وعد على ارتفاع ٣٥ الف قدم ج٣ شروق خالد

مراد وقف مكانه كأنه صخرة، عينيه كانت بتطلع شرار، والقميص الأسود اللي كان لابسه بدا يضيق على صدره من كتر ما نفسه عِلي. في ثانية، مسك التليفون ورزع بيه الحيطة دشدشه ميت حتة.
أنا رجعت لورا وظهري خبط في زجاج البلكونة، كنت بترعش من فوق لتحت. الصوت اللي في التليفون كان فيه نبرة ثقة مرعبة، كلامه عن مراته الأولى معناه إنها مماتتش موتة ربنا.. دي مقتـ..ـولة!
“مراد…” صوتي طلع مخنوق ومش قادرة أقف على رجلي: “مين ده؟ وهي مامت فريدة جرى لها إيه بجد؟”
مراد التفت ليا، وشوفته في اللحظة دي على حقيقته؛ الوش التاني لمراد الألفي اللي السوق كله بيترعب منه. قرب مني، مسك كتافي براحة بس بقوة، وعينيه كانت ثابتة في عيني:
“نور.. اسمعيني كويس. مفيش مخلوق يقدر يمس شعرة منك طول ما أنا عايش. الكلام اللي سمعتيه ده يتدفن هنا في الأوضة، ومش عايز فريدة تحس بحاجة.”
“أدفن إيه يا مراد!” صرخت فيه والدموع نزلت غصب عني: “أنت مخبي عليا إيه؟ أنا دخلت بيتك عشان أرضع بنتك، لقيت نفسي في وسط حرب وعصابات! أنا مالي ومال الكلام ده؟”
مراد أخد نفس طويل، ورخى إيديه من على كتافي، ولف ضهره ليا وبص للمطر بره، وقال بصوت مخنوق:
“أنا مش مجرد رجل أعمال يا نور.. عيلتي زمان كانت داخلة في بيزنس سلا..ح وآثار في الصعيد، وأنا لما كبرت واستلمت الشغل، قفلت كل ده وغسلته، وحولته لشركات مقاولات وحديد واستثمار قانوني ١٠٠٪. بس الماضي مبيسيبش حد في حاله. المنافسين بتوع زمان، وأعداء أبويا، اعتبروا إن نضافتي دي ضعف.. صفّوا مراتي الأولى في المستشفى وهي بتولد فريدة، وبوظوا فرامل عربيتها عشان تتقلب، والدكاترة اضطروا يفتحوا بطنها وهي بتموت عشان يلحقوا البنت.”
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. حطيت إيدي على بوقي وأنا مش مصدقة كمية السواد والغل اللي الناس دي عايشة فيه.
مراد لف وبص لي، وعينيه كان فيها رجاء وندم:
“أنا لما صممت تتجوزيني وتعيشي هنا، مكنتش بس عايز أم لفريدة.. كنت عايزك في حمايتي. قصر الألفي ده متأمن بأحدث أجهزة في العالم، ورجالتي مبيسيبوش ثغرة. أنتِ هنا في أمان يا نور.. أمان أكتر من الشارع ومن بيتك القديم.”
لسة باجي أتكلم وأرد عليه، سمعنا صوت صريخ الشغالة جاي من تحت، وصوت ضرب نار حي بره في الجنينة!
مراد في جزء من الثانية طلع طبنجة من جيبه ورا ضهره مكنتش واخدة بالي منها. مسكني من إيدي وجرني وراه بسرعة على الأوضة اللي فيها فريدة. شال البنت وهي نايمة، وفتح دولاب سري ورا المراية الكبيرة في الأوضة، وزقني جواه.
“أقعدي هنا وماتتحركيش ولا تطلعي صوت مهما حصل.. سامعة؟” قالها وهو بيلقم الطبنجة بتاعته.
“مراد.. هتروح فين؟ متسبناش!” كنت بصرخ بهمس وأنا متبتة في فريدة اللي بدأت تعيط من الخوف.
بص لي نظرة أخيرة، نظرة مليانة حب وخوف حقيقي، وقال: “أنا قولتلك امبارح.. وعد مراد الألفي عهد. رجلي مش هتعتب بره القصر ده إلا وأنتِ مراتي وفريدة في حضنك.. وأنا هطلع أخلص على الكلاب دول وأقفل الحساب القديم ده بنفسي.”
قفل الباب السري وضلمت الدنيا عليا أنا وفريدة.
بره، صوت ضرب النار كان بيهز حيطان القصر.. صوت الصريخ، وتكسير الزجاج، وصوت خطوت رجيل ثقيلة بتقرب من الأوضة بره. فريدة بدأت تعيط جامد، حطيت إيدي على بوقها براحة وأنا بضمها لصدري وبقرأ قرآن في سري، ودموعي نازلة.. وفي اللحظة دي، عرفت إن لو مراد مِرجعش من المعركة دي.. أنا وبنته هنكون الضحية الجاية.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *