منعوا الاكل عن بنتي
لأول مرة من يوم ما عرفها، شفت الشك في عينه. سألني بهدوء: “إمتى اتصورت دي؟” قولتله الصبح. أخد نفس طويل ومشى من غير كلمة. أنا ما جريتش وراه، لكن كل اللي في القاعة بدأ يحس إن فيه حاجة غلط. أحمد راح مباشرة لنيرمين وسألها قدام أهلها مين الشخص اللي في الصورة. في البداية ضحكت وقالت إنه عامل في الفندق. لكن أحمد كان أذكى من كده، لأنه يعرف طارق شخصيًا. ولما كرر السؤال، ارتبكت. ولما طلب يشوف كاميرات الفندق، اتوترت أكتر. وبعد دقائق قليلة بدأ أهلها يتدخلوا ويحاولوا يهدوا الموضوع، وده زود شكوكه. مدير الفندق استدعى مسؤول الأمن، واتفتح تسجيل الكاميرات. وكل الموجودين وقفوا يتفرجوا في صمت. الكاميرات أظهرت إن طارق دخل فعلًا للفندق الصبح، وقضى وقت طويل في جناح تجهيز العروسة، وخرج قبل وصول أغلب المعازيم. المكان كله اتقلب همس وتساؤلات. أحمد ما اتهمش حد بحاجة، لكنه سأل السؤال الوحيد اللي كان محتاج إجابة: “ليه؟” وبعد ضغط طويل اعترفت نيرمين إن طارق كان محتفظ بأوراق قديمة ومستندات تخص شراكة مالية بينها وبينه، وكانت خايفة تظهر بعد الجواز فتسبب مشاكل، فطلبت منه يجي يسلمها الأوراق قبل الحفل. كان ممكن تحكي لأحمد من البداية، لكنها اختارت تخبي. واختارت الكذب. واختارت إنها تنشغل بإخفاء أسرارها بدل ما تهتم بمشاعر الناس اللي حواليها. أحمد وقف وقتها مذهولًا. مش بسبب وجود طارق فقط، لكن بسبب سلسلة الأكاذيب اللي اكتشفها في نفس الليلة. اكتشف إنها أخفت عنه حاجات كتير، واكتشف إنها تعمدت إيذاء جنا، واكتشف إنها وقعت أوامر تمنع طفلة من الأكل في يوم فرحه فقط لأنها غارت منها. وهنا انفجر لأول مرة. مش بالصراخ، لكن بكلمات هزت القاعة كلها. قال لها إن الإنسان ممكن يغلط، لكن اللي يقصد يجرح طفل ضعيف عشان يشبع غروره ما يعرفش يبني بيت محترم. وقال لها إن المشكلة مش في الصورة ولا في طارق، المشكلة إنها كشفت شخصيتها الحقيقية بنفسها. نيرمين حاولت تبكي وتبرر وتقول إنها كانت مضغوطة ومتعبة، لكن محدش قدر يبرر اللي عملته مع جنا. حتى أهلها نفسهم بان عليهم الخجل. أمي كانت بتعيط، وأبويا قاعد ساكت كأنه اتكبر عشر سنين في ساعة واحدة. أما جنا، فكانت قاعدة جنبي مش فاهمة كل التفاصيل، لكنها فهمت حاجة واحدة بس: إن عمها واقف جنبها. أحمد جه عندها، نزل لمستواها، ومسح دموعها وقال: “حقك عليا يا شبر ونص.” وقتها هي انفجرت في البكاء وحضنته، وكل اللي في القاعة اتأثر بالمشهد. بعد ساعات طويلة انتهى الفرح بشكل مختلف تمامًا عن اللي كان مخطط له. ما بقاش ليلة رقص وأغاني، بقى ليلة انكشاف حقائق. أحمد أخد وقت طويل بعدها عشان يراجع كل حاجة ويحسم قراراته بعيدًا عن ضغط الناس والكلام. لكن اللي عمره ما نسيه هو منظر بنت صغيرة قاعدة قدام كيس بقسماط وهي بتحاول تقنع نفسها إنها مش جعانة. وبعد شهور، لما كانت العيلة كلها متجمعة في عيد ميلاد جنا التاسع، دخل أحمد شايل تورتة كبيرة عليها اسمها، وضحكته رجعت من جديد. بص لها وقال قدام الكل: “النهارده صاحبة الحفلة هي أهم واحدة هنا.” ضحكت جنا أخيرًا الضحكة اللي اتسرقت منها في ليلة الفرح. وقتها بس حسيت إن ربنا جاب حقها بطريقة أهدى وأقوى من أي فضيحة كنت ممكن أعملها. لأن بعض الناس بيفكروا إن القوة في الصوت العالي والانتقام السريع، لكن الحقيقة إن أقسى عقاب للظلم هو إنه ينكشف بنفسه قدام الجميع. وفي النهاية، اللي حاول يحرم طفلة من وجبة عشا خسر احترام الناس كلها، أما الطفلة نفسها فكبرت وهي عارفة إن قيمتها عمرها ما كانت طبق أكل ولا كرسي على تربيزة، قيمتها كانت في القلوب اللي حبتها بصدق، ودي حاجة لا غيرة تقدر تمسحها، ولا كذب يقدر يخفيها، ولا أي ليلة مهما كانت صاخبة تقدر تطفي نورها.
بعد عيد ميلاد جنا اللي رجّع الضحكة لوشها، ناس كتير افتكرت إن الحكاية خلصت، وإن اللي حصل في الفرح بقى مجرد ذكرى سيئة واتقفلت صفحتها. لكن الحقيقة إن بعض الجروح مبتقفلش بسهولة، خصوصًا لما تكون في قلب طفل. جنا رجعت تضحك وتلعب، لكن من وقت للتاني كنت بلمح في عينيها نفس السؤال اللي سألته ليلة الفرح: “هو أنا عملت حاجة غلط؟” والسؤال ده كان بيوجعني أكتر من أي حاجة تانية. لأن الطفل لما يتظلم، أول حد بيشك فيه هو نفسه. كنت كل يوم أحاول أفهمها إن الغلط مش منها، وإن الإنسان أحيانًا بيتعرض لمواقف وحشة بسبب أخطاء ناس تانية، لكن الأطفال بيفكروا بطريقة مختلفة. كانوا شهور طويلة وأنا بحاول أبني جواها الثقة اللي حد حاول يهدمها في ليلة واحدة.