نبض تحت الثلج شروق خالد

دخلت ولاء الأوضة بسرعة من غير ما تستأذن حد، وبحركة سريعة شالت الملاية من على وش الطفل. الدكاترة زعقوا فيها وقالوا لها بحدة: “أنتِ بتعملي إيه يا بنت أنتِ؟ اطلعي برة حالا!”
لكن ولاء مسمعتش لحد، حطت صباعين على رقبة يوسف الصغير، وفجأة صرخت فيهم: “الواد لسه فيه نبض ضعيف جداً! النبض لسه ماراحش.. النبض راجع!”
الدكتور الكبير قرب بسرعة وبص في جهاز السونار الصغير المحمول، وعينيه وسعت من الصدمة: “مش ممكن.. النبض فعلاً رجع بس ضعيف ومفيش أكسجين واصل للمخ.. الواد بيموت من الاختناق!”
في ثواني، افتكرت ولاء حالة نادرة درستها الأسبوع اللي فات بس في معهد التمريض ليلًا، حالة عن إنقاذ خلايا المخ من الموت بسبب نقص الأكسجين المفاجئ بعد الولادة من خلال حاجة اسمها “التبريد العلاجي المستهدف”.
من غير ما تفكر، جريت على برة وجمعت كل ثلج متاح من تلاجات المستشفى، وجابت طبق ألومنيوم كبير مخصص للتعقيم، وملته بالثلج وجريت بيه على الأوضة. مريم كانت قاعدة على السرير بتترعش وبتعيط وهي مش فاهمة حاجة، وأحمد كان واقف حاطط إيديه على وشه ومنهار تماماً.
نزلت ولاء على ركبها في الأرض، وحطت يوسف الصغير براحة أوي فوق طبقة الثلج بعد ما لفته بشاش خفيف عشان تحمي جلده من الحرق، وبدأت تعمل له إنعاش قلبي رئة بأطراف صوابعها بحذر شديد وهي بتدعي وتعيط.
الدكاترة وقفوا مذهولين، دكتور الأطفال زعق: “أنتِ بتعملي إيه؟ الثلج ده ممكن يوقف قلبه خالص!”
لكن الدكتور الاستشاري الكبير مسك إيد زميله وقال له بذهول وهو باصص للشاشة: “استنى.. بص على المؤشر! حرارة جسمه لما نزلت، خلايا المخ بدأت ترتاح.. والنبض بدأ ينتظم ويرتفع!”
الكل وقف كاتم نفسه في الأوضة، دقيقة.. دقيقتين.. تلاتة.. والوقت كأنه مبيعديش.
وفجأة، ملى الأوضة صوت صرخة قوية وعياط مجلجل من يوسف الصغير، ووشه اللي كان أزرق بدأ يورد ويرجع له الدم تاني.
أحمد وقع على ركبه في الأرض وهو بيبكي بهيستيريا ويقول: “الحمد لله.. الحمد لله يا رب.. ابني عايش!” ومريم حدفت نفسها من على السرير وحضنت ابنها وهي مش مصدقة المعجزة اللي حصلت قدام عينيها.
الدكتور الكبير بص لولاء اللي كانت واقفة بتترعش ودموعها نازلة من الفرحة، وقرب منها وقال لها قدام الكل: “أنتِ مش عاملة نظافة.. أنتِ دكتورة بقلبك وعقلك.. أنتِ أنقذتي طفل كان بين إيدين ربنا، وحميتي مخه من ضمور محقق.”
أحمد وقف وبص لولاء وعينيه مليانة امتنان ملوش حدود، وقال لها وصوته بيترعش: “أنتِ مش بس رجعتيلي ابني.. أنتِ رجعتي الروح للبيت ده كله. من النهاردة مصاريف دراستك بالكامل في أعلى كليّة تمريض وطب في مصر عليا، وأول ما تتخرجي، مكانك محجوز كمديرة للتمريض في أكبر مستشفى هبنيها باسم ابني يوسف.”
وبعد سنتين..
في نفس المستشفى، كانت ولاء واقفة بالبالطو الأبيض الشيك بتاعها وهي بتشرف على قسم المبتسرين الجديد، ولابسة دبوس على شكل فراشة وردي صغيرة.
دخل عليها أحمد ومريم، ومعاهم يوسف الصغير وهو ماشي على رجليه وبيضحك وزي الفل. أول ما يوسف شاف ولاء، جرى عليها وحضنها، وولاء شالته وضحكت وهي بتقول لمريم: “بسم الله ما شاء الله.. يوسف بقى بطل.”
مريم بصت لولاء وقالت لها: “كل يوم بيعدي علينا ويوسف وسطنا، بنفتكر اللحظة اللي ربنا بعتك لينا فيها زي الملاك.. عشان تثبتي للكل إن إرادة ربنا فوق كل كلام البشر.”

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *