حكايه كريمه ج١ انجي الخطيب
فتحت الحلة، الريحة فاحت. إيمان بوزت بوزتها:
— ريحة الشقة بقت “سمنة بلدي” وتوم.. مش عارفة أتنفس، ريحة سوق شعبي!
كلمة “شقتي” هي اللي وجعتني، لأن الشقة دي أصلاً بتاعتي! أنا اللي شاريها “كاش” من شقى عمري، وكاتباها باسم ابني عشان أضمن مستقبله، وسايباهم قاعدين فيها من غير إيجار. إيمان وقتها باست إيدي وقالتلي: “يا أجمل حمات في الدنيا”.
— حمو، مش هتقول حاجة؟
حمو اتلعثم: “يا ماما.. إيمان بس مضغوطة عشان الضيوف، بعدين نتكلم”.
إيمان شالت الحلة، وراحت ناحية باسكت الزبالة الكبير:
— إحنا بنرمي الحاجات اللي مش بتليق بمستوانا.
قلبت الحلة في الزبالة! المحشي بالمرقة بالخضار.. شقايا كله وقع فوق قشر الموز وبواقي الأكل. الصوت كان مسمع في الشقة كلها.
سكتوا كلهم. حمو بص في الأرض.
لميت شنطتي، ووقفت طولي:
— لا يا حمو، مفيش كلام بعد اللي حصل.
وانا خارجة سمعت إيمان بتقول لصاحبتها: “معلش يا حبيبتي، الناس دي مش بتفهم في الإتيكيت”.
نزلت وأنا ماسكة دمعتي و….
نزلت السلم بتاع العمارة، كل درجة كنت بدوس عليها كانت بتحفر في قلبي وجع أكبر من اللي قبله. دموعي كانت محبوسة ورا عيني، حرقاني زي الجمر، بس كرامتي اللي فضلت صايناها 71 سنة كانت مانعاني أعيط قدام أي حد. خرجت من العمارة، الشارع كان زحمة، ناس رايحة وناس جاية، وعربيات فارهة راكنة قدام المولات، ولا حد حاسس بالست العجوز اللي طالعة مكسورة من بيت ابنها اللي ربيته بدم قلبي.
ركبت التاكسي، السواق بص لي في المراية وقال: “يا حاجة، مالك؟ شكلك مش طبيعي، حد زعلك؟”.
هزيت راسي بالنفي، مش قادرة أتكلم، صوتي كان طالع مخنوق، وحلّتي اللي كنت فاكرة إني هفرحهم بيها بقت في الزبالة، وكرامتي اللي كانت أغلى من كل ده اتبهدلت. وصلت بيتي، الشقة اللي كنت بحس فيها بالدفء، لقيتها بقت واسعة وباردة وموحشة. قعدت على كنبتي القديمة، وفتحت الموبايل، لقيت رسالة من “حمو” ابني: “ماما، معلش، إيمان أعصابها كانت تعبانة، متزعليش، هجيلك بكرة”.
ضحكت ضحكة مكسورة، ضحكة وجع. بكرة؟ هو فاكر إن الموضوع أكلة واترمت؟ الموضوع أكبر من كده بكتير.
مرت الليلة، والنهار طلع، وأنا مش نايمة. فكرت في كل حاجة، فكرت في الـ 38 سنة اللي قضيتهم في المحل الصغير، في العرق اللي كان بينزل من جبيني وأنا بقلب المحشي، في الفلوس اللي كنت بحوشها قرش على قرش عشان أجيب له لبس العيد، عشان أسد مصاريف الكلية، وعشان في الآخر أشتري له الشقة اللي طردوني من كرامتها.