الضحيه والجلاد ج٢ منى السيد
الجزء الثالث
العساكر دخلوا الجنينة وخطواتهم كانت بتعمل صوت مرعب على أرضية النجيل الخضرا. محمود كان وشه جايب ألوان، عينه كانت بتلف في المكان زي الفار المحبوس في مصيدة، يبص لي مرة ويبص للضابط وللعساكر اللي بيقربوا منه مرة تانية. سهير بدأت تصرخ بصوت هيستيري وهي بتلطم على خدودها:
— إنتوا بتعملوا إيه؟ إنتوا مش عارفين إحنا مين؟ أنا الدكتورة سهير الشناوي! البنت دي كدابة ومألفة الفيلم ده كله عشان تنتقم مننا! محمود ابني معملش حاجة!
الضابط طارق، اللي كان واقف بكل هيبة، شاور للعساكر وقال بنبرة حاسمة:
— كل شيء متسجل ومثبت يا دكتورة. الفيديو والصوت واضحين، وعندنا بلاغ رسمي بتعذيب وحبس حرية المدعوة نهى أحمد، ده غير البلاغات اللي لسه واصلة حالا من المحامي بتاع أستاذة داليا بخصوص محاولة النصب والاستيلاء على شركة دعاية. هاتولي محمود حسن الشناوي، وهاتوا الدكتورة سهير.
محمود جه يرجع لورا ويحاول يهرب ناحية الباب الجانبي للفيلا، بس اتنين عساكر قفشوه من دراعاته ولوا إيده ورا ظهره. الكلب اللي كان من شوية ناسي الدنيا وبيتفرج على مرات أخوه وهي بتضرب، كان بيترعش ودموعه نازلة من الخوف:
— داليا! بالله عليكي متخربيش بيتي! أنا بحبك يا داليا، والله كنت هسدد الديون وأعيشك هانم! متعمليش فيا كده قدام الناس!
ضحكت بسخرية وبصيت له وعيني مليانة احتقار:
— تحبني؟ إنت تعرف يعني إيه حب أصلاً يا محمود؟ الحب عندك هو إنك تسرق شقا عمري وتخليني أركع في المخزن زي نهى؟ إنت وعيلتك مكانكم الطبيعي ورا القضبان، عشان تنوروا كريم أخوك وتعملوا لم شمل هناك في السجن.
المعازيم كلهم كانوا واقفين يتفرجون ويسجلوا بالموبايلات، الفضيحة بقت بجلاجل، ورجال الأعمال اللي محمود كان عايز يتفشخر قدامهم بنقل ملكية الشركة، كانوا بيبصوا له بقرف وانسحبوا واحد ورا التاني عشان ميتورطوش في السمعة دي.
في وسط الهيصة دي، أنا مسكت إيد سمر وقولت لها:
— نهى فين يا سمر؟
— نهى جوه في المطبخ يا داليا، خايفة تخرج وسط الناس.
— تعالي معايا.
دخلت الفيلا وجريت على المطبخ. لقيت نهى قاعدة في الركن، لامة رجليها وبتعيط بس المرة دي دموعها كانت دموع راحة. أول ما شافتني، وقفت وجريت عليا وأنا أخدتها في حضني. فضلت تطبطب على ضهري وتقول:
— عملتيها يا داليا… نصرتيني ونصرتي نفسك. أنا مش مصدقة إن الكابوس ده خلص، مش مصدقة إن سهير ومحمود هيمشوا مكلبشين.
طلعتها معايا برا المطبخ، وخليت الضابط طارق يشوف الكدمات اللي في إيديها ووشها بنفسه. طارق هز راسه وقال:
— متقلقيش يا مدام نهى، إنتِ هتيجي معانا النيابة تثبتي كل ده في المحضر، وهيتم تحويلك للطب الشرعي لإثبات الإصابات. حقك مش هيضيع.
بصيت لعمي حسن الشناوي، الراجل العجوز اللي كان قاعد على الكرسي حاطط راسه بين إيديه ومش قادر يرفع عينه في حد. صعب عليا لثانية، بس افتكرت سكوته ورضاه باللي بيحصل في بيته، فقولت له بقسوة:
— يا خسارة اسمك وتاريخك يا حسن بيه. سيبت مرات ابنك تتذل وابنك الكبير يتسجن وكنت مستني ابنك الصغير يسرقني عشان تداروا على فلاسكم؟ المركب لما بتغرق، مبترحمش حد… وإنتوا مركبكم غرقت خلاص.
على الساعة اتنين بالليل، كنا كلنا في قسم الشرطة. أنا وسمر والمحامي بتاعي، ومعانا نهى اللي كانت بدأت تسترد شجاعتها. سهير ومحمود كانوا قاعدين في حجز التحقيق، وصوت سهير كان جايب لآخر الممر وهي بتزعق للمحامي بتاعهم:
— اتصرف يا متر! خرجنا بكفالة! أنا مقعدش في المكان ده وسط المجرمين!
والمحامي كان بيرد عليها بقلة حيلة:
— يا دكتورة، الفيديو حقيقي ومعانا تسجيلات تانية مقدمينها، ده غير إن النيابة بكره هتعرضكم على مستشار التحقيق والتهمة فيها حبس وعقوبة مشددة لأنها جناية تعذيب واحتجاز دون وجه حق، ده غير قضايا الشيكات والنصب. الموضوع كبر أوي.
محمود شافني وأنا معدية من قدام الحجز عشان أمضي أقوالي، وقف ورا الحديد وبص لي وعينيه كلها غل وندم في نفس الوقت:
— ماشي يا داليا… إنتِ طالق! طالق بالتلاتة! افتكري إنك ضيعتي الراجل اللي كان هيصونك!
وقفت وبصيت له ببرود وابتسمت:
— طلاق إيه يا مغفل؟ إحنا كتبنا الكتاب بس أنا ممضيتش على قسيمة الجواز في خانة العروسة! أنا كنت بتمم الإجراءات قدام الناس عشان الفخ يكمل والفيديو يشتغل، يعني إنت قانوناً متجوزتنيش أصلاً ولا تقدر تلمس شعرة مني. المأذون نفسه كان عارف بالطبخة وممضانيش على الأصل. إنت طلعت من المولد بلا حمص… وبلا شرف كمان.
سيبته واقف يضرب دماغه في حديد الحجز، وخرجت بره القسم وأنا حاسة بنسمة هواء باردة بتغسل كل التعب والخوف اللي عشته الأسبوعين اللي فاتوا.
بعد يومين من الليلة دي، قعدت في مكتبي بالشركة. المكان كان هادي، والموظفين بدأوا يرجعوا لشغلهم الطبيعي بعد ما الإشاعات مالت البلد. سمر دخلت ومعاها كوبايتين قهوة، حطت واحدة قدامي وقعدت:
— ها يا شريكتي الكبيرة، خطوتنا الجاية إيه؟
— خطوتنا الجاية هي نهى يا سمر. البنت دي لازم تقف على رجليها. أنا كلمت المحامي يرفع لها قضية خلع من كريم، وبدأنا إجراءات عشان تاخد عيالها من المدرسة الداخلي ويعيشوا معاها. وهتقعد معايا في شقتي القديمة لحد ما أمورها تتظبط.
سمر ابتسمت:
— وإنتِ يا داليا؟ مش خايفة محمود أو عيلته يخرجوا بكفالة ويفكروا ينتقموا؟
شربت بوق من القهوة وبصيت لها بثقة:
— يخرجوا فين؟ المحامي بتاعي جاب قرار حظر سفر ليهم كلهم بناءً على قضايا الديون الجديدة اللي حركناها ضدهم. وشركة الدعاية الفاضية اللي كانوا عايزين ياخدوها، أنا قدمت طلب إفلاس رسمي ليها بسبب الديون الوهمية اللي عملناها مع شركتك الجديدة. يعني هما دلوقتي لو فكروا يحطوا إيدهم على أي حاجة، هيلاقوا نفسهم مطالبين يدفعوا ملايين تانية هما مملكوش منها جنيه واحد. العيلة دي انتهت يا سمر، انتهت للأبد.
تليفون المكتبي رن، سمر ردت وقالت لي:
— داليا، ده محامي عيلة الشناوي على التليفون، بيترجاكي تقابليه عشان يوصل لصلح أو تنازل عن قضية التعذيب مقابل إنهم يكتبوا لنهى تنازل عن كل مستحقاتها وعيالها بالود.
أخدت السماعة وقولت بنبرة حادة:
— اسمع يا متر، قول لسهير ومحمود إن داليا سامح مبيتلويش دراعها. مفيش صلح ومفيش تنازل. هما هيتحاكموا وهيأخدوا جزاءهم، ونهى هتاخد عيالها بحكم القانون غصب عن عين أي حد. والفيلا بتاعة التجمع دي، أنا هشتريها من المزاد العلني لما البنك يعرضها للبيع، وهعملها فرع جديد لشركتي… عشان كل ما يفتكروا اسمي، يعرفوا إنهم لعبوا مع الشخص الغلط.
مر أسبوع كمان، والأمور بدأت تاخد مجرى رسمي وصارم. نهى راحت عاشت معايا، وبقت واحدة تانية خالص. قصت شعرها المتبهدل، وبدأت تاكل كويس، والضحكة رجعت لوشها من تاني بعد ما شافت عيالها في حضنها. في يوم بالليل، كنا قاعدين بنشرب شاي في البلكونة، بصت لي وقالت:
— داليا… أنا ساعات بكتشف إني كنت عايشة في وهم. كنت فاكرة إن الفلوس والفيلا والمظاهر هما الأمان، ووافقت على إهانات كتير في الأول عشان مأرجعش بيت أهلي مطلقة. بس شوفتك إنتِ، واقفة بطولك، بتمشي شركة وفي نفس الوقت مخلتيش كلب فيهم يقدر يكسرك. أنا عايزة أشتغل معاكي يا داليا، عايزة أتعلم أكون قوية زيك.
مسكت إيدها وقولت لها:
— وإنتِ قوية يا نهى. الست اللي تستحمل كل ده وتخاطر بنفسها عشان تنقذ بنت متعرفهاش من نفس المصير، تبقى بـ 100 راجل. من بكره تنزلي معايا الشركة، هتبدأي في قسم العلاقات العامة وتتعاملي مع الناس، وعايزاكي تفتكري دايماً إن مفيش بني آدم في الدنيا يقدر يكسرك طول ما إنتِ واقفة على أرض صلبة.
لكن الدنيا مبتمشيش دايماً بالسهولة دي…
يوم السبت الصبح، وأنا داخلة الشركة، لقيت سمر بتجري عليا ووشها مخطوف تماماً:
— داليا! الحقيني! مصيبة!
— في إيه يا سمر؟ اتكلمي بسرعة!
— محمود… محمود هرب!
— هرب إزاي؟ ده محبوس على ذمة القضية!
سمر كانت بتنهج وهي بتوريني الموبايل:
— المحامي لسه مكلمني. محمود ادعى التعب امبارح بالليل ونقلوه مستشفى قصر العيني تحت الحراسة. وفي وسط الفجر، دخل واحد قريبه متنكر في لبس دكتور، خدر العسكري اللي واقف على الباب، ومحمود هرب معاه! والشرطة مقلوبة عليه دلوقتي. بس المشكلة مش هنا يا داليا… المشكلة إن المحامي بيقول إن محمود ساب رسالة على سرير المستشفى مكتوب فيها اسمك واسم نهى!
حسيت برعشة خفيفة مشت في ضهري، بس ثبت نفسي. محمود بره، وداير زي الكلب السعران، ومعندوش حاجة يخسرها بعد ما خسر فلوسه وسمعته وعيلته.
طلعت موبايلي وكلمت الضابط طارق فوراً:
— ألو، طارق بيه… عرفت بموضوع محمود؟
— أيوة يا داليا، لسه كنت هكلمك. إحنا بعتنا قوة حراسة تقف تحت شقتك وتحت الشركة. محمود دلوقتي خطر لأنه بيمر بحالة جنون وممكن يعمل أي تصرف متهور. أرجوكي خدي بالك وماتتحركيش من غير حراسة، وخلي نهى معاكي دايماً.
قفلت السكة وأنا ببص لسمر ونهى اللي كانت واقفة ورايا وبتترعش من الخوف تاني:
— داليا… محمود هيجي يقت/لنا صح؟ محمود مش هيسيبنا في حالنا!
قربت منها وحطيت إيدي على كتفها وقولت بصوت قوي ماليان تحدي:
— محمود أجبن من إنه يواجه يا نهى. هو دلوقتي بيدور على جحر يستخبى فيه. بس لو فكر يجي لحد عندي… هيبقى هو اللي كتب نهايته بإيده. أنا مش هخاف، وإحنا مش هنستخبى.
وفعلاً، مر يومين والتوتر مالي المكان. الحراسة واقفة تحت الفيلا وتحت الشركة، وأنا بمارس شغلي عادي جداً بس عيني وسط راسي.
في يوم، الساعة كانت حوالي تسعة بالليل، كنت سهرت في المكتب لوحدي بخلص ميزانية الشركة الجديدة. سمر ونهى كانوا مشيوا من بدري مع الحارس.
قمت عشان ألم حاجتي وأمشي، وفجأة… النور انقطع عن الدور كله!
صمت تام وسكون مرعب حل في الشركة. طلعت كشاف الموبايل وبدأت أمشي براحة في الممر الواسع بين المكاتب. سمعت صوت خطوة خفيفة ورايا… خطوة سريعة.
لفيت بسرعة ووجهت كشاف الموبايل ناحية الصوت…
ولقيت قدامي شخص لابس كاب مغطي وشه، وفي إيده سـ*ـكينة طويلة بتلمع في الضلمة.
الراجل رفع راسه، وبان وشه تحت ضوء الكشاف… كان محمود! بس وشه كان متبهدل، ودقنه نبتت، وعينيه كانت طالع منها شرار وجنون كامل.
ابتسم ابتسامة مرعبة وقال بصوت فحيح الأفاعي:
— قولتلك يا داليا… إنتِ اللي ضيعتي نفسك… والنهاردة، شقا عمرك وروحك هينتهوا هنا…
#حكايات_مني_السيد
الفصل الأخير: الحقيقة اللي بتوجع.. والبداية اللي بتبدأ
الضلمة كانت تقيلة، مفيش غير نور الموبايل اللي بيهزّ المسافات، بيعمل خيالات مرعبة على الحيطان. محمود كان واقف، شكله مبهدل، هدومه اللي كانت دايمًا مكوية بقت مشقوقة، ودقنه خشنة وعينيه غايرة لجوه، فيها لمعة جنون ما شفتهاش في حد قبل كده. الس/كينة في إيده كانت بتبان وتختفي مع حركة إيده العصبيّة.
قلبي كان بيدق في ودني زي طبلة، بس عقلي كان أسرع من خوفي بكتير. سألت نفسي: “داليا، إنتِ بنيتي الشركة دي طوبة طوبة، هتسمحي لواحد زي ده ينهيها؟ لا طبعاً.”
محمود اتنفس بصوت عالي ومسموع، وقرب خطوة تانية.
— عارفة يا داليا؟ أنا كنت بحبك بجد… في الأول. كنت شايفك طوق النجاة، كنت شايف فيكي الست اللي هتخرجني من جحيم عيلة الشناوي. بس إنتِ اللي أجبرتيني! إنتِ اللي خليتيني أتحول للوحش ده. لولا طمعك في شركتك، ولولا أنانيتك في إنك ترفضي تساعديني، ماكنتش وصلت لهنا!
ضحكت بسخرية، كانت ضحكة طالعة من روحي، حتى وأنا في الموقف ده.
— تلومني أنا يا محمود؟ تلوم الضحية إنها رفضت تكون قربان؟ إنت مش محتاج مساعدة، إنت محتاج مصحة. إنت وعيلتك كنتوا عايزين تسرقوا شقا عمري عشان تداروا على فلاسكم وعمايلكم السودا. متلبسنيش توب الذنب عشان تغطي على وساختك.
اتجنن من كلامي، واندفع نحوي فجأة، بس أنا كنت عارفة أنا فين. دي مكتبي، دي مملكتي اللي أنا راسمها. عارفة كل حتة فيها، عارفة فين الكراسي، وفين الأسلاك، وفين مخارج الطوارئ. رميت في وشه كاس القهوة اللي كان على مكتبي، مية سخنة طرطشت في وشه، فصرخ وغمض عينيه للحظة.
اللحظة دي كانت كفاية.
جريت ناحية “لوحة التحكم” في ركن المكتب. المكتب متصمم بنظام سمارت، كنت عاملاه كجزء من تطوير الشركة. بلمسة واحدة على زرار مخفي تحت الطاولة، كل أنوار المكتب نورت فجأة، بضوء أبيض ساطع زي ضوء النهار، وكأن فيه فلاش كاميرا ضخم اتضرب في عينيه.
محمود اتصدم من النور، ووقع على الأرض وهو بيحاول يغطي عينيه بإيده. استغليت الفرصة، وجريت ناحية باب المكتب اللي بيفتح على الممر، وخرجت وقفلته ورايا بسرعة… بس نسيت حاجة واحدة: المكتب ده بباب زجاجي مقوى، لو ضغطت على كود القفل من بره، هيتحول لزنزانة.
ضغطت الكود. الباب اتقفل بتكة ميكانيكية قوية. محمود خبط على القزاز بإيده، وبدأ يصرخ بجنون ويحاول يكسر الباب بالس/كينة اللي في إيده. القزاز ما اتحركش، كان أمتن من غضبه.
وقفت ورا القزاز، بنهج، ودموعي بدأت تنزل من الادرينالين اللي في جسمي. هو كان جوه، وأنا بره.
— افتحي الباب يا داليا! افتحي يا جبانة! هق/تلك! وحياة أمي هقت/لك!
طلعت موبايلي، وبأيد بترعش اتصلت بالضابط طارق.
— طارق بيه… محمود عندي في المكتب. قفلته عليه. تعالوا بسرعة!
بصيت لنهى اللي كانت لسه واصلة مع الحرس، كانت مذهولة وشايفة الموقف. حضنتني جامد وهي بتبكي.
— خلاص يا داليا، كابوس وخلص. هو جوا، والشرطة في الطريق.
قعدنا على الأرض في الممر، مستنيين. الموقف كان سريالي. محمود اللي كان بيخطط يتجوزني عشان يسرقني، قاعد دلوقتي محبوس في أوضتي، بيخبط على القزاز زي الحيوان المحبوس في قفص. كان بيبص لي وعينيه مليانة انكسار، مش غضب بس. انكسار واحد عرف إن اللعبة انتهت.
بعد دقايق، صوت سرينة البوليس ملى المكان. الضابط طارق دخل مع رجالة مسلحة، أحاطوا بالمكتب. محمود، لما شافهم، رما الس/كينة على الأرض وبدأ ينهار، قعد على الركبة ورفع إيده، وكأنه استسلم أخيرًا للواقع اللي كان بيحاول يهرب منه.
فتحوا الباب، ودخلوا عليه. مفيش أي مقاومة، كان خلاص خلصان.
وأنا واقفة بتبص، حسيت إن فيه حمل جبال اتشال من على كتافي.
الأيام اللي بعد كده كانت زي العاصفة. محاكمات، تحقيقات، وشهادات.
عيلة الشناوي وقعت زي بيت الورق. سهير، الدكتورة الجامعية، دخلت السجن بتهمة التعذيب والتحريض. وعمي حسن، رجل الأعمال المحترم، طلع غرقان في قضايا نصب وتزوير أوراق رسمية عشان يغطي ديونهم، وحكموا عليه بالسجن. أما محمود… فكان له نصيب الأسد من الأحكام بسبب محاولة الق/تل والهروب من الحجز.
في وسط كل ده، كانت نهى هي بطلتي الحقيقية. نزلت وشهدت بكل حاجة، وبكل جراءة حكت عن سنين الذل اللي عاشتها.
بعد ست شهور من الواقعة دي، كنت واقفة في مكتبي، بفتح فرع جديد للشركة. نهى كانت واقفة جنبي، بتظبط ترتيبات الحفل. لبسها كان شيك، وشعرها كان متسرح بنعومة، وعينيها كان فيها بريق حياة ما شفتوش فيها قبل كده.
— داليا، إنتِ متأكدة إننا جاهزين؟
بصيت لها وابتسمت.
— إحنا مش بس جاهزين يا نهى، إحنا مستعدين نغير قواعد اللعبة.
في الحفل ده، عزمت ناس كتير. رجال أعمال، أصحاب شركات، وكمان الضابط طارق اللي كان له فضل كبير في إنقاذ حياتي.
لما وقفت ألقي كلمة، بصيت للحاضرين. ما كنتش بكلمهم عن أرباح ولا عن توسعات. كنت بكلمهم عن الستات اللي بيتم استغلالهم، عن الظلم اللي بيتحط في قوالب “احترام” و”عيلة”، وعن القوة اللي ممكن نلاقيها جوانا لما نقرر إن كفاية كده.
نهى وقفت جنبي، والكل صفق لنا. كان لحظة انتصار مش بس عليا، دي كانت لحظة انتصار لكل واحدة مريت بتجربة شبه تجربتنا.
لما رجعت البيت في اليوم ده، قعدت لوحدي في البلكونة. كان الجو هادي. مسكت تليفوني وبصيت على الرسالة اللي كنت كتبتها لمحمود في المحكمة، رسالة ما بعتهاش، بس كنت محتاجة أكتبها عشان أفرغ كل اللي في قلبي.
“يا محمود… إنت كنت فاكر إنك بتلعب بيا، بس الحقيقة إنك كنت بتلعب بحياتك. إنت ما كنتش ضحية للديون ولا للظروف، إنت كنت ضحية لنفسك ولطمعك. أنا مش شايلة لك غل، لأن الغل ده طاقة، وأنا قررت أستثمر طاقتي في بناء بدل ما أضيعها في الهدم. أتمنى السجن يعلمك درس عمرك، إن الكرامة مش بالفلوس ولا بالفيلا، إنما بالأفعال.”
سحبت “ديليت” على الرسالة. خلاص، ما بقاش له وجود في تفكيري.
بصيت قدامي، للدنيا اللي لسه مفتوحة قدامي. شركتي كبرت، نهى بقت مديرة الفرع الجديد، وحياتي خدت منحنى تاني خالص.
بقيت أصحي الصبح وأنا عارفة إني مسؤولة عن قراراتي، مسؤولة عن حياتي، ومسؤولة عن حماية كل اللي بيشتغلوا معايا.
في يوم، كنت ماشية في المول، شفت واحدة ست، كانت بتبص على فستان، وبصيت وراها لقيت جوزها بيكلمها بطريقة مش كويسة، وبيسحبها من إيدها بقوة.
قلبي وجعني. وقفت لحظة، فكرت: “هل أتدخل؟”
لا، مش هتدخل في حياتهم، بس قررت أعمل حاجة تانية.
دخلت المحل، ووقفت جنبها، ابتسمت لها وقلت لها: “الفستان ده لايق عليكي أوي، يخليكي تحسي إنك ملكة.”
الست بصت لي باستغراب، وبعدين ابتسمت ابتسامة خجولة، وقالت لجوزها بصوت مسموع: “أنا هاخده.”
جوزها سكت، وكأنه اتفاجئ بثقتها اللي ظهرت فجأة.
مشيت وأنا حاسة إن ده هو دوري دلوقتي. مش بس أنجح في الشغل، بس أساعد غيري يشوفوا قوتهم.
الحياة مش دايماً وردي، وهنواجه تحديات، وهنقابل ناس زي عيلة الشناوي. بس السر مش في إزاي نتجنبهم، السر في إزاي نخرج من مواجهتهم أقوى، أنضف، وأكثر وعي.
نهى دخلت مكتبي ومعاها فنجان قهوة.
— داليا، فيه عميل جديد عايز يقابلنا، بيقول إنهم شافوا شغلنا في الحفل الأخير وعايزين نعملهم تنظيم كامل لافتتاح فرعهم.
أخدت القهوة، وابتسمت لها.
— خليهم يدخلوا يا نهى. نوري المكتب… إحنا لسه بنبدأ.
القصة دي مش نهايتها إني انتقمت، نهايتها إني لقيت نفسي. لقيت داليا الحقيقية اللي كانت مستخبية ورا طموح الشغل وورقة الجواز. لقيت إن القوة الحقيقية مش في إنك تكسر اللي قدامك، القوة هي إنك تبني نفسك لدرجة إن مفيش حد يقدر يكسرك.
كل ما أبص للفيلا اللي كانت عيلة الشناوي عايشين فيها، واللي بقت دلوقتى جزء من أصول الشركة، بفتكر نهى وهي في المطبخ، بتاكل رز ومية، وبفتكر الكدمات اللي كانت على إيديها. وبوعد نفسي، إن لا نهى، ولا أي ست تانية، هتعيش كده تاني طول ما أنا موجودة.
مرت سنين، وكل ما أفتكر الليلة دي، ليلة الخناقة في المكتب، ببتسم. مش ليلة الرعب، لا، دي كانت ليلة “الميلاد التاني”.
في يوم من الأيام، كنت في مكتب نهى، بنراجع الحسابات، وقالت لي:
— داليا، كريم جوزي… بعت لي رسالة من السجن.
وقفت، وبصيت لها.
— وعايز إيه؟
— بيعتذر. بيقول إنه ندمان على كل حاجة، وإنه بيحاول يغير نفسه.
سكتت للحظة، وبعدين بصيت لها:
— وإنتِ نويتي على إيه؟
نهى سكتت هي كمان، بصت للشباك، للشارع الزحمة، للدنيا اللي ماشية ومبتقفش على حد.
— أنا نويت أبدأ حياة جديدة يا داليا. صفحة بيضا، من غير وجع، ومن غير ذكريات. كريم جزء من الماضي، والماضي ده أنا قفلته بمفتاح.
ابتسمت لها، وقلت لها:
— ده أحسن قرار خدتيه في حياتك.
أيوة، الماضي بيشكلنا، بس مش لازم يحبسنا. احنا اللي بنختار نعيش في قفص الذكريات، أو نفتح الباب ونمشي في النور.
محمود، وسهير، وحسن، وحتى كريم… كلهم كانوا مجرد فصول في كتاب حياتي. فصول قاسية، فصول علمتني، بس الأهم من ده كله… إنها مش هي اللي بتكتب النهاية.
النهاية أنا اللي بكتبها، بقراراتي، وبشغلي، وبحب الناس اللي حواليا اللي بجد بيحبوني.
داليا سامح، اللي بدأت بلابتوب مستلف، بقت النهاردة أيقونة في مجالها، بس الأهم من كده، بقت ست واعية، قوية، ومستعدة لأي تحدي يواجهها.
وفي آخر يوم في السنة، وأنا واقفة في مكتبي، ببص على القاهرة وهي بتنور بالأنوار في ليلة العيد، حسيت بسلام ما حسيتوش قبل كده.
حسيت إن كل حاجة حصلت كان ليها معنى.
حتى ليلة الرعب، حتى الس/كينة اللي شفتها بتلمع في الضلمة… كان ليها معنى.
عشان هي دي اللي خلتني… أنا.
أخدت نفس عميق، وطلعت بره المكتب، ولقيت فريق عملي كله بيستناني عشان نحتفل.
بصيت لهم، بصيت لكل واحد فيهم، اللي وثق فيا لما كنت لسه في أول الطريق، واللي انضم لنا بعد ما سمعوا عن نجاحنا.
حسيت إن دي هي العيلة الحقيقية. مش عيلة الدم والورق، دي عيلة الإنجاز، عيلة الاحترام، وعيلة الأمان.
رفعت كاس العصير بتاعي، وقلت بصوت عالي:
— للسنة الجديدة… وللإنجازات اللي جاية. وللناس اللي بتخلينا أحسن نسخة من نفسنا.
الكل صفق، ونهى كانت واقفة جنبي، بتبتسم وبتبص لي بامتنان.
فهمت وقتها إن الحياة مش بس عن إزاي نعيش، الحياة عن إزاي نعيش بكرامة، وإزاي نكون سند لبعض في وقت الضيق.
حكايتي ما انتهتش هنا، دي كانت مجرد بداية. بداية لحياة، بداية لنجاح، وبداية لدرس كبير اتعلمته…
إنك لو كنت شجاع، لو كنت صادق مع نفسك، لو كان عندك إرادة… الكون كله بيتغير عشان يخدمك.
قفلت باب المكتب، وخرجت مع نهى وفريق العمل، وأنا عارفة إن بكرة هيكون يوم جديد، تحدي جديد، وإنجاز جديد.
الضلمة اللي عشتها في المكتب، بقت ورايا، والنور اللي دخلته في حياتي، هو اللي بيمحي أي أثر للظلام ده.
الحكاية خلصت، بس الوجع اتحول لقوة، والخوف اتحول لشجاعة.
وداليا سامح… هتفضل دايماً هنا، واقفة، قوية، ومستعدة تحارب عشان كل اللي بتؤمن بيه.
#حكايات_مني_السيد
(خاتمة إضافية لتأكيد اكتمال المشهد):
الصبح، وأنا داخلة الشركة، قابلت الموظف الجديد، شاب صغير لسه متخرج، عينه كانت بتلمع حماس. سألني:
— يا أستاذة داليا، إيه السر؟ إيه سر النجاح اللي الكل بيتكلم عنه؟
وقفت، وبصيت له، وبعدين بصيت على نهى اللي كانت واقفة جنبنا.
السر مش في الكورسات، ولا في المهارات، ولا في الفلوس.
السر في إنك تكون “إنسان”.
إنك تشوف اللي قدامك، وتحس بيه.
إنك لما تقع، تقوم وتنفض التراب عن هدومك، وتكمل.
وإنك لما حد يحاول يكسرك، تطلع النسخة الأقوى من نفسك.
ضحكت وقلت له:
— السر إنك تختار نفسك دايماً.
دخلت المكتب، قعدت على الكرسي، فتحت اللابتوب، وبدأت يوم جديد.
يوم جديد، في حياة داليا سامح.
حياة، كانت ممكن تنتهي في ليلة سودا، بس اختارت إنها تبدأ من جديد، وتكتب حكايتها… بطريقتها.
مفيش حاجة اسمها “نهاية”. فيه حاجة اسمها “خطوة جديدة”.
وأنا النهاردة، باخد خطوتي اللي جاية بكل ثقة.
عشان أنا عارفة… إن اللي بيعدي من النار، بيخرج دهب.
وأنا، داليا سامح، خرجت من نارهم… دهب خالص.
والحكاية، رغم إنها خلصت، بس أثرها هيفضل دايماً موجود.
هيفضل في كل ست بتواجه، في كل واحدة بتمشي في طريقها، وفي كل إنسان بيختار يواجه الضلمة عشان يوصل للنور.
#حكايات_مني_السيد