منعوا الاكل عن بنتي

الجميع

توقع إنها تقول أمها.

أو جدها.

أو معلمتها.

لكن جنا مسكت الميكروفون بإيديها الصغيرتين وقالت: “أنا بشكر كل حد حبني لما كنت زعلانة.”

الجملة كانت بسيطة جدًا.

لكنها نزلت على قلبي زي المطر.

لأن الأطفال أحيانًا بيختصروا الدنيا كلها في كلمة.

بعد الحفل، واحدة من المدرسات وقفت معايا وقالت: “بنتك مختلفة.”

ابتسمت وسألتها: “ليه؟”

قالت: “لأنها رغم كل حاجة مرت بيها، قلبها لسه نضيف.”

رجعت البيت وأنا بفكر في الجملة دي.

قلبها لسه نضيف.

يمكن دي كانت المعجزة الحقيقية.

مش إنها تجاوزت اللي حصل.

لكن إنها ما سمحتش للوجع يحولها لشخص قاسي.

السنين عدت بسرعة بعد كده.

كبرت جنا سنة ورا سنة.

وكل سنة كانت تثبت إنها أقوى مما كنا نتخيل.

وفي يوم من الأيام، وأنا برتب الدولاب القديم، لقيت صندوق صغير. فتحته لقيت فيه فيونكة موف قديمة.

نفس الفيونكة اللي كانت لابساها ليلة الفرح.

وقفت أبص لها دقائق طويلة.

الفستان راح.

والقاعة راحت.

والضيوف راحوا.

والأغاني سكتت.

وحتى الناس نفسها اتغيرت.

لكن الفيونكة فضلت موجودة.

كأنها شاهد صغير على ليلة غيرت حياة ناس كتير.

دخلت جنا أوضتي وقتها، وكانت بقت شابة جميلة وعاقلة.

شافت الفيونكة وضحكت.

قالت: “لسه محتفظة بيها؟”

قلت: “أيوة.”

قالت وهي بتقلبها بين صوابعها: “زمان كنت بزعل لما أشوفها.”

سألتها: “ودلوقتي؟”

ابتسمت ابتسامة هادية وقالت: “دلوقتي بشوفها دليل إني عديت.”

الكلمة دي هزتني من جوا.

لأن الانتصار الحقيقي مش إنك توقع اللي ظلمك.

ولا إنك ترد له الأذى.

الانتصار الحقيقي إنك تكمل.

إنك تبني حياة أجمل من الوجع اللي حاولوا يحبسوك جواه.

إنك تفضل واقف رغم كل محاولات كسر قلبك.

وفي ليلة هادئة بعد سنوات طويلة، كنت قاعدة في البلكونة وجنا بتحضر لمستقبلها وأحلامها، وبصيت للسماء وافتكرت كل حاجة.

افتكرت كيس البقسماط.

وافتكرت دموع طفلة بتحاول تخبي جوعها.

وافتكرت أم كانت على وشك تخسر أعصابها.

وافتكرت راجل اكتشف الحقيقة متأخر.

وافتكرت ناس افتكروا إن القوة معناها السيطرة والإقصاء.

لكن الزمن أثبت حاجة أهم من كل ده.

أثبت إن القلوب الصافية ممكن تتوجع، لكنها نادرًا ما تنهزم.

وإن الطفل اللي

يتربى على الحب، يكبر أقوى من كل محاولات الكسر.
وإن الكرامة عمرها ما كانت في طبق أكل أو مكان على تربيزة.

الكرامة في إنك تعرف قيمتك حتى لو حاول العالم كله يقلل منها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *