حكايه كريمه ج١ انجي الخطيب
“يا طنط كريمة، إيه اللي جايباه معاكي ده؟ ريحة الأكل قلبت الشقة، ريحة طبيخ بلدي تقيل ومزيت!”
زوجة ابني، “إيمان”، قالت الكلمتين دول قدام صحابها اللي كانوا قاعدين في الصالة، وبإيدها كاس عصير، وبابتسامة صفراء مسمومة. أنا كنت واقفة في نص الصالة، شايلة حلة “محشي كرنب” ملفوف ومستوي على نار هادية، لسه طالع من الحلة، لسه ريحته ريحة الخير اللي كان بيملا بيتي.
أنا كريمة، عندي 71 سنة، طول عمري “نفسي حلو” في الأكل. قعدت 38 سنة أبيع أكل بيتي في “محل صغير” في منطقة شعبية، وبعت محشي ومكرونة بالبشاميل وملوخية بالطشة من قبل ما ابني **”محمد”** (اللي كنت مسمياه “حمو” وهو صغير) يتعلم يمشي. بيدي دي، اللي شالت شقا السنين، دفعت مصاريف مدرسته، وجامعته، وبدلاته الغالية، وحتى مقدم الشقة اللي قاعد فيها دلوقتي هو ومراته.
يوم الأحد، صحيت من الفجر عشان أعمل “عزومة” لابني، عملت محشي وممبار وفراخ محمرة. حمو كان بيعشق أكلي، وهو صغير كان بيقولي: “يا ماما لما أكبر وأبقى غني، هاكل من إيدك كل يوم”.
دلوقتي حمو ساكن في شقة “مودرن” في التجمع، عفشها كله رمادي وكراسيها توجع الضهر، ومطبخها تحفة وشيك، بس ولا فيه ريحة طبيخ ولا فيه نَفَس. إيمان، مراته، من النوع اللي بتهتم بـ “اللايف ستايل” والأكل الصحي، ومبيشوفوش حد أكبر منهم إلا لما يورموا وشهم.
لما وصلت، بواب العمارة استقبلني بابتسامة:
— يا ست الكل، جايبة خير معاكي تاني؟
— دي شوية محشي يا عم محمد، قولت أفرحهم، أهو يمكن المرة دي يخلوني أقعد أكل معاهم.
سكت وبص في الأرض، سكوته كان معناه: “يا ريتك ما جيتي”.
رنيت الجرس، حمو فتح وهو متوتر:
— ماما؟ إيه اللي جابك دلوقتي؟ إحنا عندنا ضيوف!
— يا حبيبي قولتلك جايالك الغدا، وعملتلك المحشي اللي بتحبه.
إيمان ظهرت، لابسة لبس غريب وأظافرها طويلة، وبصتلي بصة قرف:
— يا طنط كريمة.. مفاجأة غير متوقعة خالص.
دخلت لقيت صحابها قاعدين، قدامهم أطباق صغيرة فيها جبنات وشوية خضار متقطع، وأكل ملوش طعم. حطيت الحلة على السفرة.
— ده لسه سخن، عملته عشان حمو وحشني.
إيمان قربت بسرعة:
— لا لا يا طنط، إيه ده؟ ضيوفي مش بياكلوا الكلام ده، إحنا بنعمل “ديتوكس” وماينفعش نأكل حاجات تقيلة.
حمو بص في الأرض، مفتحش بقه.
— يا بنتي ده محشي، ده خير وبركة!