منعوا الاكل عن بنتي
أما أحمد، فكان اتغير. بقى أهدى، لكنه في الحقيقة
كان شايل جبل فوق قلبه. لأنه اكتشف إن المشكلة ما كانتش في موقف واحد، ولا في صورة واحدة، ولا حتى في كذبة واحدة. المشكلة كانت في سلسلة طويلة من التصرفات اللي عمره ما وقف عندها. حاجات كان بيعتبرها صغيرة وعداها، لكنها كلها كانت بتوصل لنفس الحقيقة. إن الإنسان اللي اختاره شريك لحياته ما كانش الشخص اللي تخيله.
وفي يوم من الأيام، طلب مني أقابله في كافيه بعيد عن البيت. أول ما شفته عرفت إنه ما نمش طول الليل. قعد قدامي وساكت دقائق طويلة. بعدين قال: “عارفة أكتر حاجة وجعتني إيه؟” سألته: “إيه؟” قال: “إني كنت فاكر نفسي بعرف أميز الناس.” سكت شوية وبعدين كمل: “أنا مش زعلان على نفسي قد ما زعلان على جنا. بنت صغيرة كانت شايفاني بطل، وأنا مقدرتش أحميها من حاجة زي دي.”
وقتها فهمت إن اللي انكسر جواه ما كانش مجرد مشروع جواز أو صورة مثالية راحت، لكن ثقته في نفسه. الإنسان لما يكتشف إنه كان مخدوع، بيبدأ يشك حتى في حكمه على الأمور. وقعدنا ساعات نتكلم، لأول مرة من سنين، زي زمان قبل ما تكبر بينا الدنيا وتاخد كل واحد في اتجاه.
مرت الشهور، وبدأت الحياة ترجع لطبيعتها. لكن المفاجأة حصلت في بداية السنة الدراسية الجديدة. جنا رجعت من المدرسة يوم وهي فرحانة بطريقة غريبة. دخلت البيت تجري وهي شايلة ورقة كبيرة وبتقول: “ماما! ماما! أنا كسبت!” فتحت الورقة لقيتها شهادة تقدير ورسمة متعلقة بمسابقة على مستوى المدرسة. كانت رسمة لعيلة واقفة تحت شجرة كبيرة. سألتها: “مين دول؟” قالت: “إحنا.” ابتسمت وسألتها: “وأنا فين؟” أشارت على ست ماسكة إيد بنت صغيرة. سألتها: “وعم أحمد؟” أشارت على راجل واقف وراهم فاتح دراعاته كأنه بيحميهم.
وقتها حسيت بدموعي بتنزل من غير ما أحس.
لأن الرسمة دي كانت أكبر رد على كل اللي حصل.
الطفلة اللي حاول حد يحسسها إنها غير مرغوب فيها، رسمت نفسها وسط ناس بتحبها وتحميها.
بعدها بأيام قليلة، المدرسة عملت حفل تكريم للأطفال الفائزين. رحت أنا وأحمد وأبويا وأمي. القاعة كانت صغيرة جدًا مقارنة بقاعة الفرح الفخمة، لكن كان فيها دفا أكتر من ألف قصر. لما نادوا اسم جنا، طلعت على المسرح وسط التصفيق. أخدت جائزتها، وبعدين المذيعة سألتها سؤال بسيط: “مين أكتر شخص حابة تشكريه؟”