طردها وهي حامل

ولا كان في أي حاجة ممكن تجهزني للي شوفته بعيني على طريق صحراوي خارج القاهرة، وأنا سايق عربيتي في عز الظهر، لما شفت طليقتي واقفة لوحدها جنب الطريق، هدومها بسيطة ومبهدلة، ووشها باين عليه التعب والإرهاق، وفي إيدها كيس بلاستيك مليان علب كانز فاضية لكن كل ده اختفى من قدام عيني أول ما شفت الطفلين اللي كانوا مربوطين في صدرها.
توأم.
طفلين صغيرين، واحد على الناحية اليمين والتاني على الناحية الشمال، نايمين بهدوء كأن الدنيا كلها أمان بالنسبة لهم.
لكن أنا أول ما بصيت في وشهم، حسيت إن نفسي اتقطع.
نفس عينيّ.
نفس شعري الأسود.
وحتى نفس الابتسامة الصغيرة اللي كنت بشوفها كل يوم في المراية.
أنا اسمي أحمد الشناوي، ورجل أعمال، وعندي كل حاجة ممكن أي حد يحلم بيها فلوس، شركات، بيت كبير، وعربية فخمة، لكن رغم كل اللي امتلكته في حياتي، مفيش قرار واحد ندمت عليه قد القرار اللي أخدته من سنة.
اليوم اللي صدقت فيه الأدلة المزورة أكتر من الست اللي كانت بتحبني.
الست اللي كانت مراتي.
والست اللي كانت في الوقت ده شايلة أولادي جوا بطنها وأنا معرفش.
من سنة، كنت طردت مراتي نور من بيتي بعدما اتهمتها إنها سړقت فلوس من حساباتي، وإنها كانت پتخوني، وإنها عاشت معايا سنين وهي بتكدب عليا.
كنت شايف صور.
كنت شايف تحويلات بنكية.
كان عندي شاهد.
حتى عقد ألماس غالي جدًا اختفى من بيت أمي، واتلاقى جوه دولاب نور.
بالنسبة لي وقتها، الموضوع كان محسوم.
ما فكرتش.
ما سمعتش دفاعها.
ما اديتهاش حتى فرصة حقيقية تثبت براءتها.
وقلت لها جملة لحد النهارده بتطاردني
اطلعي بره بيتي يا نور، ومن النهارده إنتِ مش مراتي.
خرجت وهي بټعيط، وفضلت أقول لنفسي إني أخيرًا خلصت من الخېانة والكذب.
لكن الحقيقة كانت أبشع من أي حاجة كنت متخيلها.
في اليوم اللي شفتها فيه على الطريق، كنت راجع من اجتماع مهم ومعايا خطيبتي سارة المنشاوي، وهي واحدة من عيلة كبيرة ومعروفة في القاهرة.
فجأة، سارة مسكت دراعي وقالت
أحمد اركن.
بصيت لها باستغراب.
ليه؟
قالت بسرعة
اركن بس.
وقفت العربية على جنب.
وبمجرد ما بصيت قدامي، حسيت قلبي وقف.
نور؟!
كانت هي.
مراتي السابقة.
الست اللي كنت فاكر إنها خانتني وسرقتني.
لكن شكلها كان مختلف تمامًا.
كانت أضعف من آخر مرة شفتها بكتير، ووشها شاحب، وشعرها مربوط بطريقة عشوائية، وهدومها بسيطة جدًا، وباين عليها إنها عاشت شهور صعبة.
لكن اللي خلاني أنسى كل حاجة كان الطفلين.
نزلت من العربية من غير ما أحس بنفسي.
فضلت أبص عليهم من بعيد.
واحد فتح عينه لحظة.
وبص لي.
نفس عيني.
نفس لون عيني.
والتاني حرك شفايفه بابتسامة صغيرة.
ابتسامة أنا شفتها قبل كده.
في وشي.
في صور طفولتي.
في صور أبويا.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي.
أما سارة، ففتحت إزاز العربية، وطلعت ورقة مالية ورمتها ناحية نور وهي بتقول باستهزاء
خدي يا حبيبتي، روحي هاتي لكِ أكل بدل ما تقفي هنا.
الفلوس وقعت على الأرض.
نور ما انحنتش تاخدها.
ما بصتش حتى ناحيتها.
رفعت عينيها وبصت لي.
ثواني قليلة.
لكن النظرة دي كانت كفاية إنها تكسرني.
ما كانش فيها ڠضب.
ولا كراهية.
ولا حتى رغبة في الاڼتقام.
كان فيها ۏجع.
ۏجع واحدة كانت مستنية مني أصدقها، وأنا خذلتها.
بعدها نور شالت الطفلين ومشيت.
فضلت واقف مكاني وأنا مش قادر أتحرك.
رجعت البيت بالليل، لكني ما نمتش.
فضلت أقلب في دماغي نفس السؤال
مين الطفلين دول؟
وليه شبهوني بالشكل ده؟
تاني يوم الصبح، اتصلت بواحد من أمهر المحققين اللي أعرفهم، اسمه مروان عبد الرحمن.
قلت له
مروان، عايزك تدور في حياة نور من يوم ما خرجت من بيتي لحد النهارده. عايز كل حاجة المستشفيات، الحسابات، المكالمات، الناس اللي اتعاملت معاها، وكل تفصيلة صغيرة.
رد
حاضر يا أحمد.
بعد تلات أيام، الساعة كانت حوالي عشرة

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *