بيت جدتي المسروق

بعد ما وصل الإنذار القانوني، اتقلب البيت اللي كانوا عايشين فيه على أعصابهم.
أول واحدة اتصلت كانت أمي.
صوتها كان مرتعش لأول مرة في حياتي.
ـ إنتِ بجد هتعملي قضية لأبوكي؟
رديت بهدوء: ـ وأنا لما حقي يتباع من ورا ضهري، المفروض أعمل إيه؟
سكتت ثواني، ثم قالت: ـ إحنا أهلك.
ضحكت بسخرية. ـ لما خدتوا البيت كنتوا أهلي برضه؟
قفلت المكالمة.
بعدها بساعتين لقيت أكتر من عشرين رسالة من منة.
“إنتِ مكبرة الموضوع.”
“أبويا ماكانش قصده.”
“الفلوس اتصرفت خلاص.”
“إنتِ عايزة تدخلي أبويا السجن؟”
لكن الرسالة الأخيرة كانت الأصدق:
“إنتِ طول عمرك غيورانة مني.”
قريتها أكتر من مرة.
الغيرة؟
أنا اللي اشتغلت من وأنا في الجامعة. وأنا اللي كنت بدفع مصاريف نفسي. وأنا اللي كنت بلف على جدتي في عز الحر والبرد.
أما هي فكانت مدللة البيت.
ومع ذلك كانوا مقتنعين إني أنا المشكلة.
بعد يومين اتصل بيّ المحامي محمود.
وقال: ـ عندي خبر مهم.
قلبي دق بسرعة.
ـ المشتري اتواصل معانا.
ـ يعني إيه؟
ـ طلع شخص محترم جدًا. أول ما عرف إن في نزاع قانوني على الملكية وقف إجراءات التسجيل فورًا.
حسيت لأول مرة إن الدنيا مش كلها ضدي.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت بعدها.
المحامي قال: ـ في حاجة أغرب.
ـ إيه هي؟
ـ المشتري بعت صورة لعقد البيع.
فتحت الملف اللي بعتُه.
ولما بصيت على التوقيع…
اتجمد الدم في عروقي.
التوقيع اللي موجود باسمي ماكانش توقيعي.
كان مزور.
بشكل واضح جدًا.
الموضوع ماعادش مجرد تصرف أهوج من أب غاضب.
دي بقت جريمة تزوير كاملة.
في نفس اليوم اتحولت القضية من نزاع مدني إلى قضية أخطر بكتير.
ولأول مرة بدأ الخوف الحقيقي يدخل قلبهم.
أبويا اتصل بعدها بعشر دقائق.
ـ ندى… اسمعيني.
ـ اتفضل.
ـ نحل الموضوع بينا.
ـ بعد التزوير؟
سكت.
ثم قال: ـ ماكنتش أعرف إن المحامي هيكبرها كده.
رديت: ـ المحامي ماكبرش حاجة… الورق هو اللي بيتكلم.
بعد أسبوع استدعيت العيلة كلها للتحقيق.
منة كانت لسه في اليونان لما وصلها الاستدعاء.
فرجعت على أول طيارة.
ولأول مرة شفت صورها على السوشيال ميديا اختفت كلها.
لا شواطئ.
لا فنادق.
لا ضحك.
اختفى كل شيء.
وفي جلسة الصلح الأخيرة قبل المحكمة، دخلت القاعة وأنا متوقعة الإنكار المعتاد.
لكن اللي حصل صدمني.
المشتري نفسه وقف وقال:
ـ أنا مستعد أرجع العقار لصاحبته الأصلية فورًا.
ثم نظر لأبي مباشرة وقال:
ـ لأن الست الكبيرة اللي ورثتها كانت ست محترمة… ومستحيل أرضى آخد بيتها بالطريقة دي.
ساد الصمت.
أبويا كان مطأطئ رأسه.
وأمي تبكي.
أما منة فكانت تنظر للأرض لأول مرة دون أي كلمة.
وأخيرًا تكلم القاضي المكلف بالصلح:
ـ هل توافقون على إعادة كامل المبلغ وتعويض المالكة عن الأضرار؟
نظروا لبعضهم.
ثم هزوا رؤوسهم بالموافقة.
في تلك اللحظة لم أشعر بالانتصار.
شعرت فقط أن جدتي انتصرت.
بعد ثلاثة أشهر عاد البيت إلى اسمي رسميًا.
ورجعت لأول مرة إلى الشاليه الصغير المطل على البحر.
فتحت الباب الخشبي القديم.
ودخلت.
كانت رائحة المكان كما هي.
وصورة جدتي ما زالت معلقة على الحائط.
جلست أمامها بصمت.
ثم همست:
ـ رجع يا تيتة… رجع البيت.
وفي تلك اللحظة فقط، بعد شهور من المعارك والخيبات…
بكيت.
مسحت دموعي، وقعدت على الكنبة القديمة اللي كانت جدتي بتحب تشرب عليها الشاي وقت الغروب.
كنت فاكرة إن القصة انتهت.
لكن الحقيقة إن اللي حصل بعد كده كان أصعب من القضية نفسها.
بعد أسبوع من رجوعي للشاليه، لقيت عربية واقفة قدام البيت.
ولما نزلت أشوف مين…
اتفاجئت بأبويا.
كان واقف لوحده.
أول مرة أشوفه بالشكل ده.
لا عصبية.
لا أوامر.
لا ثقة زيادة عن اللزوم.
مجرد راجل باين عليه إنه كبر عشر سنين في كام شهر.
فضل واقف شوية قبل ما يقول:
ـ ممكن نتكلم؟
بصيت له للحظات.
ثم فتحت الباب.
دخل وقعد في نفس المكان اللي كانت جدتي بتقعد فيه.
لف بعينه في الشاليه كله.
واضح إنه افتكر أيام زمان.
وأخيرًا قال:
ـ أنا غلطت.
بصراحة، دي كانت أول مرة أسمع الجملة دي منه طول عمري.
لكن الغريب إني ماحسيتش بأي راحة.
قلت بهدوء:
ـ عارفة.
نزل رأسه وقال:
ـ كنت فاكر إني بعمل الصح.
ـ تبيع حاجة مش بتاعتك؟
ـ كنت فاكر إن العيلة كلها واحد.
ضحكت ضحكة قصيرة.
ـ لا يا بابا… كنت فاكر إن منة أهم مني.
الصمت ملأ المكان.
لأنه كان عارف إن دي الحقيقة.
بعد دقائق طويلة قال:
ـ يمكن.
كانت كلمة صغيرة.
لكنها كانت اعتراف عمره ما قدر يقوله قبل كده.
ثم أخرج ظرفًا من جيبه.
وحطه قدامي.
فتحت الظرف.
لقيت ورقة بنكية بمبلغ كبير.
استغربت.
ـ إيه ده؟
قال:
ـ الباقي من الفلوس اللي اتباعت بيها الأرض.
ـ قلتوا إن الفلوس كلها اتصرفت.
ابتسم ابتسامة حزينة.
ـ منة قالت كده.
رفعت رأسي نحوه.
ـ يعني إيه؟
تنهد وقال:
ـ الرحلة ماكلفتش حتى ربع المبلغ.
اتجمدت في مكاني.
ـ والباقي؟
ـ في حساب باسمها.
شعرت ببرودة تسري في جسمي.
طوال الوقت كانوا بيقولوا إن المال انتهى.
وطوال الوقت أختي كانت مخبياه.
كأنها كانت تنتظر أن أستسلم.
سألت:
ـ وأنت عرفت إزاي؟
قال:
ـ البنك كشف كل حاجة لما بدأ التحقيق.
سكت لحظة ثم أكمل:
ـ حتى أمك ماكنتش تعرف.
في تلك الليلة لم أنم.
كنت أفكر في شيء واحد فقط.
ليس المال.
بل الخيانة.
لأن الخيانة الحقيقية لم تكن بيع البيت.
الخيانة كانت أنهم جميعًا عرفوا قيمتي الحقيقية بالنسبة لهم.
مجرد شخص يمكن أخذ حقه إذا احتاجت “البنت المفضلة” شيئًا.
بعد أيام قليلة، حدث أمر لم أتوقعه.
منة نفسها طلبت مقابلتي.
وافقت.
وجلسنا في مقهى صغير بعيد عن العائلة.
دخلت وهي مختلفة تمامًا.
لا ثقة زائدة.
لا ابتسامة ساخرة.
لا استهزاء.
جلست أمامي مباشرة وقالت:
ـ أنا حامل.
نظرت إليها بصمت.
ثم قالت:
ـ والراجل اللي كنت مسافرة معاه سابني.
اتسعت عيناي.
أكملت وهي تحاول حبس دموعها:
ـ أخد فلوسي كمان.
وفهمت فجأة أين ذهب جزء كبير من الميراث.
كانت تمول حياة شخص يستغلها.
قالت بصوت مكسور:
ـ عارفة إنك مش هتسامحيني.
ولأول مرة في حياتها بدت ضعيفة.
ضعيفة جدًا.
لكن قبل أن أجيبها قالت جملة لم أنسها أبدًا:
ـ طول عمري كنت فاكرة إنهم بيحبوني أكتر لأنّي مميزة…
بس لما وقعت، اكتشفت إنهم ماعلمونيش أكون قوية… علموني أكون مدللة.
ثم انفجرت بالبكاء.
وعندها فقط فهمت شيئًا مهمًا.
أنا كنت ضحية ظلمهم.
أما هي فكانت ضحية تدليلهم.
وكل واحدة فينا دفعت الثمن بطريقة مختلفة.
لكن السؤال الذي ظل معلقًا بيننا ونحن نجلس في ذلك المقهى كان:
هل يمكن لعائلة تهدمت بهذا الشكل… أن تعود كما كانت يومًا؟ أم أن بعض الكسور لا تُصلح أبدًا؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *