حماتي حلقت لبنتي زيرو

حماتي حلقت لِبنتي زيرو عشان تعلّمها التواضع بس لما القاضي خيّر جوزي، ردّه كشف الوحش الحقيقي اللي في عيلتنا…
لما فتحت باب أوضة الضيوف عند حماتي، شوفت بنتي اللي عندها تمان سنين قاعدة في الركن، وحاطة إيديها فوق راسها، وبتعيط وسط كومة من شعرها الدهبي.
لمدة تلات ثواني كاملة، عقلي رفض يستوعب اللي عيني شايفاه.
شعر ميدو اللي كان واصل لحد وسطها الشعر اللي كانت بتسرحه كل يوم الصبح كأنه خيوط شمس، واللي كانت مربياه من وقت الحضانة، واللي كنا مسمينه وعد الأميرة كان مرمي على سجادة جوديث كرومويل البيج في شكل خصل تخينة ومذبوحة. في خصل لسه مربوطة بالتوك الموف الصغيرة اللي أنا ربطتهالها الصبح قبل المدرسة، وخصل تانية لازقة على خدود ميدو المبلولة بالدموع وعلى ركب بنطلونها زي أدلة في مسرح جريمة.
وراس بنتي كانت تقريباً قرعة.
مش مقصوص بنضافة، ولا حتى حد قصه وهو خايف عليها.. دي كانت حتت متنتشة ومبهدلة مغطية فروة راسها، وعلامات حمراء في الأماكن اللي المقص جرح فيها الجلد. وخط دم صغير ناشف فوق ودنها الشمال.
همست ميدو؟
رفعت وشها ليا.
وفي اللحظة دي في حاجة جوايا انكسرت مش بصوت عالي، ولا بشكل درامي، ولا بصريخ. انكسرت ببرود، وبشكل قاطع. الجزء الهادي في الأم اللي كان فيه رحمة.. مات.
بنتي حاولت تتكلم بس مفيش صوت طلع.
ورايا، كانت جوديث واقفة في الطرقة، ماسكة مقص كهرباء في إيد وكيس زبالة في الإيد التانية.
قالت كانت محتاجة درس.
لفيت ببطء شديد لدرجة إني كنت سامعة دقات قلبي.
درس؟
شعر جوديث الرمادي كان متسرح بالمللي، وحلق اللولي بتاعها بيلمع تحت الضوء. مكانتش باينة كأنها جدة، كانت طالعة في صورة قاضي بيحكم علينا كلنا.
قالت البنت بقت مغرورة.. طول

الوقت بتلمس شعرها ومعجبة بنفسها. البنت اللي بتعبد شكلها بتكبر وتطلع ست ملهاش شخصية.
بصيت للمقص اللي في إيدها إنتي حلقتي شعر بنتي زيرو.
ردت جوديث بحدة أنا قومتها.. حاجة كنتي إنتي وداستن أضعف من إنكم تعملوها.
لما جابت سيرة جوزي، الدنيا لفت بيا.
وداستن ماله ومال الموضوع ده؟
بؤ جوديث اضم بس عينيها كان فيها نظرة شماتة أنا كلمته الصبح، وقولتله إن ميدو محتاجة تتربى، وهو قالي إني أعمل اللي شايفاه صح.
نفسي اتقطع.
ميدو طلعت صوت مش كلمة، مجرد أنين مكسور مفيش طفل مفروض يطلعه. نزلت على ركبي وزحفت وسط شعرها المرمي عشان أوصلها. أول ما لمست كتفها جفلت، وكنت خلاص هنهار مكاني.
قلت وأنا باخدها في حضني بالراحة يا حبيبتي.. أنا هنا، ماما هنا.
جسمها الصغير كان بيترعش لدرجة إن سنانها كانت بتخبط في بعض.
جوديث نفخت بضيق إنتي بتهولي الموضوع.. ده مجرد شعر يا بيثاني، والشعر بيطول تاني.
ضغطت بوشي على راس ميدو المحلوقة، كانت سخنة.. ومكشوفة.. وضعيفة أوي.
وبعدين ميدو لقت صوتها عشان تقول تلات كلمات بس
بابا قال ماشي.
غمضت عيني.
همستها تاني، كأن التكرار هيقلل الوجع بابا قال ماشي.
بقية العالم اختفى.. البيت، المطر، الست اللي لابسة لولي، المقص، الجواز اللي حافظت عليه 12 سنة وأنا ببلع الإهانات وأسميها سوء تفاهم كل ده وقع، ومفضلش غير بنتي في حضني وهي بتترعش تحت سقف جدتها، وخيانة أبوها قاعدة وسطنا زي مسدس محشو ورصاصته جاهزة.
بصيت لجوديث إبعدي عن الباب.
مش هتمشي بيها من بيتي وهي في الحالة دي.
قلت بصوت واطي لدرجة إنه رعبني أنا شخصياً لو وقفتي بيني وبين بنتي ثانية واحدة كمان، هتندمي على كده طول عمرك.
جوديث وسعت من قدامي.
وأنا شايلة ميدو وماشية في الطرقة، زعقت ورانا بكرة تشكريني.. الجمال زايل، لكن التواضع هو اللي بيبقى.
مردتش عليها.
بس كنت ببص لبنتي الساكتة وبفكر لأ.. اللي بيبقى هو اللي الطفل بيفتكره لما الناس اللي المفروض يحموه يبقوا هما أكتر ناس بيخاف منهم.
قبل الثلاثاء ده، كنت فاكرة إن عيلتي فيها شوية مشاكل، مش إنها مكسورة.
أنا بيثاني كرومويل، 38 سنة، أمينة مكتبة في مدرسة ابتدائي. جوزي داستن، موظف تأمين. كان عندنا بيت أبيض دورين، وقسط بنشتكي منه، وتلاجة متغطية برسومات تلوين، وبنت صغيرة بتصدق إن كل كائن حي ليه قيمة.
ميدو كانت بتسمي الدود اللي بيطلع بعد المطر أسماء قبل ما تشيلهم من على الرصيف عشان محدش يدوسهم. كانت بتعيط لما بنشيل الزرع الشيطاني عشان بيحاولوا يعيشوا. مرة خلت داستن يوقف العربية في نص جراج السوبر ماركت عشان تنقذ فراشة كانت محبوسة في المساحات.
وكانت بتعشق شعرها.
ده مكانش غرور، ده كان فرحة.
كل يوم الصبح كانت تقعد على ترابيزة الحمام وأنا بسلك شعرها الدهبي بالراحة، وتحكيلي أحلامها وأنا بضفرهولها. كان نفسها يطول لحد كعب رجلها زي رابونزل، مش عشان شايفة إن الجمال بيخليها أحسن من حد، بس عشان الأطفال بيتعلقوا بالحاجات البسيطة بخيالهم. في أطفال عندهم عباية بطل خارق، وفي أطفال عندهم كروت كورة، وميدو كان عندها شعرها.
جوديث كانت بتكره ده.
حماتي كانت شايفة إن الحنية دي مرض. ربت داستن لوحدها بعد ما أبوه مشي، وكانت بتستخدم القصة دي كأنها وسام أو سلاح. عمرها ما زعقت، بس كلامها كان بيبقى زي السم. كانت بتسمي طريقتي في التربية دلع، وبتسمي ميدو بتاعة دراما، وتقول إن البنات الصغيرين محتاجين حزم قبل ما العالم يبوظهم.
وداستن كان دايماً بيدافع عنها بنفس الجملة اللي زهقت منها
هي نيتها خير.
لما جوديث قالت إن ميدو بتغني بصوت عالي، كان قصدها خير…
ولما جوديث كانت بتنتقد لبس ميدو أو طريقتها في الكلام، كان داستن بيقول أصلها من جيل قديم يا بيثاني، نيتها خير.
لكن المرة دي، النية الخير سابت بنتي بتبكي وسط كومة من كيانها المرمي على الأرض.
رجعت البيت وأنا مش شايفة قدامي. ميدو كانت لسه ساكتة، مذهولة، بتلمس راسها كل شوية وتتخض لما تلاقي جلدها هو اللي تحت إيدها مش شعرها. دخلتها الحمام، وبكل هدوء غسلتلها راسها عشان أشيل آثار الدم الناشف ومسحت دموعها. لبستها آيس كاب قطن، وحضنتها لحد ما نامت من كتر التعب والقهر.
الساعة كانت 6 المغرب لما سمعت صوت عربية داستن في المدخل.
دخل البيت وهو بيصفر، شايل كيس فاكهة وكأنه يوم عادي جداً. أول ما شافني واقفة في نص الصالة، ابتسامته اختفت تدريجياً.
بيثاني؟ مالك؟ وشك قالب ليه كده؟
بصيت له وكأني أول مرة أشوفه. الراجل اللي اخترته عشان يحميني ويحمي بنتنا، طلع هو اللي مهد الطريق للوحش عشان ينهشها.
قلت بصوت ميت إنت قولت لأمك تعمل كده؟
ارتبك وبدأ يفرك إيده في بنطلونه عملت إيه؟ جوديث كلمتني الصبح وقالت إن ميدو كانت بترد عليها بقلة أدب وبتبص في المراية بتكبر، وقالت إنها محتاجة قرصة ودن عشان ترجع تتواضع. أنا قولت لها ماشي، اتصرفي.
قربت منه خطوة واحدة هي حلقت لها شعرها يا داستن. زيرو. بالمقص الكهرباء. جرحت فروة راسها ونزفت.
وشه بيضّ، وبدأ يبلع ريقه بصعوبة إيه؟ لأ.. هي قالت هتقصره شوية.. يعني كاريه أو حاجة عشان تعذبها.. هي أكيد مكنش قصدها…
قطعت كلامه بزعيق لأول مرة في حياتي متقولش نيتها خير! البنت مدمرة! بنتك قاعدة فوق بتموت من الرعب عشان أبوها وافق إن جدتها تنهشها!
في اللحظة دي، جوديث اتصلت بموبايله. فتح الخط والسمّاعة

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *