وعد على ارتفاع ٣٥ الف قدم ج٣ شروق خالد
حكايات شروق خالد
الصوت كان بيقرب.. خطوات ثقيلة وجري في الصالة اللي برة الأوضة، وصوت تكسير وضرب نار حي مكنش بيفصل. فريدة في حضني كانت بتترعش، وكل اللي قدرت أعمله إني أضمها لصدري وأرضّعها عشان تسكت، كأن لبني هو الحصن الوحيد اللي حاميها وحاميني من الموت اللي برة الدولاب.
وفجأة.. الصوت هدي تماماً.
مبقاش فيه غير صوت المطر والرعد اللي بيهز القصر. فضلت كاتمة نفسي، عيني مبرقة في الضلمة، ودقات قلبي كانت مسموعة لدرجة خفت للي برة يسمعها.
“تك.. تك.. تك..”
صوت خطوات هادية وبطيئة دخلت الأوضة. الخطوات وقفت بالظبط قدام الدولاب السري.. قدام المراية!
أنا اتجمدت، وفريدة نامت في حضني من كتر الخوف والتعب. حسيت إن روحي بتنسحب مني وأنا مستنية الباب يتفتح وأشوف وش القـاتـل اللي جاي يخلص علينا.
“كليك..”
المقبض السري لَف.. الباب اتفتح، والنور ضرب في عيني.
غمضت عيني من الصدمة، ولما فتحتها.. لقيت مراد واقف قدامي.
قميصه الأسود كان متبهدل تراب، وإيده عليها جرح بينزف دم، وماسك الطبنجة في إيده التانية وموجهها للأرض. وشه كان عرقان ونفسه عالي، بس أول ما عينه جت عليا وعلى فريدة، ملامحه هديت تماماً والشر اللي كان في عينه اتمسح.
رمى الطبنجة على السرير ونزل على ركبه قدام الدولاب، ومد إيده المبلولة دم مسك بيها رجلي وقال بصوت دافي بس مهدود:
“اطلعي يا نور.. اطلعي يا حبيبتي.. خلاص، الكابوس انتهى.”
خرجت وأنا برجف، شال فريدة مني وحطها على السرير وغطاها، وبعدين لف ليا وأنا كنت بنهار وبطوح. أخدني في حضنه.. حضن قوي لدرجة حسيت إن ضلوعي هتتكسر، وأنا ممسكتش نفسي وبكيت بأعلى صوت عندي، فضلت أضربه في صدره وأنا بصرخ:
“كنت هتموت وتسيبنا! أنت إيه اللي رماك في السواد ده؟ أنا كنت هضيع أنا وبنتك!”
مراد مسك راسي وباس جبهتي وعينيا، وقال ونبرته فيها كمية ندم وعشق عمري ما شفتها في راجل:
“والله العظيم ما كان ينفع أسيبهم يخرجوا عايشين. الكلاب دول كانوا تلاتة من بقايا العصابة القديمة، دخلوا من السور البحري بمساعدة واحد من أمن القصر.. الخاين اتمسح، والتلاتة الباقيين نايمين في الجنينة برة مستنيين النيابة والإسعاف.”
قعدني على السرير ومسح دموعي بطرف قميصه وكمل:
“الصفحة دي اتقفلت للأبد يا نور. الرأس الكبيرة اللي كلمتني في التليفون.. رجالتي جابوه في نفس الدقيقة في الصعيد، ودلوقتي هو في يد الحكومة وقضايا السلا..ح القديمة هتمرجحه للمشنقة. أنا غسلت الماضي ده بدمي النهاردة عشانك أنتِ وفريدة.”
بصيت للجرح اللي في إيده، قمت بسرعة وجبت علبة الإسعافات البدائية اللي في الحمام. قعدت جنبه وبدأت أطهر له الجرح وأربطه بالـشاش. مراد مكنش باصص للجرح أصلاً، كان باصص لوشي، لـإيديا وهي بترتعش وخايفة عليه.
“نور..” قالها بصوت هادي وناعم.
“نعم يا مراد؟” قلتها وأنا بربط الشاش.
“أنتِ خوفتِ عليا؟”
رفعت عيني وبصيت في عينيه السودا الواسعة، وشفت فيهم الأمان اللي ضاع مني من تلات شهور. الخوف اللي عشته النهاردة مكنش بس خوف على حياتي، كان خوف إني أخسر الراجل ده.. الراجل اللي وراني الوش الحنين والرحيم ورا قناع الجبروت.
“خوفت يا مراد.. خوفت قوي.” قلتها وصوتي اتهز.
مراد ابتسم ابتسامة صافية، مسك إيدي اللي بتربط الشاش وباس باطنها وقال:
“الوعد اللي وعدتهولك في الطيارة، مكنش سجن يا نور.. كان عهد إني هبقى سندك وأمانك لآخر يوم في عمري. النهاردة الحرب خلصت بجد.. وقصر الألفي مابقاش معتقل، بقا بيتك.. وأنا وفريدة بقينا عيلتك.”
بصيت لفريدة اللي كانت نايمة في سلام، وبعدين بصيت لمراد، وحسيت إن ربنا لما بياخد غالي، بيعوض بغالي تاني.. أمل جديد اتولد من وسط ضرب النار والموت.
ومن الليلة دي، مابقاش فيه ورقة ولا حبر، ومبقاش فيه حارس ومسجون.. مابقاش فيه غير نور ومراد وفريدة.. عيلة واحدة، بدأت في الهوا على ارتفاع ٣٥ ألف قدم، واستقرت على الأرض بأقوى رباط في الدنيا.. رباط الحب والدم والوعد الصادق.