اجبرتني حماتي انا وبناتي ننام جانب الغساله ج3 منى السيد
الفصل الرابع والأخير
الشارع كله كان واقف على رجل واحدة. الناس في البلكونات واللي واقفين في المحلات، كلهم عينيهم عليا وأنا واقفة في الشباك بثبات مش قادرة أصلاً أصدق إنه طالع مني.
أحمد كان بيتنفس بصعوبة، وشه رايح وجاي، بين الصدمة من مظهري وبين الإحراج قدام الناس في الشارع. أما الحاجة فوزية، فوصلت لمرحلة من الغضب كانت خلّت وشها يحمرّ ويتجعد أكتر.
صرخت الحاجة فوزية وهي بترفع صباعها في وشي:
“بتفضحينا في الشارع يا ندى؟ دي آخرة عطفنا عليكي؟ طالعة تقولي للناس غسالة وما غسالة؟ ده أنتوا كنتوا عايشين في خير ابني وفي بيته السيراميك والمكيفات! جاية دلوقتي ترمي بناته في العمارة المقشرة دي عشان شوية دلع حريم؟”
أحمد مسك دراع أمه يسكتها، وبصلي بصوت أهدى، بس كان فيه نبرة توتر وغضب مكتوم:
“ندى.. انزلي يا بنت الحلال. الكلام ده ما يتقالش في الشارع قدام اللي يسوى واللي ما يسواش. انزلي ونتفاهم فوق، أو اركبي معايا العربية ونروح بيتنا ونتكلم هناك. البنات ملهمش ذنب في الهبل ده.”
بصيت له بكل الهدوء اللي في الدنيا، وقضيت ثواني سكووت خلت الشارع كله يركز مع كلمتي الجاية:
“البنات ملهمش ذنب فعلاً يا أحمد.. عشان كده أنا أخدتهم وبعيدتهم عن البيت اللي بيكسرهم. إنت جايب أمك تصرخ وتفضحنا، وجاي تقولي نتعاتب؟ عتاب إيه اللي فاضل بعد ما نيمت بنتك تالا ذات الأربع سنين على السيراميك التلج، وسكت لما أمك قالت لجنى إنها مالهاش لازمة هي وأخواتها عشان بنات؟”
الستات في البلكونات المجاورة بدأوا يتهامسوا، وواحدة جارتنا قديمة اسمها أم سيد صرخت من بلكونتها:
“يا ساتر يارب! ينيموا البنات جنب الغسالة عشان بنات؟! إيه القسوة دي يا ناس!”
الحاجة فوزية بصت لأم سيد بغيظ وقالت:
“سكتي الحرمة دي يا أحمد! انزلي يا ندى اطلعي هات البنات وبلاش جنان، واليمين بالله لو ما نزلتيش دلوقتي لأرفع عليكي ق\ضية طاعة وأعلمك الأدب!”
في اللحظة دي، شريف أخويا ما قدرش يستحمل أكتر من كده. زق الشباك ووقف جنبي، وبص لأحمد وأمه بعيون مولعة وقال بعلو صوته:
“طاعة إيه يا أختي إنتي وهي؟! أختي مش راجعة لكم، والراجل فيكوا يقرب من باب العمارة عشان أوريه أصول الرجولة اللي نسيها في بيت أمه! انزلوا من الشارع بتاعنا بكرامتكوا بدل ما المنطقة كلها تتلم عليكوا!”
أحمد لما شاف شريف واقف في الشباك، اتوتر أكتر. هو عارف إن شريف طيب، بس لما بيوصل للمرحلة دي مابيعرفش أبوه.
قال أحمد بصوت بيحاول يسيطر بيه على الموقف:
“يا شريف اهدي.. دي مشاكل بيت وزوجية، ما تدخلش بيني وبين مراتي.”
رديت عليه أنا بصرامة:
“أنا مش مرتك يا أحمد، ولا هكون. إنت طلقني يا أحمد.. طلقني وانسى إن كان ليك ست استحملتك 11 سنة.”
أحمد وشه اصفر، وقال بصدمة:
“أطلقك؟! إنتي اتجننتي يا ندى؟ عشان موقف تافه تضيعي بيتنا؟”
“الموقف اللي إنت شايفه تافه.. ده كان القشة اللي كسر ضهري. امشي يا أحمد، الشريحة اترميت، والباب اتقفل، وما بيننا غير المحاكم والقانون اللي هيجيبلي حق بناتي.”
قفزت الشباك وقفلته بقوة، وشدّيت الستارة القديمة.
سمعت تحت صوت الحاجة فوزية وهي بتسحب أحمد وتزعق: “تعال يا أحمد.. سيبها تصدي هنا، بكرة تعض في الأرض وتجيلي تبوس رجلك عشان ترجع! البنات هيترقوا في الفقر وهيجي يوم وترجعهملك بنفسها!”
سمعت صوت عربية أحمد وهي بتتحرك بسرعة وتفرك في الشارع. قعدت على الأرض، ركبي ما كانتش شيلاني. شريف قعد جنبي ومسك إيدي، والبنات خرجوا من الاوضة وجروا عليا حضنوني.
ملك كانت بتبصلي بدموع وتقولي: “ماما.. إحنا مش هنرجع صح؟ إحنا هنسكن هنا وننظف المكان وهيبقى جميل.”
حضنتهم التلاتة بكل القوة اللي في جسمي وقريت في سرّي الفاتحة. المعركة الأولى خلصت، بس الحرب الكبيرة يلا هتخوضها.
مرت الأيام الأولى صعبة وتقيلة. الشقة بدأت تتصلح وتتظف بشوية مجهود وشوية قراريش من الدهب اللي بعته. شريف كان بيجي كل يوم بعد شغله في الورشة، يجيب معاه خضار ولا فاكهة، ويساعدني في تركيب السباكة القديمة وتظبيط الكهربا.
أول حاجة عملتها، نزلت الإدارة التعليمية التابعة للمنطقة عشان انقل ملفات البنات من مدرستهم الخاصة اللي كانت جنب بيت أحمد، لمدرسة حكومية/تجريبية قريبة من شقتنا الجديدة.
المديرة في المدرسة كانت ست فاضلة، لما شافت أوراقي وشهادتي من كلية الآداب قسم مكتبات ومعلومات، وبصت على تقديري (امتياز مع مرتبة الشرف اللي اتنسى تحت تراب بيت الحاجة فوزية 11 سنة)، وقالتلي:
“ما شاء الله يا مدام ندى.. تقديرك ممتاز، خسارة قعدتك في البيت طول السنين دي. إحنا عندنا عجز في أخصائيين المكتبات والتطوير الرقمي في المدرسة، قدمي في مسابقة العقود المؤقتة اللي نازلة الأسبوع الجاي، وبإذن الله ليكي نصيب.”
الكلمة دي كانت زي شعاع نور اتفتح في أوضة ضلمة.
رجعت الشقة، قعدت على المكتب القديم، وفتحت كتب المكتبات والمعلومات اللي كانت متخزنة في الصنادق. بدأت أراجع وأذاكر وأحدث معلوماتي عن الأنظمة الرقمية والفهارس الإلكترونية. بقيت أسهر طول الليل بعد ما البنات يناموا، أذاكر تحت لمبة الصالة الضعيفة، وأدعي ربنا يفتحها في وشي.
وبالفعل، بعد أسبوعين، نزلت الاختبارات. دخلت الامتحان وأنا واثقة في نفسي لأول مرة من سنين. الأجوبة كانت بتطلع مني بسهولة، وكأني بفرغ الكبت اللي عاش جوايا 11 سنة وأنا مجرد خدامة ومسحوقة في بيت الحاجة فوزية.
وبعد شهر.. جالي جواب القبول. اتعينت أخصائية مكتبات بمكافأة شهرية محترمة كبداية، مع إمكانية التثبيت.
في نفس اليوم اللي استلمت فيه شغلي، وصلني أول محضر من المحكمة.
أحمد ما سكتش. الحاجة فوزية زقته يرفع ق\ضية “إنذار طاعة” وق\ضية “ضم حضانة” بحجة إن الشقة اللي أنا عايشة فيها غير ملائمة للبنات وإنني سيبت بيت الزوجية بدون إذن.
شريف لما شاف المحضر اتعصب وكان عاوز يروح لأحمد الورشة، بس أنا مسكته وقلتله بابتسامة ثبات:
“لا يا شريف.. المعارك دي مابنتكسبش بالذراع، المعارك دي بتتكسر بالقانون والهدوء.”
رحت للمحامي، استاذ صبري، راجل كبير وفاهم شغلانات الأحوال الشخصية. قعدت معاه وشرحتله كل حاجة بالتفصيل: من أول الإهانات للتمييز، وصولاً لليلة أوضة الغسالة، ونقل البنات للمدرسة وتعييني الجديد.
الأستاذ صبري ابتسم وقال:
“اطمني يا مدام ندى. ق\ضية الطاعة دي هنرد عليها بدعوى طلاق للضرر، وهنثبت بالشهود وبرسائل الموبايل وبتقرير المدرسة إن البنات اتعرضوا لإيذاء نفسي شديد. إنتي دلوقتي ست عاملة، وعندك دخل مستقر وشقة ملكك، والحضانة معاكي بقوة القانون.”
بدأت جلسات المحكمة.
أحمد كان بيجي الجلسات معاه محامي كبير، ولابس البدلة الكحلي إياها. كان يبصلي بنظرات خليط بين الغيظ والحسرة. كان فاكر إن بعد شهرين هكون جيت أترجاه يرجعني عشان أستطعم لقمة، بس شافني داخلة المحكمة لابس طقم شيك، واثقة من نفسي، وماسكة شنطة شغلي في إيدي.
في الجلسة الثالثة، المحامي بتاعه وقف وقال للقاضي:
“يا سيادة القاضي، موكلي راجل مقتدر وموفر لزوجته وبناته أرقى عيشة، والمتهمة سابت البيت عشان خلاف بسيط وتدعي افتراءات عن نومهن في أوضة الغسالة، وده كلام لا يصدقه عقل!”
أستاذ صبري وقف بكل هدوء، وطلب شهادة جارنا اللي ساكن قدام بيت أحمد، واللي كان شاهد على الليلة دي وعلى خروجي بالشنط وسماع الشتائم، بالإضافة لشهادة شريف وأم سيد.
والأهم من ده كله.. الأستاذ صبري قدم للقاضي ورقة الرسالة اللي أحمد كان بعتها لي على الواتساب قبل ما أكسر الشريحة (واللي كنت واخدة منها “سكرين شوت” وطبعاها)، أحمد كان كاتبلي فيها:
(يا ندى ارجعي وبلاش فضايح، أمي كانت زعلانة عشان كريم وولاده ومفيش مكان، وأنتي كبرتي الموضوع عشان شوية نومة على الأرض! بكرة أمي ترضى عنك لو عديتي الليلة).
الورقة دي كانت الدليل الدامغ إن الواقعة حصلت، وإن أحمد يعلم ويقر بنوم مراته وبناته على الأرض لحساب قرايب أمه!
القاضي بص للأوراق، وبص لأحمد بنظرة صارمة. أحمد وشه اتغير وبدأ يتلجلج.
وبعد ثلاث شهور من المداولات والمحاكم… صدر الحكم:
“حكمت المحكمة بتطليق المدعية ندى.. طلاقاً بائناً للضرر، وإلزام المدعى عليه أحمد بدفع نفقة بأنواعها للبنات الثلاث، وتوفير أجر مسكن حضانة، مع بقاء الحضانة للأم.”
صوت الشاكوش وهو بيخبط على النظارة كان بالنسبة لي زي صوت المزيكة.
أنا اتطلقت. أنا بقيت حرة.
أحمد وقف مذهول، ومحاميه كان بيهديه. جه ناحيتي وأنا طالعة من القاعة، شريف وقف في وشّه بس أنا شاوراش لشريف يبعد.
وقفت قدام أحمد، وبصيت في عينيه وقلتله:
“مبروك عليك بيت أمك يا أحمد. مبروك عليك السراير الفاضية والأوض الخمسة اللي مفيش فيها غير السكوت والندم.”
أحمد قال بصوت مكسور، ولأول مرة أشوف الدموع في عينيه:
“ندى.. أنتي حطمتي كل حاجة. أنا كنت بحبك.”
ابتسمت بسخرية:
“اللي بيحب حد يا أحمد.. ما يرضاش ينام في تكييف، ويسيب مراته وبناته نايمين جنب خرطوم الغسالة. الحب مش كلام، الحب موقف.. وإنت موقفك كان السكوت.”
سيبته ومشيت من غير ما ألتفت ورايا.
مرت السنين.. أربع سنين كاملين.
الشقة الصغيورة اتغيرت تماماً. دهناها بألوان دافية، الشباك القديم بقى عليه ستائر بيضاء جميلة بتطير مع الهواء. الصالة بقت مليانة كتب وشهادات تقدير.
أنا اتقيت في شغلي وبقيت مديرة مكتبة المجمع التعليمي في المنطقة، وبقى لي اسم وكيان، وبكتب مقالات في أدب الطفل وحقوق المرأة في المجلات التعليمية.
ملك كبرت، بقت في أولى ثانوي، طالعة الأولى على المدرسة وبتحلم تدخل كلية الهندسة.
جنى بقت في أولى إعدادي، شاطرة جداً ورسامة موهوبة، كل لوحاتها عبارة عن أمهات قويات وبنات بيضحكوا تحت الشمس.
تالا الصغيورة بقت في رابعة ابتدائي، ضحكتها ماليانة البيت، وبتقول لكل الناس: “أنا ماما ندى هي بطلتي!”
أما أحمد.. فالأخبار كانت بتجيلي عن طريق المعارف.
بعد ما مشيت، أمه الحاجة فوزية فضلت تدور له على عروسة ثانية عشان “تجيب له الواد اللي يشيل اسم العيلة”. اتجوز وحدة أجنبية عن العيلة، ست قوية وشخصيتها واعرة.
الست دي من أول أسبوع، طردت ضيوف الحاجة فوزية، وما سمحتش لأم أحمد تتدخل في فتلة في البيت. ولما حملت.. جابت بنت! وبعدها جابت بنت ثانية!
الحاجة فوزية اتجلطت من الصدمة، وبقت قاعدة في أوضتها مش قادرة ترفع عينها في مراته الجديدة، اللي خلت أحمد يكتب لها الشقة باسمها وشغلت أحمد عندها في تجارة أهلها، وبقى أحمد مجرد شخص ملوش أي رأي في بيته.
أحمد بقال سنوات بيحاول يكلم البنات، يجي المدرسة يشوفهم، يبعت لهم هدايا في أعياد ميلادهم.
أنا ما منعتهمش منه، القانون بيديله حق الرؤية، وأنا مربيتش بناتي على الكره. بس البنات نفسهم هما اللي بقوا باردين معاه.
في يوم، أحمد جه قعد مع ملك في كافيه قريب من مدرستها في يوم رؤية.
كان باين عليه الكبر، شعره شاب، والهم باين على وشه.
سألها بنبرة ترجي:
“ملك.. هي مامتك مش ناوية تسامح؟ أنا خسرت كل حاجة يا ملك.. خسرتكوا وخسرت بيتي وراحتي.”
ملك بصت له بكل هدوء، مسكت كباية العصير وقالت له بمنتهى الثبات اللي أخدته مني:
“بابا.. ماما مش زعلانة عشان تسامح. ماما نسيت أساساً. إحنا عايشين مبسوطين، وبنحترمك لأنك أبونا، بس المكان اللي بنام فيه جنب الغسالة.. علمنا إزاي نكبر وما نحتاجش لحد ما صانش قيمتنا.”
أحمد وطي وشّه في الأرض وبكى.. بنفس الطريقة اللي وطي بيها وشّه من أربع سنين في أوضة الغسالة، بس المرة دي.. ما كانش فيه حد يستناه.
النهاردة، قاعدة في صالة شقتي الدفية.
الشمس داخلة من الشباك بتنور المكان. البنات حواليا: ملك بتذاكر، وجنى بترسم، وتالا قاعدة في حضني بتفرج على كارتون.
شريف أخويا دخل علينا وهو شايل تورتة كبيرة بمناسبة ترقيتي الجديدة في وزارة التربية والتعليم.
“أحلى مديرة في الدنيا! ألف مبروك يا ندى!”
البنات صرخوا من الفرحة وجروا يعانقوا خالهم اللي كان السند في وقت الشدة.
بصيت لروحي في المراية. شفت ندى جديدة.. ندى اللي الوجع صنع منها ست قوية، الست اللي ما استسلمتش للكسرة، ولا قبلت تنام على الأرض عشان ترضي حد.
الستات مش مجرد “مخلفات بنين أو بنات”.. الست هي الأصل، هي السند، وهي اللي بتصنع البيت بكرامتها. والحمد لله.. بناتي التلاتة كبروا وهما عارفين إن قيمتهم مش في كلام الناس، ولا في مجتمع جاهل بيقيم البني آدم بنوعه.. قيمتهم في عقلهم، وكرامتهم، وقوتهم.
حضنت بناتي التلاتة وقريت عليهم الفاتحة، وأنا واثقة إن الليلة دي.. وكل ليلة جاية.. هننام وإحنا مرفوعين الراس.