بيت جدتي المسروق

مرت سنة كاملة.
الشاليه رجع أجمل من أي وقت فات.
بقيت أقضي فيه نهاية كل شهر، أهرب من ضغط الشغل وأقعد قدام البحر بالساعات.
أما علاقتي بعائلتي فبقت رسمية جدًا.
سلام في المناسبات.
مكالمة كل فترة.
لكن لا رجوع لما كان قبل كده.
الثقة لما بتتكسر، صعب ترجع زي الأول.
أما منة، فبعد ولادة طفلها بشهور، بدأت تشتغل لأول مرة في حياتها.
شغل بسيط في البداية.
لكنها كانت بتحاول.
وأول مرة أشوفها تعتمد على نفسها بدل ما تعتمد على أي حد تاني.
كنت أتابع أخبارها من بعيد.
لا قرب شديد.
ولا عداوة.
مجرد مسافة آمنة.
وفي أحد الأيام، وأنا في الشاليه، سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.
فتحت.
واتفاجأت بأمي.
كانت واقفة لوحدها.
في إيدها كيس صغير.
وشعرها الأبيض زاد بشكل ملحوظ.
كأن السنوات الأخيرة مرت عليها بسرعة.
دخلت وجلسنا بصمت.
ثم أخرجت من الكيس علبة معدنية قديمة.
عرفتها فورًا.
كانت علبة الخياطة الخاصة بجدتي.
سألتها باستغراب:
ـ دي كانت عندك؟
هزت رأسها.
وقالت:
ـ لقيتها بين حاجاتها بعد وفاتها.
ـ وليه ما اديتهاليش وقتها؟
نظرت إلى الأرض.
ثم قالت بصوت منخفض:
ـ لأنّي كنت زعلانة منها.
استغربت.
ـ من تيتة؟
أومأت برأسها.
ـ كنت حاسة إنها بتحبك أكتر مننا.
ساد الصمت.
ثم أكملت:
ـ وبعد اللي حصل… فهمت إنها ماكنتش بتحبك أكتر.
رفعت عينيها نحوي.
وكانت الدموع تلمع فيهما.
ـ كانت بس شايفة الحقيقة.
لأول مرة شعرت أن أمي لا تدافع عن نفسها.
ولا تبرر.
كانت فقط تعترف.
فتحت العلبة.
وجدت أدوات خياطة قديمة، وبعض الصور.
لكن تحت كل شيء كان هناك ظرف صغير.
عليه اسمي.
“ندى.”
فتحت الظرف بيد مرتجفة.
وفي داخله رسالة قصيرة جدًا بخط جدتي.
“إذا وصلت لك الرسالة دي، يبقى لسه فيه حاجة مهمة ما عرفتيهاش.”
شعرت بأنفاسي تتسارع.
وأكملت القراءة.
“في سنة 1998 فتحت حساب توفير باسمك وأنا لسه طفلة. كنت بحط فيه أي مبلغ يفيض من معاشي.”
نظرت إلى أمي بدهشة.
فقالت:
ـ كملي.
عدت للرسالة.
“ماقولتش لحد عليه. حتى أولادي. لأنّي كنت عايزة يبقى ليكي سند لو الأيام غدرت بيكي.”
وفي أسفل الرسالة كان اسم البنك ورقم الحساب.
تجمدت في مكاني.
أمي همست:
ـ أنا رحت البنك قبل ما أجيلك.
ـ ليه؟
ـ لأن الحساب كان باسمي كوصية لحد ما تكملي سن معين.
نظرت إليها بذهول.
ـ وكم فيه؟
ابتسمت ابتسامة باهتة.
وقالت:
ـ أنا نفسي ما صدقتش.
سحبت من حقيبتها ورقة رسمية.
ولما قرأت الرقم…
شهقت.
لأن المبلغ بعد سنوات الفوائد والاستثمارات كان كافيًا تقريبًا لشراء الشاليه مرة أخرى بالكامل.
جلست مصدومة.
لكن أمي فاجأتني أكثر.
قالت:
ـ الفلوس دي عمرها ما كانت أهم حاجة.
ـ أمال إيه؟
اقتربت مني للمرة الأولى منذ سنوات.
وقالت:
ـ إن أمك جاية تعتذر.
ساد صمت طويل.
ثم انفجرت بالبكاء.
هي أيضًا بكت.
وللمرة الأولى منذ وفاة جدتي…
شعرت أن شيئًا ثقيلًا جدًا انزاح من فوق قلبي.
لم تنسَ السنوات ما حدث.
ولم تمحُ الاعتذارات الألم.
لكنها فتحت بابًا صغيرًا للمصالحة.
بابًا لم أكن أتوقع أن يُفتح يومًا.
وأنا أنظر إلى البحر وقت الغروب، أدركت أن جدتي لم تترك لي بيتًا فقط.
ولا أرضًا.
ولا مالًا.
تركت لي شيئًا أثمن بكثير…
تركت لي القوة التي جعلتني أتمسك بحقي عندما تخلى الجميع عنه.
وتركت لعائلتي درسًا لن ينسوه أبدًا:
أن الشخص الهادئ الذي يظنه الجميع الأضعف…
قد يكون في الحقيقة أقوى شخص في الغرفة كلها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *