأت الحاجة نادية المشهد، جرت من أول الشارع وهي تصرخ وتلطم، وارتمت في أحضان ابنها تبكي بشغف جارف.
التفتّ إليّ طارق بصوت متحشرج وضعيف: “نهى.. أنتِ أنقذتيني.. أنا عارف إنك عملتِ كل ده عشان لسه باقية عليا وعلى بيتنا.. سامحيني يا بنت الأصول”.
نظرت إليه بنظرة أبرد من الصقيع، وقلت له وأنا أخرج من حقيبتي ورقة رسمية وقعت عليها قبل دخول المخزن بنصف ساعة:
> “أنا منقذتكش عشان باقية عليك يا طارق.. أنا أنقذت نفسي واسم شغلي من شوشرة المجرمين. والشنطة اللي جوه مفيهاش مليم، دي ورق أبيض، والمباحث قبضت عليهم بتهمة الخطف والابتزاز وحيازة س*لاح.. وأنت؟ أنت خارج من هنا على بوكس النيابة علطول”.
>
بربش طارق بعينيه بذهول، وصمتت الحاجة نادية فجأة، فتابعت كلامي بثقة زلزلت ما تبقى من ثباتهم:
“أستاذ مدحت المحامي قدم الصبح بلاغ رسمي للنيابة العامة بكشف الحساب البنكي، والتوكيل اللاغي اللي حاولت تسرق بيه شقايا، وإقرار مدير البنك بالشروع في السرقة والتزوير. الشيك اللي مع فرج باسمك أنت، والقضايا اللي هتبدأ من اللحظة دي هتشرفك في الحبس سنين.. ودي ورقة دعوى الخلع ونفقة سيف، اتمضت واتسجلت”.
انهارت الحاجة نادية على الأرض تصرخ: “حرام عليكي.. هتسجني جوزك وأبو ابنك؟ خراب البيوت مش بالساهل يا نهى!”
التفت إليها وقلت بمنتهى القوة والشموخ:
“البيت اللي اتصنع من الغدر والخيانة والسرقة هو مقبرة مش بيت.. والخراب الحقيقي هو إني كنت آمن لِعيلة بتاكل لحم الغالي وترمي لابني فضلات الأكل البايت وتقوله أمك مش من عيلتنا. ابنك هو اللي خرب بيته بإيده لما مد إيده على شقا مراته اللي واقفة على رجلها 12 ساعة في النهار”.
تركتهم في ذهولهم وصراخهم، وركبت التاكسي وأنا أتنفس لأول مرة حرية حقيقية، تاركة خلفي ركاماً من الطمع والظلم ينالون جزاءهم العادل بالقانون وسُنة الحياة.
### الحكمة من القصة
إن هذه الحكاية ليست مجرد قصة انتقام أو انتصار لامرأة مظلومة، بل هي ميزان ومحاكمة لطبائع البشر، وتخرج منها الحكم التالية:
* **الأصول لا تُشترى بالمال:** من لا يملك رصيداً من الذوق والرحمة في تعامله مع أقرب الناس إليه وقت الشبع، لن تجد منه إلا الغدر وقت الطمع. اللقمة التي بخلت بها الحماة على طفل صغير كانت القشة التي قصمت ظهر العائلة بكاملها.