بيت جدتي المسروق
ظل السؤال معلقًا بيني وبين منة، بينما كانت تمسح دموعها بصمت.
نظرت إليها طويلًا.
هذه أول مرة منذ سنوات أراها من غير قناع السخرية والتعالي.
قلت بهدوء:
ـ أنا مش جاية هنا عشان أشمت فيكي.
رفعت عينيها نحوي.
ـ ولا عشان أسامحك بسهولة.
هزت رأسها وكأنها كانت تتوقع ذلك.
ثم دفعت نحوي ظرفًا صغيرًا.
فتحته.
كان بداخله كشف حساب وتحويل بنكي.
استغربت.
ـ إيه ده؟
قالت بصوت خافت:
ـ الفلوس اللي فضلت من تمن البيت.
ـ كلها؟
ـ تقريبًا.
نظرت إلى الرقم.
كان مبلغًا كبيرًا.
أكبر بكثير مما توقعت.
وأضافت:
ـ حولتهم باسمك من أسبوع.
حدقت فيها غير مصدقة.
ـ ليه؟
ضحكت بمرارة.
ـ لأن لأول مرة في حياتي فهمت إن الحاجة اللي مش من حقي عمري ما هترتاح في إيدي.
سكتنا للحظات.
ثم قامت وغادرت.
بدون عناق.
بدون دراما.
بدون طلب للمغفرة.
فقط رحلت.
مرت الشهور.
بدأت أصلح الشاليه.
غيرت الأثاث المتهالك.
أصلحت السقف.
وزرعت الورد الذي كانت جدتي تحبه حول الشرفة.
وأثناء أعمال الترميم اكتشف العمال شيئًا غريبًا.
صندوقًا خشبيًا قديمًا مخبأ خلف أحد الجدران.
اتصلوا بي فورًا.
ذهبت بسرعة.
كان الصندوق مغلقًا بمفتاح صغير صدئ.
وحين فتحناه…
وجدت بداخله صورًا قديمة ورسائل ودفاتر تخص جدتي.
وبين الأوراق وجدت ظرفًا كتب عليه بخط يدها:
“إلى ندى… إذا وجدتِ هذا يومًا.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
جلست على الأرض وفتحت الرسالة.
وكان أول سطر فيها:
“لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا مش موجودة في الدنيا.”
اختنق صوتي وأنا أكمل القراءة.
“أنا عارفة إنك طول عمرك حسيتي إنك لوحدك وسط ناس كتير. وعارفة إنك دايمًا كنتِ الأقوى رغم إن محدش لاحظ ده.”
بدأت دموعي تنزل دون أن أشعر.
“سيبتلك البيت مش عشان أغلى أحفادي… لكن لأنك الوحيدة اللي كنتِ بتجيني عشان تشوفيني، مش عشان تستفيدي مني.”
توقفت عن القراءة للحظة.
ثم أكملت.
“ولو في يوم حاول حد ياخد حقك، أو يقنعك إنك تستاهلي أقل مما تستحقين… افتكري إن جدتك كانت شايفة قيمتك حتى لو غيرها ما شافهاش.”
في أسفل الرسالة وجدت شيئًا آخر.
ورقة بنكية قديمة.
وصندوقًا معدنيًا صغيرًا.
فتحته بارتباك.
وكانت المفاجأة.
عقد ملكية قطعة أرض صغيرة جدًا على البحر، مجاورة للشاليه مباشرة.
قطعة أرض لم يكن أحد في العائلة يعرف عنها شيئًا.
ولا حتى أبي.
وفي آخر الرسالة كتبت جدتي:
“الأرض دي سيبتها مخفية عمدًا. لأنّي كنت عارفة إن الطمع ساعات بيظهر بعد الوفاة. ولو وصلتي لها، يبقى عرفتي تحافظي على حقك.”
جلست في مكاني مصدومة.
لم يكن الأمر متعلقًا بقيمة الأرض.
بل بشيء أكبر.
جدتي كانت تعرف.
كانت تعرف طبيعة العائلة أكثر مما تخيلت.
في المساء خرجت إلى الشرفة.
البحر أمامي كان هادئًا.
والسماء تميل إلى اللون البرتقالي.
أخرجت هاتفي.
ونظرت إلى رقم أبي.
ترددت للحظة.
ثم أغلقت الهاتف دون اتصال.
بعض الجراح بدأت تلتئم.
لكنها لم تُشفَ بالكامل بعد.
أما هذه المرة…
فكان عندي شيء لم يستطع أحد أخذه مني.
ليس البيت.
ولا الأرض.
بل يقيني أنني أخيرًا توقفت عن البحث عن حبٍ لم يكن موجودًا من الأساس.
وبدأت أبني حياة أختارها أنا بنفسي.