نبض تحت الثلج شروق خالد

لو الواد ده معشش يا مريم، يبقى على الأقل هتفهمي أخيرًا إن ربنا مخلقتيش عشان تبقي أم.
الجملة نزلت زي الطوبة فوق الدماغ في الأوضة الخاصة بمستشفى المبرة بالقاهرة.
مريم، اللي كانت في الشهر التاسع من الحمل ووشها منفوخ ومورم من كثرة البكاء في صمت، ضغطت على الملاية بين صوابعها. وجنبها، قام أحمد من على الكرسي وعينيه بتقدح شرار.
* اتكلمي مع مراتي بأسلوب أحسن من كده، واطلعي برة يا أمي.. أنا بقولك اهو.
الحاجة كريمة مكنتش من الستات اللي بتتهز بسهولة.
كانت لابسة طقم أبيض شيك، وحاطة عقد لولي حوالين رقبتها، وفي عينيها النظرة الباردة لست اتعودت تمشي كلامها على الكل. مريم بالنسبة لها كانت دايماً “الزوجة الضعيفة” اللي “مش عارفة تجيب للبيت وريث”، و”سبب نكد العيلة”.
— بقالكم 10 سنين في نفس الموال — قالت كريمة ببرود —. عيادات، ودكاترة، وسقط، ودعوات، ونذور. العيلة دي بقت شبه صوان العزا اللي مبيخلصش. ابني يستاهل يرتاح، مش يعيش مربوط في مآسيكي.
مريم بصت في الأرض.
فقدت 3 مرات حمل قبل كده، واستحملت علاجات متعبة وحقن بتوجع، وتلقيح كلام من تحت لتحت في تجمعات العيلة، وتعليقات تسم البدن في كل مناسبة. بس النهاردة، وهي حاسة بطفلها بيتحرك جواها، فيه حاجة وجعتها أكتر من أي وقت فات.
ابنها ممكن يكون سامع الكلام والكسرة دي قبل ما يتولد للدنيا.
أحمد فتح الباب على آخره.
* اطلعي برة.
كريمة ابتسمت بمرارة ولوت بوزها.
— لما كل حاجة تتهد فوق دماغك، متبقاش تقول إني محذرتكش.
بعد كام ساعة، بدأ وجع الولادة.
أحمد كان رايح جاي جنب السرير، ماسك إيد مريم بكل قوته كأنه بيحاول يطمنها ويسحب الخوف من صوابعها. أحمد صاحب شركة مقاولات كبيرة في التجمع، راجل متعود يؤمر وينهي ويتفاوض ويكسب. بس قدام وجع مراته، كان باين كأنه طفل تايه ومش بإيده حاجة.
— يوسف جاي يا مريم — همس في ودنها —. ابننا هيبقى زي الفل.
مريم كانت عاوزة تصدقه من كل قلبها.
أوضة البيبي كانت جاهزة من أسابيع في شقتهم في المعادي. السرير الخشب الفاتح، والبطانية المحلاوية اللي مطرزاها والدة مريم، واللعبة الزرقا الصغيرة اللي اشتراها أحمد من النوبة وهو بيقول “عشان تحرس سريره”.
الولادة كانت صعبة وطويلة.
مريم صرخت وبكت ودعت وكنت على سنانها لحد ما، أخيرًا، ملى الأوضة صوت عياط حاد ومجلجل.
* مبروك.. ولد، 3 كيلو و420 جرام – الدكتور قالها وهو بيبتسم.
أحمد انهار من الفرحة.
بكى من غير ما يداري دموعه، وباس راس مريم وهو عمال يكرر الاسم كأنه مش مصدق.
* يوسف… يوسف حبيبي.. ابني.
بس صوت العياط قطع فجأة.
الممرضة وطت على الطفل بسرعة. وندهت لدكتور
#حكايات_شروق_خالد
المبتسرين وحديثي الولادة. ابتسامة الدكتور اختفت تماماً.
* الواد مش بيتنفس.. جهزوا جهاز التنفس فورا.
الأوضة اتقلبت في ثواني لغرفة عمليات طوارئ.
أوامر بتتقال بسرعة، جوانتييات بتتلبس، أجهزة إنذار بتصفر، وخطوات بتجري. مريم كانت بتحاول تفوق وتستوعب اللي بيحصل وهي لسه بتنزف وضعيفة ومش قادرة ترفع راسها.
* في إيه؟ ابني ماله؟ مبيعيطش ليه يا أحمد؟
محدش كان بيرد عليها.
أحمد شاف بعينيه وهم بيضغطوا على صدر يوسف الصغير عشان يشغلوا القلب. شاف مؤشر الشاشة وهو بينزل. شاف الدكاترة بيبصوا لبعض بنظرات يائسة خلت الدم يتجمد في عروقه.
دقائق مرت كأنها سنين.
أخيرًا، دكتور الأطفال رفع إيديه ووشه في الأرض.
* البقاء لله.. مفيش أي نبض، والقلب وقف تماماً.
مريم طلعت صرخة مكتومة متطلعش من بشر.
الممرضة قربت وغطت جسم الطفل الصغير بملائة بيضاء. أحمد وقف مكانه متثبت، إيديه فاضية، كأن روحه هي اللي اتسحبت منه مش ابنه.
في اللحظة دي، كريمة ظهرت عند الباب.
دخلت الأوضة من غير إذن.
مريم بصت لها وهي بتترجى بعينيها تلاقي منها ولو كلمة واحدة حنينة تطيب خاطرها.
بس كريمة لوت بوزها وهمست:
* مش قلتلك؟ هوسك بالخلفة هو اللي دمرنا ودمر ابننا.
أحمد هنا فقد أعصابه تماماً وزعق وطلب الأمن يطردها برة المستشفى كلها.
وهما بيسحبوا كريمة برة في الطرقة، كان فيه بنت شابة من عاملات النظافة واقفة ومتثبتة جنب عربية الممسحة والجرادل بتاعتها.
كان اسمها ولاء، عندها 25 سنة، وبتشتغل في تنظيف المستشفى دي بقى لها 3 سنين، وفي نفس الوقت بتدرس تمريض في المعهد الفني ليلًا.
ولاء شافت حاجة.
هزة خفيفة، حركة صغيرة أوي تحت البطانية البيضا اللي مغطية البيبي.
حاجة لا تذكر.. ميكادش حد يشوفها.
بس كانت كافية تخليها ترمي الممسحة من إيدها وتجري على الأوضة، وقلبها بيدق في صدرها زي الطبل.
ومحدش كان متخيل إيه اللي هيحصل بعد ثواني…
#حكايات_شروق_خالد

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *