حكايه كريمه ج١ انجي الخطيب

القاضي أصدر حكمه بفسخ عقد البيع نظراً لثبوت عدم الالتزام بالشرط المتفق عليه في العقد، وإلزام الطرف الآخر بالخروج من الشقة. الحُكم كان صدمة لحمو، وإيمان فقدت أعصابها في القاعة، وبدأت تصرخ وتهدد.

خرجت من المحكمة، كنت حاسة إن قلبي أخف من الريشة. حمو جالي بره، مسك إيدي: “يا ماما، أرجوكِ، إيمان هتسيبني، والناس هتقول إيه؟”.

بصيت له ودمعة واحدة نزلت من عيني، قلت له: “الناس مش هتقول غير إنك خذلت أمك، والبيت اللي اتهانت فيه كرامتي، ميبقاش بيت. خدوهم وروحوا، بس البيت ده من النهاردة مش ليكم”.

رجعت بيتي، قعدت على كنبتي تاني، بس المرة دي، حسيت إني في بيتي فعلاً. مفيش حد هيقولي ريحة أكل “شعبي”، ومفيش حد هيحسسني إني تقيلة على قلبه. كنت عارفة إن اللي جاي مش سهل، وإن ابني ممكن يخاصمني بقية حياته، بس الكرامة مفيش فيها “نص نص”.

في اليوم التاني، لقيت جرس الباب بيرن. فتحت، لقيت عم محمد، بواب العمارة اللي كنت ساكنة فيها، ومعاه ابنه الصغير.

— “يا ست كريمة، سمعت اللي حصل.. أنتِ ست الكل، والناس اللي زيك هما اللي بيبنوا البيوت بالحب مش بالفلوس”.

ابتسمت له، وقالت له: “يا عم محمد، هات لي حلة كبيرة، أنا ناوية أطبخ أكل شعبي لكل الغلابة اللي في المنطقة.. النهاردة هنعوض المحشي اللي اترمى، بس المرة دي، الأكل هيوصل للي بيعرف قيمته”.

بدأت حياتي الجديدة، مش من الصفر، لا، من خبرة 71 سنة. المحل الصغير اللي كنت قفلته، فتحته تاني. وبدل ما كنت ببيع عشان أسدد ديون وقساط، بقيت ببيع عشان أفرح الناس، وعشان أثبت لنفسي وللناس، إن “النفس الحلو” مش بيضيع، وإن الكرامة هي اللي بتخلي للأكل طعم.

حمو، معرفش عنه حاجة من يومها، بس سمعت إن إيمان سابته، وإن الشقة اتباعت في المزاد. مش زعلانة عليه، هو اختار حياته، وأنا اخترت حياتي. والـ 38 سنة اللي قضيتهم في الشقا، مكنوش ضايعين، كانوا تدريب لللحظة دي.. لحظة ما وقفت فيها قدام الدنيا كلها، وقلت: “أنا كريمة، وأنا بكرامتي، والزبالة مكانها مش المحشي، مكانها أي حد يبيع أهله عشان شوية “إتيكيت” كداب”.

عندي 71 سنة، ولسه قادرة أطبخ، لسه قادرة أضحك، ولسه قادرة أحب.. بس المرة دي، الحب مشروط بالاحترام. والدرس اللي اتعلمته، واللي عايزة كل أم تتعلمه: “ابنك حتة منك، بس كرامتك هي كلك، وإذا ضاعت الكرامة، ميبقاش فيه لا ابن ولا بيت”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *